كنت عايز اتجوز البنت اللي بحبها

“سابت العمارة؟! يعني إيه سابتها؟ راحت فين؟! دي شقتها ومطرحها، هتروح فين يعني ومين اللي معاها؟!” الجار قرب مني، حط إيده على كتفي وطبطب عليا بحسرة وقال بصوت واطي: “والدتك تعبت أوي بعد اليوم اللي جيت فيه يا ابني.. جالها جلطة خفيفة من الزعل والضغط ونقلوها المستشفى، ومكنش جنبها في المستشفى دي ليل ونهار غير مريم الغلبانة اللي أنت كسرت بخاطرها.. مريم هي اللي شالتها وغيرتلها وداوتها وسهرت جنب رجلها لحد ما وقفت على حيلها تاني. وأول ما خرجت، والدتك أصرت تبيع عفش الشقة وتأجرها، وقالت إنها مش عايزة تعيش في مكان يفكرها بالخزي والعار اللي عملته.”

مسكت في دراع الجار بهستيريا وقولتله: “طب راحت فين يا عم الحاج؟! قولي عنوانها الله يسترك، أنا ابنها الوحيد ومينفعش تسيبني كده!” الجار هز راسه بأسى وشال إيدي من على كتفه: “معرفش والله يا بني راحت فين.. كل اللي أعرفه إنها كتبت شقة تانية كانت مأجراها لمريم باسمها بيع وشرا، وراحت عاشت معاها، ومريم نزلت تدور على شغل واشتغلت في حضانة عشان تصرف على أمك وتتكفل بعلاجها من غير ما تمد إيدها لمليم منك.. أمك حلفت كل سكان العمارة مفيش مخلوق يديك طريقها ولا يقولك على مكانها، وقالت بالحرف: (ابني مات يوم ما جاب الغريبة وداس على كرامة اليتيمة).”

الدنيا لفت بيا، ونزلت السلم وأنا مش حاسس برجليا تحت مني.. ركبت العربية وضربت بإيدي على الدركسيون وأنا بصرخ من القهرة. رجعت على شقتي الجديدة.. أول ما فتحت الباب، لقيت زهرة قاعدة حاطة رجل على رجل، بتعمل ضوافرها، وأول ما شافتني داخل وشي أصفر زعقت ببرود: “كنت فين ده كله؟! الأكل مجاش يعني؟ وبعدين مالك قالب وشك وداخلي زي الهم كده ليه؟” بصيت لزهرة.. بصيت للوش اللي كنت فاكره حب عمري وكنت مستعد أخسر الدنيا عشانه.. حسيت بغثيان وبقرف من نفسي ومنها. مكنتش شايف فيها غير الأنانية والجشع والخواء.

سكت خالص ومردتش عليها، دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح.. قعدت على الأرض في الضلمة، وافتكرت كل لحظة دعتلي فيها مريم وهي بتناولني كوباية الشاي، وافتكرت نظرة الرضا اللي في عيون أمي لما كانت مريم بتسندها.. أنا كسبت الشقة الفخمة، وكسبت البنت اللي حاربت عشانها، بس في المقابل؟ خسرت أمي، وخسرت رضاها، وخسرت إنسانة نقية كانت ممكن تشيلني في عينيها العمر كله.. وعرفت ساعتها إن دعوة المظلوم مبتضيعش، وإن ذنب مريم هيفضل كابوس يطاردني ويخنقني في كل لقمة وكل خطوة جاية في حياتي.

الأيام بقت عبارة عن سجن كبير.. زهرة مكنتش بتههد ولا ترحم. الشقة اللي فرشتها بدم قلبي وبأغلى الأشياء تحولت لجحيم، خناقات كل يوم على أقل تفاصيل، وفلوس الشغل اللي كنت بطلع روحي عشان أجيبها كانت بتطير في الشوارع واللبس والخروج والمظاهرات الفارغة. وفي مرة، وفي نص خناقة كبيرة بيني وبين زهرة، لما قلتلها إنتي طماعة ومبيهمكيش غير نفسك، صرخت في وشي بكل قسوة:

* “أومال إنت فاكر إيه يا روح أمك؟! أنا مش خدامة عندك، ولا قاعدة عشان أطبطب عليك.. أنا اتجوزتك عشان أعيش عيشة الهوانم، ولما لقيتك ولا حاجة وإن كل همك هم أمك والست اللي كانت قاعدة في بيتك، فوق لنفسك أنا مليش دعوة بده كله!” كلماتها كانت القلم التاني اللي فاقني بس متأخر أوي. بصيتلها وسكتّ.. مكنش فيا حيل أرد، حسيت إن ربنا بيعاقبني جزاء وفاقار على كل اللي عملته.

عدت شهور، والشغل بتاعي بدأ يتأثر بسبب حالتي النفسية اللي بقت تحت الصفر، لحد ما في يوم دخلت الشركة لقيت قرار فصلي أو خصم كبير بسبب الإهمال، والدنيا اتقفلت في وشي من كل ناحية. زهرة أول ما عرفت إن الفلوس قلت وإن الحال اتغير، مأخدتش وقت.. صحتني في يوم على صوت شنطتها وهي بتلم هدومها، وقالت ببرود وهي خارجة من الباب: * “أنا مش هعيش في الإفلاس ده.. سلام يا حبيبى، دور على حد تاني ينكد عليك!”

خرجت وسابتني لوحدي في الشقة الواسعة الفخمة اللي بقت كأنها مقبرة.. مكنش فيه لا زهرة، ولا أم، ولا مريم. قعدت على الأرض أعيط زي العيال الصغيرة، لأول مرة أنزل دمعة حقيقية من قلبي.. افتكرت كل اللي عملته، وندمت ندماً عميقاً ملهوش آخر. نزلت زي المجنون أدور على أمي في كل مكان ممكن تخطر على بالها.. سألت الجيران القدامى، دورت في المستشفيات، فضلت ماشي في الشوارع زي التائه، لحد ما في يوم، وبعد سنة كاملة من العذاب، وأنا ماشي صدفة جنب حضانة أطفال في منطقة شعبية، سمعت صوت ضحكة طفل بيفكرني بريحة البيت القديم.

رفعت عيني.. لقيت يافطة الحضانة، ولقيت على الباب مريم.. مريم كانت بتبتسم وهي بتسلم طفل لأمه.. كانت أبسط بكتير، بس وشها منور، فيه سك/ينة وسلام داخلي مكنش موجود نهائي وهي في بيتنا. قلبي دق بجنون، وقفت مش بعيد وعيني دمعت.. لقيتها بصت وشافتني. ابتسامتها اختفت لثواني، ونظرة الخذلان رجعت في عيونها، بس المرة دي كان فيها إشاعة تسامح أو يمكن شفقة على الحالة الصعبة اللي وصلت لها.. وقفت مكانها من غير ما تقرب، وأنا قربت بخطوات بتترعش، نزلت على ركبي قدامها، وبصيت في الأرض وقلت بصوت مكسور:

* “سامحيني.. أنا جيت أدفع ثمن غبائي وغدري.. أمي.. أمي عاملة إيه؟ والنبي طمنيني عليها.. مش عايز أخدها منك، بس عايز أشوفها وأبوس إيدها قبل ما أموت من الندم.” مريم بصتلي طويلًا، وفي عيونها لمعت دمعة نزلت على خدها بهدوء، وقالت بصوت دافي هز روحي: * “أمك.. أمك يا سيدي دعت عليك كتير، بس في كل صلاة كانت بتدعي ربنا يهديك وينور بصيرتك.. أمك عايشة معايا، وفي حضني، وبخير الحمد لله.. بس عشان تقابلك، هى اللي تقرر.. تعالى معايا.”

مشيت وراها وأنا حاسس إني برجع للحياة من جديد، بدموع وندم عمره ما هيتنسي، وعرفت ساعتها إن العوض بيبدأ من ساعة الصدق، وإن حقوق الناس والقلوب الطيبة مابتضيعش عند ربنا أبداً. مشيت ورا مريم وخطواتي بتجر بعضها بالعافية، لحد ما وصلنا لبيت هادي في منطقة بسيطة.. أول ما الباب اتفتح، شفت أمي قاعدة على كرسي مريح، وشها كان أهدى بكتير من آخر مرة، بس العجز والسن بانوا عليها أكتر. أول ما عيني جت في عينها، رميت نفسي تحت رجليها وفضلت أعيط وأبوس إيدها وراسها:

“سامحيني يا أمي.. أبوس رجلك اغفريلي، أنا ادمرت وخسرت كل حاجة.. زهرة سابتني أول ما الفلوس راحت والشغل ضاع، وعرفت إن ذنبكم هو اللي عمل فيا كده!” أمي سكتت ودموعها نزلت، وبصوت هادي وحنين طبطبت على كتفي وقالت: “مسامحاك يا بني عشان أنت حتة مني.. بس الجرح اللي سيبته في قلب الغلبانة دي مش هيمحيه ندمك ده كله.” لفيت وشي لمريم، ووقفت قدامها وأنا كلي أمل إني أصلح اللي انكسر.. مسكت إيدها وحاولت أترجاها:

“مريم.. أنا طلقت زهرة ومستعد أبدأ معاكي من الصفر، هعوضك عن كل دمعة نزلت من عينك، هكتبلك كل اللي أملكه، وهعيش خدام تحت رجلك أنتي وأمي.. اديني فرصة تانية وأنا هرجعك على ذمتي وأعملك أحسن فرح في الدنيا.” لحظة الحقيقة وقرار مريم مريم سحبت إيدها من إيدي بمنتهى الهدوء والثبات، وبصتلي بنظرة خلتني أحس إني أصغر بكتير مما أتخيل.. مكنش في عينيها أي كره، كان فيها بس استغناء تام وقوة عمرها ما كانت باينة عليها زمان.

قالتلي بصوت واطي بس رن في أركان الأوضة: “أنت فاهم غلط يا ابن الأصول.. أنا مش ورقة تشتريها وقت ما تعوز وترميها وقت ما تحب، ولا أنا بديل ترجعله لما اللي جريت وراها تكسرك وتبيعك. أنا لما سامحتك، سامحتك عشان أطهر قلبي وميبقاش فيه غل، مش عشان أرجع للبير اللي رماني فيه غدرك. كرامتي اللي داست عليها رجليك زمان رجعتلي يوم ما خرجت من بيتك، ومفيش قوة على الأرض هترجعني ليك تاني.” عوض ربنا الجميل

مرت شهور، وكنت باجي كل أسبوع أزور أمي وأطمن عليها من بعيد لبعيد، شايف مريم وهي بتكبر في شغلها في الحضانة ومحبوبة من كل الناس.. لحد ما جه اليوم اللي شفت فيه عوض ربنا ليها بعيني. واحد من أولياء الأمور كان بيجيب ابن أخته الصغير الحضانة كل يوم بعد وفاة أمه.. كان اسمه طارق، مهندس محترم، راجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى. طارق لفت نظره حنية مريم وطيبتها وأخلاقها العالية، ومعاملتها للصغير كأنه ابنها.

* سأل عليها في الحضانة وعرف قصتها كلها بالكامل. * جه لأمي في البيت، وقعد راجل لراجل يطلب إيد مريم من أمي بصفتها ولية أمرها وسندها. * قال لأمي جملة عمري ما هنساها: “أنا مش بس جاي أطلب إيد مريم.. أنا جاي أطلب رضاكم وأشيلها هي وحضرتك فوق راسي طول العمر.” وفي يوم كتب كتابها، وقفت من بعيد أراقب المشهد من ورا الشارع.. شفت مريم بفستان أبيض بسيط من غير أي بهرجة، وشها كان منور بفرحة حقيقية مفيهاش ذرة خوف ولا انكسار، وطارق ماسك إيدها بحب واحترام، بيبصلها كأنها أغلى كنز في الدنيا.

أمي كانت واقفة جنبهم بتزغرد والدموع مالية عينيها من الفرحة، ولأول مرة أشوف ابتسامة أمي الصافية اللي اتحرمت منها سنين. ساعتها بس فهمت.. إن القلوب النقية مابتتكسرش للأبد، وإن ربنا لما بياخد من الطيبين بيعوضهم بأحسن بكتير، أما أنا.. فكان نصيبي إني أعيش باقي عمري شايل ذنب غبائي، وأتفرج على السعادة اللي ضيعتها بإيدي وهي بتبني بيت تاني مع راجل عرف قيمتها بجد. أما زهرة.. فكانت فاكرة إن الدنيا هتفضل تضحكلها، وإن جمالها وشطارتها في التلاعب هيفتحولها كل الأبواب المقفولة.

بعد ما سابتني وطلبت الطلاق وأخدت كل اللي قدرت عليه، كانت حاطة عينها على مستوى أعلى.. مكنتش مقتنعة بحياتها معايا من الأول، وعيونها كانت دايمًا باصة لفوق، للي عنده فلوس أكتر وعربيات أفخم ومظاهر تتباهى بيها قدام صحابها على السوشيال ميديا.

بعد طلاقنا بفترة قصيرة، اتعرفت على راجل أعمال – أو على الأقل ده اللي كان مبينه للناس – كان بيغرقها هدايا ومظاهر كدابة، ووعدها إنه هيعيشها عيشة الأميرات في فيلا في التجمع وسفر بره مصر كل شهر. زهرة انبهرت بكل سهولة، ومفكرتش تسأل عن أصله ولا فصله ولا حتى مصدر الفلوس دي إيه.. كل اللي كان فارق معاها إنها لقت “الصيد الثمين” اللي يرضي غرورها. اتجوزته في فرح أسطوري، ونزلت صور وفيديوهات عشان تغيظ كل الناس وتثبت إنها كسبت في الآخر.. بس الحفلة مكملتش.

سقوط القناع بعد شهرين اتنين بس من الجواز، بدأت الحقيقة المرة تنكشف: طلع نصاب ومطارد: الراجل طلع غرقان في ديون وشيكات بدون رصيد، والفيلا والعربيات كلها كانت إيجار ومظاهر كدابة لنصب أكبر. الاستغلال والورطة: استغل طمعها وكتب باسمها عقود وشركات وهمية، وأقنعها تمضي على وصولات أمانة وشيكات بحجة إنه بيأمن مستقبلها وبيعملها بيزنس خاص بيها. الهروب الكبير: فجأة وفي ليلة وضلتها، فص ملح وداب.. هرب بره البلد وساب وراه بلاوي متلتلة. زهرة صحت في يوم على صوت خبط ورزع على باب الشقة.. كانت الشرطة ومعاهم أحكام وقضايا نصب وشيكات بالملايين موجهة ضدها هي بصفتها الشريكة والضامنة في كل الأوراق.

اتقبض عليها ونزلت بالكلابشات في إيديها قدام عمارة كاملة وعيون الناس بتاكل فيها.. كل الدهب واللبس والشبكة اللي حرقت دمي عشان أجيبهالها اتبعوا في مزادات عشان يسددوا جزء بسيط من الديون، وأهلها اتبروا منها ومن الفضايح اللي جابتهالهم. وفي زيارة لمحامي كنت بخلصله ورق قديم، شفتها بالصدفة في المحكمة.. كانت قاعدة على دكة خشب، لابسة لبس الحبس الأبيض الباهت، وشها مطفي، مفيش نقطة مكياج، وعينيها غرقانة في رعب وذل لا يوصف، مستنية حكم بالسجن هيضيع من عمرها سنين وسنين.

بصيتلها من بعيد وافتكرت يوم ما دخلت بتبص لمريم باستعلاء وقرف وتقولها “أنتي كفاية عليكي تخدمي هنا”.. سبحان من يذل من يشاء ويعز من يشاء؛ مريم اللي اتقهرت وداست على كرامتها ربنا كرمها ببيت وعز وراجل شايلها فوق راسه، وزهرة اللي شافت نفسها على خلق الله وبنت سعادتها على خر اب البيوت، رماها طمعها في قاع مظلم ورا القضبان، تدوق نفس مرارة الكسرة.. بس بأبشع طريقة ممكنة.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
6