وقفْت في نص الشارع ومسكت راسي بإيديا الاثنين، كنت عايزة أصرخ بعالي صوتي. أتاريه ما كانش خايف عليا ولا على العيل… أتاريه ما كانش عايز يربط نفسه بيا بعيل! كان بيضمن إن السكة تفضل فاضية للي في باله، كان بياخد احتياطاته عشان لما يخف ويرمي الخدامة اللي شالته، يخرج من غير أي التزام ولا نقطة دم تربطه بيا!
افتكرت لما كنت بتحايل عليه وأقوله: “يا عمر النفس مشتاقة لحتة عيل يملا علينا البيت”، كان يزعق ويتحجج بالظروف، وأنا بحبني وعقلي الصغير أصدقه وأقول “معلش، خايف على مستقبلنا”. افتكرت كل مرة كنت برفض فيها أشتري لنفسي حتة قماشة أو بلوزة جديدة عشان أوفر فلوس الجمعية اللي أديهاله بحجة “بنأمن مستقبلنا”. افتكرت لما كنت بمسح الجزمة بتاعته بإيدي قبل ما يخرج، ولما كنت بقوم من أحلى نومة في عز البرد عشان أعمله أكل سخن أو أحطله الكمدات.
قعدت على أول رصيف قابلني، والناس رايحة وجاية، وأنا بتكلم مع نفسي بصوت واطي وضحكة مكسورة مليانة حسرة: ـ “قد إيه كنتِ عبيطة يا نسمة… قد إيه كنتِ عمياء وبتبصي تحت رجليكي! ده ما كانش بيحبك ولا يوم واحد، ده كان بيبني سعادته على أنقاض صحتك وطفولتك وأحلامك. كنتِ فاكرة روحك شريكة عمره، طلعتِ مجرد محطة، خادمة بدرجة زوجة لحد ما يوصل للي عايزها.”
بس في وسط كل الكسرة دي، حسيت بحاجة جواه بتتغير. الوجع لما بيزيد عن حده بيتحول لقوة… قمت من على الرصيف، نفضت هدومي، وشديت الشنطة في إيدي وأنا بصة للمستقبل من غير غمامة. العبيطة دي ماتت خلاص على السلم اللي نزلت بيه شايلانه… واللعبة دي انتهت، ومن هنا ورايح مش هتكون غير “نسمة” جديدة خالص.
وصلت بيت أبوي والشنطة في إيدي، وشه اتخطف أول ما شافني بالمنظر ده. رميت الشنطة من إيدي وارتميت في حضنه وانهرت، الحبس والوجع اللي حبستهم طول السكة انفجروا زي البركان. حكيت له كل حاجة… من أول الشيل والعذاب والشحاتة على حق العلاج، لحد الرسالة اللي كشفت فُجره، ولعبة حبوب منع الحمل اللي كان بيغفلني بيها عشان يضمن إني أخرج من حياته من غير أثر. أبويا وشّه اتغير، ملامحه اللي كانت دايماً هادية اتملت غضب وعروقه بارزة من القهر. ما نطقش ولا كلمة، مسح دموعي بإيده اللي بتمـ,ـوت من الشقى، وقال بصوت واطي لكنه يهد جبال:
ـ “حقك هيرجع يا نسمة… وحياة كل خطوة مشيتِها وأنتِ شايلاني وشايلُه، لأخليه يتمنى التراب وما يلاقيهوش.” ما استناش الصبح. قام في ساعتها، طلب عمامي، وكلم مأذون المنطقة اللي يعرفه، وقال له: “تعال معايا في مشوار كرامة.” روحنا على الشقة… أول ما الباب اتفتح ورآنا أبويا وعمامي والمأذون، اتسمر في مكانه على السرير، وشه اصفرّ ورجله بدأت تترعش. أبويا دخل عليه وزقه على السرير بكل قسوة الدنيا وقاله: ـ “أنت مش راجل، واللي زيك ما يتسابش معاه حريم… أكتب ورقة طلاقها دلوقتي من غير نفس، بدل ما الباب ده يتقفل عليك وما تخرجش منه على رجلك تاني!”
من خوفه ورعبه من المأذون والرجالة اللي واقفين، مسك القلم وإيده بتترعش، ووقع على ورقة الطلاق وهو ساكت ومش قادر يرفع عينه في عين أبويا. أول ما المأذون خلص وحط الختم، أبويا بصلنا وقال بصوت هز العمارة: ـ “نزلوا كل العفش ده… مش عايز حتة خيط من مال بنتي تفضل في المكان الوسخ ده!” في أقل من ساعة، كانت العربية نص النقل واقفة تحت العمارة. عمامي والعمال نزلوا العفش حتة حتة… الأوضة اللي كنت بأثثها بدم قلبي، الصالون، الأجهزة، وحتى السجاد والمواعين. الشقة اتفضت تماماً وبقت عبارة عن حيطان فاضية وسقف بيبكي.
قبل ما نخرج ونقفل الباب، بصيت عليه… كان قاعد في نص الصالة الفاضية، مرمي على الأرض فوق سجادة قديمة ومقطعة كانت مركونة في بلكونة المطبخ، مش قادر يتحرك ولا يوصل حتى لكوباية مية، ولا عارف يطلب نجدة من حد. قربت منه، وبصيت له من فوق، وقلت له بمنتهى الثبات: ـ “السجادة دي كتير عليك كمان… خلي عـ,ـشيقتك بقى تيجي تشيلك من على الأرض، وتبعتلك عفش جديد، تدفعلك حق العلاج. اللي بنى بيتك هدّه بيده يا عمر… وأنا ضهري اتفرد خلاص، وعمري ما هحن للمكان ده تاني.”
رزعت الباب ورايا وخليت صوت الرزعة يرن في أركان الشقة الفاضية، ونزلت السلم وأنا حاسة إن أخيرًا… روحِت بيتي الحقيقي، مرفوعة الراس. قعد عمر على السجادة المقطعة في نص الصالة الفاضية، الصوت بيرن في الحيطان والأركان العريانة. رجله كانت بتوجعه، والعجز كان مكتفه ومش قادر حتى يتحرك يوصل لشاحن التليفون اللي كان مرمي على الأرض قريباً منه. بإيد بتترعش من القهر والغضب، مد إيده بالعافية وشد التليفون. فتح الكيبورد وطلب رقمها… “حبيبة العمر” اللي ضحى بعمره وصحته ورمى نفسه قصاد العربية عشان يفديها، اللي ساب مراته تتمرمط وتشيله على ضهرها عشان يرجع لها جاهز واقف على رجليه.
رن التليفون مرة… اتنين… في الرنة التالتة فتحت، وجاله صوتها الهادي اللي كان دايماً بيطمنه: ـ أيوة يا عمر… خير؟ في حاجة ولا إيه؟ أنت بتتصل في الوقت ده ليه؟ عمر بتلعثم وصوت مخنوق طالع بالعافية: ـ الحقيني يا حبيبتي… نسمة عرفت كل حاجة، وطلقها وجابت أهلها وفضوا الشقة بالكامل، ما سابوش فيها حتى الكرسي اللي بقعد عليه! أنا قاعد على الأرض ومش قادر اتحرك، تعاليلي فوراً يا حبيبتي… نتجوز دلوقتي وتيجي تقعدي معايا وتراعي علاج الطبيعي لحد ما أقف على رجلي، ما فاضلش غيرحاجات بسيطة وأبقى زي الأول!
سكتت لحظة… سكتة كانت أبرد وأقسى من كل الأيام اللي فاتت. عمر استنى يسمع منها صرخة لهفة أو كلمة تطمنه، لكن جاله ردها ببرود يقطع العرق والسلسال: ـ نتجوز؟ ونقعد فين ويا حسرة؟ في شقة فاضية حيطانها عريانة؟ وأنا إيه اللي يخليني أجي أشيل واحد عاجز مش قادر يقف على حيله؟ عمر اتصدم ولسانه اتعقد: ـ أنتِ بتقولي إيه يا دينا؟ أنتِ نسيتي إن أنا بقيت في الحالة دي عشانك؟ نسيتي إني رميت نفسي قدام العربية عشان أحميكي أنتِ وما تلمسكيش حكة؟
ردت بضحكة ساخرة مستفزة، ضحكة نزلت على قلبه زي المية المغلية: ـ وأنا طلبت منك ترمي نفسك؟ أنت اللي عملت فيها بطل! وبعدين أنت كنت بتقولي إن مراتك هي اللي بتشيلك وبتدفعلك حق العلاج، أنا بقى لا عندي صحة أشيل ولا عندي فلوس أصرف على علاجك الطبيعي ولا هقعد في خرابة! ـ دينا… أنتِ بتتكلمي جد؟ دينا أنا بحبك وضيعت بيتي ومراتي عشانك! ردت بمنتهى الجحود والقسوة وهي ببتفل الخط:
ـ الحب ده لما تكون راجل واقف على رجليك وتقدر تفتح بيت وتصرف عليا، مش تطلب مني أجي أشتغل عندك دادة وممرضه! شوفلك حد تاني يشيلك يا عمر… وبلاش تتصل بيّا تاني عشان الرقم ده هيتحظر. وقفلت السكة في وشه! صوت النغمة المنتطعة كان بيرن في ودنه زي الجرس. مسك التليفون وبص له بذهول، وبعدين رماه على الأرض اتكأ بضهره على الحيطة الساقعة، ودموع الندم والحسرة بدأت تنزل من عينيه، بس المرة دي ما كانش في نسمة تطبطب عليه ولا ضهر ينحني عشان يشيله… كان لوحده، غرقان في الخرابة اللي صنعها بإيده.
الخبر نزل على أهل عمر زي الصاعقة لما عرفوا اللي عمله في نسمة، واللي بسببه طارت الشقة والعفش وخرجت البنت من حياته مرفوعة الرأس. أمه وأخواته اتخلوا عنه في الأول، ولما صعب عليهم حالتهم، اكتفوا بزيارة خاطفة مرة واحدة في الأسبوع؛ يجيبوا مع الأكل أطباق بلاستيك ويمشوا بسرعة، يهربوا من الخدمة التقيلة ومن نظرات العجز اللي في عينيه.
بقت المشكلة الكبيرة عنده هي طلوع ونزول السلم عشان جلسات العلاج. مفيش جيران ترضى تشيله بعد ما عرفوا حكايته، ولا حد كان مستعد يحني ضهره لواحد رمى أصل زوجته في الزبالة. اتضطر عمر يصرف كل القرشين اللي كان محوشهم للجوازة التانية على عربيات الإسعاف الخاصة والعمال عشان ينزلوه ويطلعوه على السلم… الفلوس اللي كان بيبخل بيها على بيته، بقت تتشفط في مشوار الجلسة الواحدة. وفي الناحية التانية، كانت نسمة في دنيا تانية خالص.
قعدت مع نفسها، ودعمت روحها بعد ما نفضت غبار السنين المزيفة. ركزت في شغلها، وبقت تحط كل جنيه كان بيروح على علاج عمر وعلى المداراة عليه، في صحتها ولبسها وجمالها. رجعت نضارة وشها، وعينيها اللي كانت مطفية بالدموع بقت بتلمع بكرامة وأمل. اهتمت بنفسها وبأكلها، وبقت تشتري اللي كان محرم عليها زمان، حست لأول مرة إن فلوسها وعرقها بيروحوا للمكان الصح… لكرامتها وراحتها.
مرت الأيام، وعمر محبوس في الشقة الفاضية على السجادة القديمة. من كثرة القعدة والنوم في مكان واحد من غير حركة ولا إيد تحن عليه وتقّلبه، جسمه بدأ يتآكل… جاتله قرح الفراش. أوجاع لا تطاق ونزيف وجروح بتأكل في لحمه، وما كانش فيه حد جنبه يغيرله على الجرح ولا يحس بوجعه.