وقفت من طولى وطربيزة الكافيه اتهزت من عصبيتي
يعني أحمد جوزي، مضى على نفسه شيكات ووصولات أمانة بمئات الآلاف، ودبس نفسه في ديون عشان يغطي على سـ,ـرقة أخته، وكل ده من ورايا؟ وبيدبسني في عيالها عشان هما يتفرغوا للمصيبة؟
رامي هز راسه وقال
أيوه يا سارة. وأنا لما أحمد كلمني من شوية وهو بيبكي وبيقول لي العيال بيخربوا البيت وسارة مشيت وأمي ضغطها عالي، أنا قلت له أنا ماليش دعوة، العيال عندك أسبوعين زي ما اتفقتوا، أنا نفسيتي مدمرة ومش قادرة أشوف وش حد من عيلتكم.
بس لما لقيت أحمد هينهار، صعب عليا آدم الصغير، وجيت عشان أقول لك الحقيقة… إنتِ مظلومة في الليلة دي يا بنت الناس، وجوزك بيمثل عليكِ هو وأمه.
طلعت الأوضة بتاعتي في الفندق وأنا مش شايفة قدامي. الدنيا كانت بتلف بيا. أحمد، شريك حياتي، الراجل اللي بخلان عليا بكلمة حلوة، واللّي بيستخسر فيا ثمن علبة لبن صناعي غالية لآدم، ومستخسر يخليني أجيب شغالة تساعدني لو يوماً تعبت، رايح يمضي على نفسه وصولات أمانة توديه السجن عشان أخته المستهترة؟ ويخبوا عليا كأنني غريبة أو جارية عندهم في البيت؟
فتحت الموبايل، ولقيته بدأ يشتغل تاني.
لقيت أحمد باعت رسالة صوتية، صوت الصريخ ورايا كان عالي جداً، ومالك وسلمى كانوا بيعيطوا بهيستيريا. أحمد كان صوته مبحوح وخايف
سارة… أنا آسف. أنا عارف إني عكيت. أمي تعبت وجبنا لها الدكتور في الشقة، والعيال مبهدلين الدنيا وأنا مش ملاحق. أرجوكِ ارجعي عشان خاطر آدم، وأنا هحكي لك كل حاجة، والله هحكي لك كل حاجة!
رديت عليه برسالة مكتوبة، كلماتها كانت زي الرصاص
أنا عرفت كل حاجة يا أحمد. رامي حكى لي على السـ,ـرقة والشيكات وشقة شبرا. مفيش داعي تحكي. وأنا مش راجعة. الشقة شقتك، وعيال أختك عندك، اتصرف معاهم بقا بال راحة اللي كنت بتقول عليها.
بعد دقيقتين بالظبط، لقيت مكالمة من حماتي. رديت وأنا حاطة رجل على رجل وقلبي ميت.
حماتي صوتها كان طالع بالعافية، باين عليها التعب فعلاً
يا سارة… يا بنتي… حرام عليكِ اللي بتعمليه فينا ده. إحنا في مصيبة وخراب بيوت. أحمد ماله ذنب، ده كان بيحمي أخته وسمعة ابنك آدم! لو نهى اتسجنت، ابنك بكره هيروح المدرسة ويقولوا له عمتك حرامية! إحنا عملنا كده عشان نحمي العيلة!
ضحكت بصوت عالي وسمعتهالها
تحموا العيلة؟ ولا بتشتغلوني؟ جايين تفرشوا لي الوش الخشب وتقولوا لي واحد زي تلاتة وأنا زي الهبلة أخدم وأشيل وأنتوا بتخططوا من ورا ظهري؟
أحمد مضى شيكات بفلوس هي ورث ابني ومستقبله! أحمد دبس نفسه في ديون ممكن تسجنه، وجايين تطلبوا مني أرجع أعمل رضعات وأغير بامبرز؟
حماتي بدأت تعيط
طيب ارجعي عشان خاطر آدم الصغير… الواد هيمـ,ـوت من العياط ومش عاجبه أكل أبوه.
آدم ابني أنا هعرف آخده إزاي يا طنط. أحمد أبوة وقاعد معاه، مش هيمـ,ـوته يعني. لكن رجوع للبيت ده مش هيرجع إلا بشروطي أنا… وشروطي هتبقى تقيلة قوي عليكم.
قفلت السكة. قعدت على الكرسي وأنا بخطط للخطوة الجاية. أنا مش هسيب حقي، ومش هسيب جوزي يضيع مستقبلي ومستقبل ابني عشان أخته النصابة وعشان خاطر طاعة أمه العمياء.
ثاني يوم الصبح، الساعة تسعة، لبست أحسن هدوم عندي، وحطيت ميك اب خفيف يداري الهالات، ونزلت. ركبت تاكسي ورحت على شقتي.
أول ما حطيت المفتاح في الباب وفتحته… شميت ريحة الشقة. ريحة كمكمة على لبن مدلوق على شياط أكل. الشقة كانت تشبه المقبرة بعد إعصار. السجاد كله بقع، الحوائط مشخبط عليها بالأحمر والأسود، المطبخ مليان مواعين لحد السقف، وعلب السيريلاك مدلوقة في كل حتة.
حماتي كانت نايمة على الكنبة في الصالة، حاطة قماشة مبلولة على راسها وشكلها عيانة بجد. ومالك وسلمى كانوا قاعدين في الأرض، واد منهم ماسك ريموت التلفزيون المكسور، والبنت بتعيط بملل.
أما أحمد…
فكان واقف في المطبخ، بيحاول يعمل بيض مسلوق، ووشه هربان منه الدم، وأول ما شافني، ساب المعلقة وجري عليا كأنه شاف طوق النجاة. غسيل تيشيرته كان مبهدل، وعيونه فيها رجاء غريب.
سارة! الحمد لله إنك جيتي! أنا كنت همـ,ـوت… الشقة… وآدم…
بصيت له من فوق لتحت ببرود تام، وميلت راسي
فين آدم؟
نايم جوه… نام بالعافية بعد ما عيط طول الليل. سارة، أنا هفهمك… رامي أكيد هول لك الموضوع…
قاطعته بإيدي وأنا برفع صباعي في وشه
رامي ما هولش حاجة. رامي قال الحقيقة اللي إنت وأمك كنتوا مخبينها. مضيت شيكات بكام يا أحمد؟
أحمد بلع ريقه وبص لأمه اللي قامت قعدت بتعب على الكنبة وبصت لي بخوف. أحمد قال بصوت واطي
نص مليون جنيه يا سارة… رامي كان هيسجنها، وأنا مكنش قدامي حل تاني. أمي كانت هتمـ,ـوت من جلطة لو نهى دخلت الحجز.
ضحكت بسخرية
نص مليون جنيه؟ ده إنت لما طلبت منك نغير غسالة الأطباق اللي باظت من شهرين قلت لي معيش والعيشة غالية ويادوب مكفيين مصاريف آدم! تطلع معاك نص مليون لأختك الحرامية؟
حماتي زعقت بتعب
احترمي نفسك يا سارة! دي أخته! مش غريبة!
بصيت لحماتي بعين حامية
أخته تسـ,ـرق وتخـ,ـرب بيتها، تتحمل نتيجة أفعالها يا طنط! مش تيجي تخرب بيتي أنا وتضيع شقى جوزي اللي هو شقايا وشقى ابني!
لفيت لأحمد وقلت له بشروط واضحة وحاسمة
قدامك حل من الاتنين يا أحمد، ومفيش تالت. يا إما الشيكات دي تتلغي، وأختك تروح تواجه مصيرها ورامي يتصرف معاها، يا إما الشقة دي اللي إحنا قاعدين فيها، تتكتب باسمي أنا وآدم بيع وشراء قطعي، كضمان ل حق ابني في فلوسك اللي بتوزعها على أختك، وتعمل لي مصاريف شهرية ثابتة تنزل في حسابي ماليش دعوة ب ديونك.
أحمد شهق وصدمته كانت أكبر من صدمة امبارح
أكتب الشقة باسمك؟ إنتِ بتستغلي محنتي يا سارة؟ بتلوي دراعي عشان أختي في داهية؟
أنا بحمي ابني من غبائك يا أحمد! ومن كدبكم! لو مش عاجبك، أنا هاخد آدم دلوقتي حالا، وهطلع على بيت أهلي، والمحامين بقا هما اللي يتكلموا، وقضية نفقة ومؤخر وقايمة، وهخليك تدفع النص مليون لرامي، والنص مليون التاني ليا ولابنك في المحاكم… واختار بقا مين أولى بالدفع!
أحمد بص لأمه وهو عاجز تماماً، وحماتي كانت بتتنفس بصعوبة ومش عارفة ترد. وفجأة، وسط الصمت والتهديد ده، جرس الباب رن تاني…
بس المرة دي الرن كان خبط ورزع عنيف جداً، كأن الشرطة واقفة برة!
أحمد جري يفتح الباب وهو مرعوب، وأول ما فتح، لقيت جوز أختها رامي واقف، ومعاه اتنين رجالة شكلهم غريب، وفي إيده ورقة… وبص لأحمد وقال بزعيق هز الشقة كلها
أختك الهربانة سـ,ـرقت فيزا أمي التانية امبارح بالليل وسحبت فلوس وهربت من شقة شبرا يا أحمد! الشيكات اللي معاك دي مبلولة واشرب ميتها، أنا جاي الحجز على العفش والشقة دي حالا!
الجزء الرابع والأخير
الشقة كلها اتزلزلت بكلمات رامي.
أحمد وقف في مكانه كأنه اتصعق بكهربا، إيده سابت مقبض الباب وعينه بقت زايغة وبصق لعابه بالعافية. حماتي سناء قامت من على الكنبة كأن الوجع اللي في جسمها اختفى فجأة من الصدمة، وطرحتها وقعت على كتافها وهي بتصرخ
أنت بتقول إيه يا رامي؟ بنتي نهى تهـ,ـرب؟ وتسـ,ـرق تاني؟ لأ مستحيل، بنتي متربية ومبتعملش كده!
رامي دخل الشقة بكل غيظ، وزق أحمد في كتفه وهو بيشاور بالورقة اللي في إيده والرجالة اللي معاه واقفين على الباب وراسمين وشوش خشب
متربية؟ روحوا شوفوا الست هانم المتربية اللي قفلتوا عليها في شقة شبرا وعملتوا لي فيها حماة الحمى!
دي غفلت خالتها اللي كانت قاعدة معاها امبارح بالليل، وسـ,ـرقت الفيزا من شنطتها، ونزلت سحبت المتاح فيها كله، وطلبت أوبر وطفشت! والصبح البنك بعت رسالة لخالتها، ولما كلمنا البواب قال إنها نزلت بشنطة هدومها الكبيرة الساعة 3 الفجر! بنتك مش مريضة ولا ضحية يا سناء، بنتك نصابة ومجرّمة، وأنا مش هسكت على مليم واحد!
أحمد لف لرامي وصوته طالع مخنوق، كأنه عيل صغير بيستعطف جلاد
طيب وأنا ذنبي إيه يا رامي؟ أنا مش مضيت لك على وصولات وشيكات بنص مليون جنيه؟ حقك معايا وفي رقبتي، سيب الشقة وسيب العفش، أنا هبيع الأرض وأسدد لك!
رامي ضحك بمرارة وسخرية، وصوته سمع العمارة كلها
أرض إيه اللي تبيعها يا مغفل؟ أنت لسه فاكر إن فيه أرض؟ أمك العزيزة بايعة نصيبها ونصيب أختك في الأرض دي من ست شهور لعمامك ومقبضين نهى الفلوس عشان تسدد ديون قديمة لأصحابها، وأنت نايم على ودنك ومفهمينك إن الأرض لسه موجودة! الشيكات اللي معاك دي يا أحمد ملهاش رصيد في حسابك، وأنا رافع بيها قضايا حالا، والرجالة دول جايين يثبتوا حالة الحجز على الشقة والعفش اللي باسمك لأنك ضامن وضامن كداب!
أنا كنت واقفة في ركن الصالة، مربعة إيدي وبسمع المأساة دي كلها.
الوجع اللي كان في قلبي امبارح اتقلب لبرود غريب وقوة عمري ما حسيت بيها. بصيت لأحمد اللي كان وشه جايب ألوان، وبصيت لحماتي اللي قعدت في الأرض تلطم على وشها وتصرخ يا مصيبتي.. يا فضيحتي في البلد.. البت ضيعتنا!
العيال، مالك وسلمى، أول ما شافوا المنظر ورامي بيزعق وأمهم مش موجودة وجدّتهم بتلطم، دخلوا في نوبة عياط وهيستيريا. وفي وسط المولد ده، سمعت صوت آدم ابني وهو بيصحي جوه ويعيط بخوف من الصوت العالي.
مشيت بخطوات ثابتة وسط الصالة، ولا همّني رامي ولا الرجالة بتوعه، ولا همّني انهيار أحمد.
دخلت الأوضة، شلت آدم في حضني، طبطبت عليه وبوست راسه، ولميت باقي الهدوم بتاعته وبتاعتي في الشنطة الكبيرة. حطيت بطاقتي وموبايلي والفيزا في الشنطة الصغير، وخرجت برة الأوضة وأنا شايلاه على كتفي.
أول ما طلعت الصالة، أحمد جيري عليا، دموعه مغرقة وشه، ومسك في كم العباية بتاعتي كأنه بيغرق
سارة! أرجوكِ ما تمشيش! أنا بضيع يا سارة! الشقة هتروح، وأنا هتحبس، وأميبتمـ,ـوت! أرجوكِ اقفي جنبي، أنتِ مراتي وحبيبتي، مليش غيرك ينجدني من الورطة دي!
بصيت لإيده اللي ماسكة كمي بنفور، وشلتها بصباعين إيدي بكل قرف، وقلت له بنبرة باردة زي التلج
مراتك وحبيبتك؟
دلوقتي بقيت مراتك وحبيبتك يا أحمد؟ لما كنت بتخبي عليا المصايب وتتدبس في ديون بنص مليون جنيه وتكدب في عيني وتقول لي معيش كنت مراتك؟ لما اتفقتوا أنت وأمك تنزلوني من نظري وتخلوني خادمة لعيال أختك عشان تداروا على قذارتها ووساختها، كنت حبيبتك؟ أنت اللي ضيعت نفسك يا أحمد. أنت اللي فضلت أختك النصابة وأمك الكدابة على بيتك وابنك ومرأتك. شيل شيلتك بقا.
حماتي رفعت راسها من الأرض وهي بتنهج وتقول بغل
أنتِ إيه يا شيخة؟ معندكيش قلب؟ مفيش في بطنك رحمة؟ الراجل بيته بيتهد وأنتِ واقفة تتشفى وتتشرطي؟
بصيت لها من فوق لتحت وقلت
رحمتي خلصت من يوم ما جيتي بيتي متعطرة ولابسة شيك عشان ترمي عليا حمل مش حملي، وتتهميني بالأنانيّة وأنتِ وبنتك قمة الأنانية والخراب. أنا مش هسيب ابني يتربى مع أب مديون ومهدد بالسجن وعائلة نصابة. أنا طالعة على بيت أهلي، وورقة طلاقي تجيلي يا أحمد، يا إما والمصحف هرفع عليك خلع وقضية نفقة من بكرة الصبح وأسجنك أنا قبل رامي!
رامي بصلي باحترام وقال
أنتِ بنت أصول يا سارة، وملكيش ذنب، خدي ابنك وامشي، أنا مشكلتي مع المغفل ده وأمه وأخته.
خرجت من الشقة وأنا مش باصة ورايا.
صوت صريخ حماتي وعياط العيال وزعيق رامي كان مالي السلم، بس أنا كنت حاسة إن الهوا اللي بنفسه نقي جداً. ركبت تاكسي ورحت لبيت أهلي. أول ما أمي فتحت لي الباب وشافتني شايلة آدم والشنطة، اتخضت، بس أنا ارتميت في حضنها ونزلت دموعي كلها.. دموع القهر والتعب السنوي اللي عشته مع راجل مش مقدرني. حكيت لأبويا وأمي كل حاجة من طققطق للسلام عليكم. أبويا خبط على الطربيزة وقال ولا تزعلي يا بنتي، الراجل اللي مأمنش مراته وابنه على ماله وسره ومستقبلهم ميتعاش بقرش معاه. نامي وارتاحي وأنا بكره هوريه الوش التاني.
مرت الأيام والأسابيع، وأحمد وعيلته عاشوا أسود أيام حياتهم.
رامي منفذش الحجز فوراً، لكنه ضغط بالشيكات، وأحمد اضطر يستلف من طوب الأرض وياخد قروض بفوائد عالية من البنك عشان يسدد ل رامي جزء من الفلوس عشان يتنازل عن القضايا وميدخلش السجن.
أما نهى… فبعد شهر كامل من هروبها، الشرطة قفشتها في شقة مفروشة في الإسكندرية مع نفس الشخص النصاب اللي ضحك عليها في الأول، وكانت بتصرف عليه من الفلوس اللي سـ,ـرقتها من خالتها! رامي رفض يتنازل لها، واتحكم عليها بالسجن بتهمة السـ,ـرقة والتـ,ـزوير، وبقت ورا القضبان، والعيال مالك وسلمى أخذهم أبوهم رامي ورفض إن حماتي أو أحمد يشوفوهم تاني.
حماتي سناء جالها شلل نصفي من الحزن والصدمة والفـ,ـضايح وسط قرايبهم وفي البلد، وبقت قاعدة في السرير لا بتنطق ولا بتحرك، وأحمد بقا هو اللي بيخدمها ويغير لها، ويشتغل ليل نهار في وظيفتين عشان يسدد القروض والديون اللي ركبت فوق كتافه بسبب أخته. الشقة بتاعتهم اتطفت، ومبقاش فيها لا جاتوه غالي ولا شاي مستورد، بقت شقة كئيبة مليانة هموم ومرض وديون.
بعد شهرين من الواقعة دي، كنت قاعدة في جنينة بيت أهلي، وآدم بيلعب قدامي باللعب بتاعته وبيضحك، ووشه منور ونظيف، وأنا رجعت لي صحتي وضوافري طالت، والهالات اللي تحت عيني اختفت، ورجعت سارة المتفائلة الشابة اللي لسه الدنيا قدامها.