كنت عايز اتجوز البنت اللي بحبها

“وحياة أمي ما أنتي خارجة يا بنتي.. أنتي بنتي اللي مخلفتهاش، والبيت ده بيتك، والواطي ده وعروسته هما اللي يغوروا في ستين داهية وما يعتبوش الباب ده تاني!” مريم حاولت تشد إيدها براحة من إيد أمي، وصوتها كان طالع مخنوق ومتقطع من كتر القهرة: “سيبيني يا أمي الله يخليكي.. أنا مليش مكان هنا خلاص. أنا دخلت البيت ده بكرامتي وفاكرة إن ربنا عوضني عن حرماني وعن عيشتي في الدار، فاكرة إني بقيت بني آدمة وليا ضهر وبيت يحميني.. مكنتش أعرف إني مجرد صفقة وخدّامة متسجلة على ورق.”

بصتلي مريم لأول مرة بنظرة خلت الدم يهرب من عروقي.. مكنش فيها غل، كان فيها كمية خذلان وكسرة تهد جبال، وقالتلي بهدوء مرعب: “أنا مكنتش محتاجة منك فلوس، ولا شبكة ألماظ، ولا شقة في السما.. أنا كنت محتاجة بس أحس إني إنسانة، لو كنت جيت قولتلي الحقيقة من الأول وقولتلي محتاجك تخدمي أمي وتونسيها كنت هوافق لله ولثوابها، لكن تخدعني وتبيع وتشتري فيا كده؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا مش هيسيبك.”

قصص وروايات أمانى سيد و قصص وروايات أمانى سيد ٢ زهرة اتعصبت ولفت وشها، ونفخت بضيق وهي بتشد دراعي: “إيه الدراما دي كلها؟! يلا بينا يا حبيبي، إحنا غلطانين أصلًا إننا جينا نبرهم ونعملهم حساب.. خليهم يشبعوا ببعض، بيتك وعيشتك الجديدة مستنيينك وسيبك من وجع الدماغ ده.” أنا لساني كان مربوط، مكنتش قادر أنطق ولا أدافع عن نفسي.. المشهد كان عكس كل اللي رتبته في خيالي، كنت فاكر إني هفرض الأمر الواقع والكل هيرضخ، لقيت نفسي فجأة بطلع من بيت أمي مطرود، وصوت دعاء أمي وغضبها بيرن في ودني ويهز حيطان العمارة.

نزلت وأنا ماسك إيد زهرة، بس الخطوة كانت تقيلة، والنشوة والانتصار اللي كنت حاسس بيهم اتبخروا في ثواني وحل مكانهم إحساس غريب بالخنقة والضيق. روحت مع زهرة شقتنا الجديدة.. أول كام يوم عدوا في دوامة الجواز والزيارات والخروجات، كنت بحاول أهرب من التفكير، أضحك وأهزر وأقنع نفسي إني عملت الصح وإن ده حقي أعيش مع اللي بحبها.. بس الحقيقة المرة بدأت تظهر بدري أوي.

زهرة مكنتش البنت اللي شوفتها في فترة الخطوبة؛ بدأت طلباتها تزيد بشكل مبالغ فيه، وكل يوم خناقة على مصاريف، وعلى خروج، وعلى دلع مبيخلصش. مكنتش بتعمل لقمة في البيت، وطول النهار نايمة أو ماسكة الموبايل، والبيت دايمًا مقلوب ومهمل، ولما كنت أطلب منها تعمل حاجة كانت تزعق وتقولي: “أنا متجوزاك عشان اتدلع وأعيش هانم، مش عشان أطبخ وأنضف.. هاتلي شغالة تخدمني زي ما كنت متعودة في بيت أهلي!”

وفي يوم، رجعت من الشغل مهدود وتعبان بعد يوم طويل، ملقتش أكل، والشقة تضرب تقلب، وزهرة بتطلب مني أنزل أجيبلها أكل جاهز ومصممة على خروجة مع صحابها.. قعدت على طرف السرير، وافتكرت فجأة مريم. افتكرت لما كنت أرجع مهدود ألاقي الأكل سخن وريحته تفتح النفس مستنيني، هدومي مغسولة ومكوية في الدولاب بنظام، كوباية الشاي بتتحط قدامي بابتسامة هادية ومن غير ما أنطق بطلب.. افتكرت رضاها وقناعتها اللي كنت شايفها ضعف واستباحتها بغبائي.

قومت من مكاني، ومن غير ما أرد على زهرة، مسكت تليفوني ورنيت على أمي.. بس الخط كان مقفول. رنيت على تليفون البيت، فضلت أسمع الرنة لحد ما قطعت، ومحدش رد. القلق أكل قلبي، نزلت جري وركبت العربية وطرت على بيت أمي.. طلعت السلم خطوتين خطوتين، وطلعت المفتاح وحطيته في الباب.. بس المفتاح مكنش بيلف، أمي غيرت الكالون. فضلت أخبط بإيدي الاتنين بهستيريا وأنا بنادي: “يا أمي.. يا أمي افتحي، أنا ابنك وحبيبك.. افتحي عشان خاطري!”

وبعد دقايق، الباب اتفتح بالراحة.. ووقفت قدامي المفاجأة اللي رجعتني لنقطة الصفر وخلتني أدرك حجم الكارثة اللي عملتها في حق نفسي. الباب اتفتح ببطء، ومكنتش أمي اللي واقفة وراه.. كان راجل كبير في السن، وشه بشوش ومريح، لابس جلباب شيك وباين عليه الهيبة والوقار، وكان واقف جنبه واحد من جيراننا القدامى في العمارة. الراجل بصلي من فوق لتحت بنظرة استغراب وهدوء وسألني: “خير يا بني؟ بتخبط كده ليه وبتنادي على مين؟” أنا اتسمرت في مكاني، وبصيت جوة الشقة وقولتله وأنا بنهج وصوتي بيترعش:

“أنت مين وبتعمل إيه في شقة أمي؟! أمي فين ومريم فين؟!” الجار رد عليا بحزن وعتاب واضح في عينيه: “والدتك مش هنا يا بني.. والدتك سابت العمارة دي من أسبوعين، والشقة دي اتأجرت للأستاذ.” الكلمة نزلت على دماغي زي مية ساقعة، رجعت خطوة لورا وقولت بذهول:

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
6