المرة دي ما جادلتش…دخلت أوضتي…حطيت كام هدوم في شنطة صغيرة، وأخدت بطاقتي، وكارت البنك، وموبايلي والشاحن…لبست جاكتي وخرجت.
أحمد خرج ورايا وهو مش فاهم.
إنتِ رايحة فين؟
بصيت له وقلت بهدوء
رايحة أرتاح.
يعني إيه؟
آدم بياخد اللبن الصناعي. كل حاجة متقسمة ومكتوب عليها. ونهى هتيجي بكرة الساعة سبعة.
فتح بقه من الصدمة.
سارة، إنتِ مش ممكن تسيبيني كده!
مسكت مقبض الباب وبصيت له للمرة الأخيرة.
طبعًا ممكن.
وسكت لحظة، وبعدين قلت
إنت أبو آدم، وإنت خال مالك وسلمى، وإنت بنفسك قلت إن تربية تلاتة مش هتفرق عن تربية واحد.
فتحت الباب وخرجت…قفلت الباب ورايا…وأحمد لسه مش مستوعب اللي حصل…كان فاكر إني هزعل شوية وأرجع.
ما كانش يعرف إن قبل نهاية الويك إند، هو نفسه هيبقى بيتوسل إني أرجع… وإن أمه، اللي ضغطت عليا عشان أوافق، هتسيبه لوحده في أسوأ لحظة ممكن يتخيلها.
حكايات_مني_السيد
الجزء الثاني
نزلت السلم ورجلي بتترعش بس قلبي كان حاسس براحة غريبة، راحة مخلوطة بوجع وخوف على آدم، بس كان لازم أعمل كده.
ركبت أول تاكسي قابلني، والسواق سألني على فين يا مدام؟، لقتني بقول له وديني أي فندق هادي قريب من وسط البلد. طول السكة وموبايلي ما بطلش رن، اسم أحمد عمال ينور على الشاشة ويفصل، وينور تاني. ما رديتش. عملت الموبايل صامت وحطيته في الشنطة.
أنا مش قاسية، ولا سبت ابني عشان أنتقم، بس أنا كنت بنهار. أحمد كان شايف إن قعدتي في البيت دي فسحة، إن شقايا طول النهار مع طفل بيرضع وبيسنن وبيمشي يحبي ورا كل حاجة
ويدلق كل حاجة، هو عبارة عن ولا حاجة. كان لازم يشرب من نفس الكأس، ويدوق الراحة اللي بيتكلم عنها.
دخلت الفندق، حجزت أوضة صغيرة باسمي، ودفعت بالفيزا بتاعتي. أول ما قفلت باب الأوضة عليا، رميت الشنطة وقعدت على السرير. الأوضة كانت هادية جدًا… هدوء مرعب لدرجة إني سمعت دقات قلبي. مفيش عياط، مفيش خبط بالكوباية البلاستيك، مفيش صوت غسالة بتلف، ومفيش أحمد وهو بيطلب مني أعمل له شاي أو يسألني عن شرقها وغربها. نمت… نمت نوم عميق بقالي سنة كاملة ما دقتوش، نمت وأنا حاضنة مخدة مش متبهدلة بقع لبن ولا ريحتها فانيليا صناعي.
صحيت تاني يوم الساعة حداشر الصبح. بصيت في الموبايل، لقيت 47 مكالمة فائتة من أحمد، و رسالة من حماتي، ورسالتين من أخت أحمد، نهى.
فتحت رسايل أحمد الأول، كانت متدرجة في الانفعال
سارة إنتِ اتجننتي؟
آدم صاحي من الساعة 6 وبيعيط ومش عايز ياخد الببرونة مني!
يا سارة ردي بلاش جنان، نهى على وصول بالولاد!
آخر رسالة كانت من نص ساعة أنا مش ملاحق على الواد، دلق اللبن على السجاد وعمال يعيط، اتقي الله في ابنك وارجعي!
ابتسمت بمرارة. لسه ما شافش حاجة، لسه الضيوف ما شرفوش.
قمت غسلت وشي، وطلبت فطار في الأوضة. قعدت آكل بكل برود، زي بروده بالظبط وهو بياكل قطعة الجاتوه ويقول لي واحد زي تلاتة. الساعة جت واحدة الظهر، وفجأة الموبايل رن… مكالمة فيديو من أحمد. المرة دي قررت أرد. أنا عايزة أشوف الراحة واصلة لمعالم وشه لحد فين.
فتحت الخط. أول ما الصورة وضحت، لقتني هفطس على نفسي من الضحك بس مسكت نفسي بالعافية.
أحمد كان قاعد في الصالة، شعره منكوش زي اللي طالع من خناقة، ولابس تيشيرت عليه بقعة صفراء واضحةغالبًا دي باقي المانجا بتاعة امبارح أو قذيفة سيريلاك من آدم. وآدم وراه في الأرض، قالع البامبرز وعمال يزحف ويصرخ، والصالة… يا ربي على الصالة! الكنب مقلوب، والخداديات مرمية في كل حتة، وعلب اللبن الصناعي اللي كنت رصاها على السفرة بقت متطورة في الأرض كأنها ألغام أرضية.
أحمد صرخ في الموبايل وعينه حمرا من قلة النوم
إنتِ فين يا سارة؟ إنتِ سامعة ابنك بيعمل إيه؟ الواد مش راضي يسكت، وكل ما أعمل له ببرونة يرميها في وشي!
وأمه اتصلت بيا بتقول لي غير له البامبرز، وأنا مش عارف البتاع ده بيتلبس منين أصلاً!
قلت له بكل برود وثبات، وأنا بشرب بق شاي
صباح الخير يا أبو آدم. البامبرز عندك في الدولاب، الشريط اللاصق بيبقى من ورا. واللبن مكتوب على العلبة المعيار بالظبط. متوتر نفسك ليه؟ مش دي الراحة اللي كنت بتتمناها؟
أحمد كان لسه هيتكلم، وفجأة جرس الباب رن بصوت عالي ومتواصل. أحمد اتخض وبص ناحية الباب، وبعدين بص للموبايل وقال برعب
نهى جت! نهى والعيال وصلوا!
طيب حلال عليك، افتح ل الفسحة بتاعتك يا حبيبي.
أسبوعين استجمام لنهى، وأسبوعين تربية وتسلية ليك وللأولاد.
شفت في الكاميرا أحمد وهو بيمشي ببطء ويفتح الباب وهو شايل آدم اللي بدأ يصرخ أكتر لما شاف ناس جديدة. دخلت نهى، كانت لابسة نظارة شمس براند، ومطبقة على كتفها شنطة سفر شيك، ووراها مالك وسلمى. العيال أول ما دخلوا، دخلوا يجروا كأنهم فكوا قنبلة في الشقة. مالك حدف كورتة الصغيرة في التلفزيون، وسلمى قعدت على الكنبة وفردت رجلها وبدأت تفتح شنطة شيبسي وتدلقها على الأرض.
نهى بصت لأحمد وبصت للمنظر بشمئزاز وقالت
إيه القرف ده يا أحمد؟ الشقة مقلوبة كده ليه؟ وفين سارة؟
أحمد بص للكاميرا بخزي وقال لأخته بصوت واطي
سارة مش هنا… سارة سابت البيت ومشيت.
نهى شهقت وحطت إيدها على بوقها
مشيت؟ مشيت راحت فين؟ والعيال؟ أنا سايبة العيال هنا عشان أرتاح في السخنة! أنا حجزت وتدفع فلوس الشاليه خلاص! أنا مش قادرة أستحمل طاقة العيال دي ثانية واحدة يا أحمد، أنا جاية ودمي محروق من أبوهم!
هنا أنا دخلت في الخط وصوتي طلع من الموبايل
تروحي بالسلامة يا نهى، غيري جو وانبسطي، أحمد موجود وأهو يتسلى مع مالك وسلمى وآدم… واحد زي تلاتة مش كده يا أحمد؟
نهى خطفت الموبايل من إيد أحمد وبصت لي بغل
إنتِ يا هانم تسيب البيت لجوزك وتطفشي؟ عشان شوية عيال؟ دي أنانية وقلة أصل! أنا أخت جوزك في محنة، المفروض تقفي جنبي!
قلت لها بنبرة حادة وواضحة
المحنة دي تحليها مع جوزك يا نهى، أو تروحي تقعدي في بيت مامتك. أنا مش ملزمة أربي عيالك وأنتِ بتشربي عصير على البحر في السخنة. أحمد اللي وافق من ورايا، يبقى أحمد اللي يشيل. سلام يا جماعة عشان ورايا مساج.
وقلفت السكة في وشهم.
عدت كام ساعة، والساعة بقت حوالي ستة بالليل.
تليفوني ما سكتش، بس المرة دي المكالمات كانت من حماتي، سناء.
رديت عليها. حماتي صوتها كان طالع منه شرار
إنتِ فين يا سارة؟ إنتِ فاكرة نفسك هتكسري كلامنا وتلوي دراع ابننا؟ أنا رايحة لهم الشقة دلوقتي حالا، وهأدبك على العملة دي!
قلت لها بأدب بس بقوة
تنوري شقة ابنك يا طنط. أهو بالمرة تساعديه، مش إنتِ قلتي زمان كنتوا بتربوا أربعة وخمسة ومحدش بيشتكي؟ فرجينا بقا الهمة والتربية بتاعة زمان.
قالت لي بغيظ
أنا رايحة عشان
أثبت لك إننا مش محتاجين لك، وإن أحمد راجل ويقدر يشيل بيته، ونهى هتسافر يعني هتسافر!
قفلت معايا، وأنا قعدت مستنية. كنت عارفة إن حماتي داخلة على كمين شغال بقاله كام ساعة.
حوالي الساعة تسعة بالليل، لقيت مكالمة فيديو جاية لي من رقم أحمد. فتحت الخط، بس المرة دي اللي كان ماسك الموبايل مش أحمد… كانت حماتي!
حماتي كانت قاعدة على الكنبة، وطرحتها معوجة، ووشها عرقان ورايح في ستين داهية. الكاميرا كانت بتتحرك في الشقة، والشقة كانت عبارة عن ساحة حرب عالمية تالتة! مالك كان ماسك قلم فلوماستر وعمال يشخبط على حيطة الصالة اللي لسه دهنينها من كام شهر، وسلمى كانت بتعيط وتصرخ بصوت سيرين عربية إسعاف عشان عايزة تابلت وأحمد مش لاقي الشاحن.
أما أحمد… فكان قاعد في الأرض، حاطط آدم على حجره، وآدم كان بيرجع على تيشيرت أحمد التاني! أحمد كان وشه أبيض زي الملح، وعينه زايغة كأنه طالع من حـ,ـادثة عربية.
حماتي بصت في الكاميرا، ونبرة صوتها اتغيرت 180 درجة. مفيش بقا جبروت ولا إحنا بتوع زمان. قالت بصوت مبحوح وبتترعش
سارة… يا بنتي… ارجعي. أحمد هيمـ,ـوت، والعيال هيخربوا البيت. أنا مش قادرة أصلب طولي، وضغط عالي ومش قادرة على فرط الحركة بتاع مالك وسلمى.
قلت لها وأنا ببتسم
معلش يا طنط، استحملي، ده هما أسبوعين بس! ونهى زمانها وصلت السخنة وبدأت تسترخي.
هنا أحمد صرخ بأعلى صوته، ودموعه نزلت من التعب والضغط
سخنة إيه وزفت إيه يا سارة! إنتِ مش فاهمة حاجة! نهى مش في السخنة أصلاً!
حماتي اتخضت ولفت وشها بسرعة وحطت إيدها على بوق أحمد وعينها طلعت لبرة من الصدمة
اسكت يا أحمد! اخرس مش وقته!
أحمد زق إيد أمه وزعق بانهيار كامل، كأنه خلاص مش باقي على حاجة، والصدمة دي هي اللي كشفت المستور
مش هسكت يا أمي! سارة لازم تعرف الكدبة اللي إنتوا عيشتونا فيها! سارة… نهى مش رايحة تستجم ولا زعلانة من جوزها عشان قصة شعرها!
نهى جوزها طردها من البيت بقالها أسبوع بعد ما قفشها…
وفجأة… الخط قطع! الشاشة اسودت والمكالمة قفلت فورًا، كأن حماتي خطفت الموبايل وقفلته أو رزعت أحمد بحاجة على دماغه عشان يسكت.
وقفت في وسط الأوضة في الفندق، والموبايل في إيدي، وعقلي عمال يلف ويدور… كدبة؟ نهى مش في السخنة؟ وجوزها طردها؟ وعيلته كلها كانت بتخطط وتشتغلني عشان أشيل عيالها أسبوعين وأنا مش فاهمة حاجة؟
مسكت الموبايل وبدأت أتصل بأحمد تاني وتالت ورابع… بس المرة دي، التليفون اتقفل تمامًا. الشك بدأ يأكل قلبي، والموضوع مبقاش مجرد خناقة على تربية عيال أو قطعة جاتوه…
الموضوع فيه سر كبير ووسخ عيلته كلها كانت مخبياه عليا، وأحمد بانهياره دلق أول خيط منه.
الجزء الثالث
فضلت واقفة في وسط الأوضة والموبايل في إيدي زي الحجر. الخط قطع، تليفون أحمد اتقفل، وأنا دماغي بقت عاملة زي الخلاط. جوزها طردها؟ وقفشها؟ الكلمة كانت تقيلة، ومرعبة، وفتحت في راسي ألف باب وباب للشك. يعني كل التمثيلية دي، وكل العياط والشكوى بتاعة نهى إن جوزها مش حاسس بمشاعرها ومش بيكسب كفاية، كانت غطاء لمصيبة تانية؟ وحماتي جاية شقتي بكامل أناقتها وريحتها اللي فايحة عشان تدبسني في العيال، وهي عارفة إن بنتها مطرودة وفيه كارثة؟
حسيت بنار قايدة في صدري. الشك علم والوجع زاد، بس مسكت نفسي.
أنا مش هنهار، ومش هجري أروح لهم زي الهبلة عشان أعرف. هما اللي لازم يجوا لحد عندي ويفسروا الكدبة دي. قعدت على السرير، وجسمي كله بيترعش من الغيظ. بصيت للساعة، كانت داخلة على عشرة بالليل. تليفون أحمد لسه مقفول، وتليفون حماتي كمان اتقفل. واضح إن فيه خناقة ودراما عائلية دايرة في شقتي دلوقتي، وحماتي بتحاول تلم الليلة وتخرس ابنها قبل ما ينطق بالباقي.
عدت ساعة كاملة وأنا باكل في نفسي. فجأة، لقيت رسالة جاية لي على الواتساب من رقم غريب. فتحتها، لقيت رسالة مكتوب فيها أنا رامي، جوز نهى يا سارة.
أنا عرفت إنك سبتي البيت، وأحمد كلمني وهو بيمـ,ـوت من التعب وعايزني آخد العيال. أنا عايز أقابلك حالا، أنا في الكافيه اللي تحت الفندق بتاعك.
جسمي كله سقع. رامي؟ وعرف مكاني منين؟ أكيد أحمد افتكر اسم الفندق أو شاف الفيزا بتاعتي لما سحبت منها وعرف مكاني وكلم رامي يستنجد بيه. نزلت فوراً من غير ما أفكر. كنت لابس عباية كاجوال سريعة وإيشارب، ونزلت الكافيه اللي تحت الفندق.
لقيت رامي قاعد في ركن بعيد،
وشه كان دبلان، وتحت عينه هالات سودا، وباين عليه الهم. أول ما شافني، وقف وشد لي الكرسي وقال بصوت واطي ومكسور
شكراً إنك نزلتي يا سارة. أنا عارف إنك مالكيش ذنب في القرف ده كله.
قعدت وبصيت له وعيني فنجلت
رامي… إيه اللي بيحصل؟ أحمد قال نص كلمة والخط قطع. نهى فين؟ وإيه حكاية إنك طردتها وقفتشها دي؟
رامي اتنهد تنهيدة طويلة، حط إيده على وشه وقال بنبرة مليانة مرار
نهى مش في العين السخنة يا سارة.
نهى محبوسة في شقة مامتها القديمة اللي في شبرا، وأمها وأخوها قافلين عليها ومطلعين إشاعة إنها مسافرة تستجم عشان يداروا على الفضيحة لحد ما يشوفوا حل مع المحامين.
بلعت ريقي بصعوبة
فضيحة إيه؟
رامي بص في الأرض وقال
نهى كانت بتسـ,ـرقني يا سارة. مش بتسـ,ـرق فكة من جيبي… نهى سـ,ـرقت دفتري الشيكات، وزورت إمضائي، وسحبت كل قرش حيلتي في البنك، مش بس كده، دي أخدت دهب أمي الله يرحمها اللي كنت شيله في الخزنة وباعته!
ولما واجهتها وقفشتها بالدليل والكاميرات بتاعة محلات الصاغة وهي بتبيع الدهب، وبكشف الحساب من البنك، قعدت تصرخ وتقول لي إنها كانت بتساعد واحد صاحبها في مشروع وهمي، وطلع النصاب ضاحك عليها ومأكلها البحر طحينة وأخد الفلوس وهرب برة البلد!
أنا بقيت قاعدة ببنقل عيني بينه وبين الطربيزة، مش مصدقة اللي بسمعه. نهى؟ نهى الهادية، الضحية، اللي بتزعل من قصة الشعر، تطلع مدموجة في مصيبة بالبشاعة دي؟ وتزور وتسـ,ـرق جوزها وعيالها؟
رامي كمل والدموع في عينه
أنا طردتها وكنت هعمل لها محضر وأسجنها. بس حماتي وأحمد جولي وركعوا تحت رجلي عشان خاطر العيال وسمعتهم.
قالوا لي هنسدد لك كل مليم، بس بلاش سجن وفضايح. أحمد مضى لي على شيكات ووصولات أمانة بمبلغ كبير جداً عشان يضمن لي حقي، وبناء عليه، اتفقنا إن نهى تفضل مختفية في شقة شبرا لحد ما الإجراءات تخلص ويبيعوا أرض عندهم في البلد عشان يرجعوا لي فلوسي ونطلق هادي من غير شوشرة.
هنا النور نور في دماغي فجأة! عشان كده أحمد وافق فوراً إن العيال يجوا عندي! وعشان كده حماتي كانت مستميتة إنها تدبسني فيهم!
هما كانوا عايزين يفضوا البيت لنهى ومشاكلها، وعايزين العيال يبقوا بعيد عن المحاكم والمحامين والوش، وطبعاً مفيش حمارة شغل أحسن من سارة تشيل العيال وتطبخ وتنظف من غير ما تسأل، تحت شعار واحد زي تلاتة وأخت جوزك في محنة.