كنت بشيل جوزى علي ضهري

ولما الفلوس خلصت تماماً، ومبقاش قادر يدفع لعربيات الإسعاف ولا يطعم نفسه، أدرك عمر إن النهاية قربت. وبقلب مكسور وعين بتفقد الأمل، عرض الشقة للبيع بأبخس ثمن.

باع السقف اللي كان يلمّه، وأخذ القرشين المتبقين ورحل… راح قعد في مستشفى مجاني ورعاية صحية متواضعة، بين أربعة حيطان باردة ونظرات الممرضين الغريبة. كان قاعد على السرير، يتأمل السقف الفاضي، ويتذكر نسمة وهي نازلة بيه السلم وشايلاني على ضهرها… ساعتها بس عرف إن اللي يخسر الجوهرة عشان التراب، بيمـ,ـوت وحيد من غير ما يلقى حتى اللي يقلّبه على جنبه.

في المستشفى، كانت الأيام بتعدي عليه بطيئة وتقيلة زي الجبل. صوت أجهزة القياس ونظرات الممرضات وهي بتغيرله على جروح القرح ببرود، كانت بتفكرة كل ثانية بقسوة الوحدة. كان يبص للحيطان البيضا الساقعة ويفتكر لما كانت نسمة بتقعد جنبه بالساعات، تحط إيدها على راسه لما يسخن، وتبطّبط عليه وتسمع عصبيته من غير ما تشتكي. أما نسمة، فكانت الحياة بتفتح لها أبوابها من جديد. الشغل اللي ركزت فيه بدأ يجيب نتيجه، وبقت تمشي بين الناس مرفوعة الراس. اهتمامها بنفسها وبصحتها رد فيها الروح، وبقت لما تبص في المراية تشوف ست قوية، حرة، اتعلمت الدرس وما بقتش تسمح لأي حد يقلل من قيمتها.

وفي يوم، وأحمد أخو عمر معدي بالصدفة في الشارع اللي فيه شغل نسمة، شافها من بعيد. ما عرفهاش في الأول… كانت لابسة شيك، ملامحها منورة، وضحكتها مالية وشها وهي بتتكلم في التليفون. وقف أحمد مشدوه، مش مصدق إن دي هي نفسها نسمة اللي كانت بتنزل السلم متكتفة ومحنية تحت ثقل أخوه. مرت الأيام وجاء يوم جمعة، دخل أحمد على عمر في المستشفى. عمر كان قاعد على السرير، خاسس ووشه أصفر والهم راكبه، أول ما شاف أخوه سأله بصوت طالع بالعافية:

ـ إيه يا أحمد… محدش سأل عني؟ محدش افتكرني؟ أحمد بصلُه بأسى وسكت لحظة، وبعدين قال بأسف: ـ محدش بيسأل يا عمر… كله لاهي في حياته. عمر نكّس راسه وسأل بصوت واطي ومكسور: ـ ونسمة؟… ما سمعتش عنها حاجة؟ أحمد اتنهد وقال: ـ شفتها من كم يوم يا عمر… والله ما عرفتها. نسمة بقت واحدة تانية خالص، نضفت واهتمت بنفسها، وشغلها كبر وبقت ماشية وسط الناس ملكة. نسمة نسيتك يا عمر، وعاشت حياتها صح لما نفضتك من حساباتها.

الكلمات دي نزلت على عمر زي الصاعقة. غمض عينيه بوجع، والدموع نزلت من عينيه مالحة تكوي خدوده. افتكر كل لحظة ظلمها فيها، وكل قرش حرمها منه عشان يروح للي بايعاه، وكل مرة كسرت فيها ضهرها عشان ترفعه… ساعتها بس أدرك إن الخسارة الحقيقية مش الشقة ولا الفلوس ولا الصحة اللي راحت، الخسارة الحقيقية كانت “نسمة”… الجوهرة اللي كانت في إيده ورمادها في التراب، عشان يكتشف في الآخر إنه قعد في الضلمة لوحده، لا يطال سماء ولا أرض.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0