كنت بشيل جوزى على ضهرى وانزل بيه السلم عشان اوديه يعمل علاج كنت اشحت من الناس تمن العلاج عشان يقدر يقف على رجله واستحمل عصبيته بقول لنفسى معلش الحادثة صاعبه ومأثره عليه وكنت استحمل عصبيته واقول عشان شغله وقف ومش قادر يتحرك لكن لما يخف ويشوف مواقفى معاه اكيد هيشلى ده ويعاملنى كويس ويشوف اد ايه انا استحملته ووقفت جمبه فى شدته
كنت أسأله سبب الحادثة ايه كان يتهرب منى فى الرد وانا كنت اسكت اقول معلش يمكن مش عايز يفتكرها
لكن صدمه عمرى لما عرفت إنه عمل الحادثة عشان يفدى عشـ,ـيقته رمى نفسه قصاد العربيه عشان هى متتأذيش
والاصعب من ده لما كنت اشيله على ضهرى وانزل بيه السلم و الدكاتره قصاده يقولوه ده خطر عليها لكن هو مكنش بيفرق معاه كان شايف إن ده واجبى …
واحبى انى اتمرمط واشيل المر لكن حبيبته مايرضاش عليها الاذى
شوفت رسايل بينهم على التليفون وهو بيطمنها عليه
بيقولها
ـ العلاج الطبيعي جايب نتيجه والدكتور مطمنى وقريب اوى هرجع زى الاول واحسن خدى بالك من نفسك لحد ما اقوم وارجعلك وفلوس جوازنا انا شايلها زى ماهى لما ارجع هعوضك عن غيابى
انا سايب نسمه على زمتى عشان تخدمنى لانك مش هتعرفى تعملى اللى هى بتعمله ولا انا هستحمل عليكي كده
عشان كده اصبرى عليه لما اخلص فتره العلاج
شوفت الرساله ودموعى كانت شلالات على وشى
بقى بدل ما يشيلني وقفتي معاه ويعوضني لما يقف على رجله… يكتفي بإنه يعتبرني خدامة مفروضة عليه لخدمة مرضه، ويحوش فلوسه عشان يروح يتجوزها هي!
الدنيا كلها اسودّت في وشي، ورجلي ما بقتش شايلاني. نفس السلم اللي كنت بشيله عليه وضهري بيتكسر تحت ثقله، حسيت إني نازلة عليه والمرارة خنقاني ومش قادرة آخد نفسي. افتكرت كل مرة كنت بوطي فيها عشان يركب على ضهري، افتكرت كسرة نفسي وأنا بمد إيدي للناس وأشحت عشان أجمع حق جلسة العلاج الطبيعي بتاعته، افتكرت الدكاترة لما كانوا يقولولنا: “يا مدام ده خطر عليكي، ضهرك هيتدمر”، وهو يبصلهم ببرود ويقول:
“معلش هي شديدة وتقدر”، ما كانش بيخاف عليا، كان خايف على نفسه عشان يرجع ويجرى لحبيبة قلبه!
الرسالة كانت بتتعاد في دماغي زي الس.كينة اللي بتد..بح في البطيء: “أنا سايب نسمة على ذمتي عشان تخدمنى… مش هستحمل عليكِ كده”. الكلمات دي كانت أشد وأقسى من كل درجة سلم نزلتها وأنا شيلاه على ضهرى ، أشد من كل كلمة عصبية وإهانة استحملتها منه وأنا بقول “معلش أصل ظروفه صعبة ومقهور عشان شغله وقف”.
طلعت من الأوضة وأنا مسطولة، مش مصدقة إن البني آدم اللي أفنيت صحتي عشان أقومه على حيله، كان بيبصلي على إني مجرد أداة، مرحلة وهتعدي أول ما يخف. بصيت له وهو نايم على السرير ، البني آدم اللي ضحيت بعمري علشانه، ولقيت نفسي بسأله بصوت مخنوق وطالع بالذوق من وسط دموعي:
ـ هو أنا كنت إيه بالنسبة لك طول الفترة دي يا عمر ؟
بصلي باستغراب وعصبية كالعادة وقال:
ـ إيه السؤال الغبي ده في الوقت ده؟ أنتِ شايفاني في إيه ولا إيه؟ انجزي هاتيلي الدوا بدل الكلام الفاضي ده.
ساعتها رميت التليفون في وشه، والرسالة مفتوحة…
وبصيت في عينه واستنيت أشوف نقطة خجل أو إحساس بالذنب، لكن الصدمة الكبيرة كانت في رد فعله…
بدل ما وشّه يحمرّ من الخجل أو ينزل عينه في الأرض، لقيت ملامحه بتتغير للبرود والجحود، وكأن سـ,ـرقه لحياتي وصحتي حق مكتسب له!
بص للتليفون بلحظة ذهول، وبعدين رفع عينه في عيني بمنتهى القسوة وقال:
ـ أنتِ بتفتشي في تليفوني؟ وأيا كان اللي قريتيه، أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تحاسبيني؟ أنتِ مراتي ودي وظيفتك، ولا كنتِ فاكرة إني هعيش طول عمري ممتن ليكي عشان شوية التعب دول؟
الكلام كان بينزل عليا زي مية نار بتكوي قلبي.
الوجع مابراش، ده زاد ونهش في لحمي. افتكرت كل جني جمعته عشان العلاج، افتكرت نظرات الناس ليا وأنا بطلب منهم المساعدة عشان ألحقه، افتكرت كل ليلة سهرتها جنبه أحطله كمدات وأمسح عرقه وأشيله عشان يدخل الحمام، وهو في كل لحظة من دول، كان شايفني أداة… خدامة بتعمل دورها لحد ما يرجع للي يستهلها!
دموعي جفت في عيني، والضعف اللي كان كاسرني تحول لحجر. قربت منه وبصيت له في عينه، بصة ما شافهاش مني طول السنين اللي فاتت، وقلت له بصوت هادي ومخيف من كتر ما هو مكسور:
ـ “شوية التعب دول” هما صحتي اللي راحت، وهما كرامتي اللي اتعفرت في التراب وأنا بشحت عشان علاجك… كنت فاكرة إني بشيل راجل بيصون الجميل، أثاري كنت بشيل حمل تقيل ملوش أي قيمة.
وقف على السرير وحاول يتعصب ويصرخ زي عادته:
ـ اعقلي كده وما تعمليش دراما، أنتِ ليكي بيتك ومصاريفك، وهي ليها مكانتها.
ضحكت… ضحكة طالعة من وسط النزيف اللي جوايا، وقلت له:
ـ مكانتها؟ اللي رمت نفسك قدام العربية عشان تفديها وهي ما كلفتش خاطرها تشيلك ولا تمسح دموعك؟ اللي قعدت أنت تتألم وهي مستنية تجهز روحك وفلوسك عشان تجيلها جاهز؟
مشيت خطوتين ناحية الباب، لقيت ايده بتحاول تمسك فييا وهو بيقول بغضب:
ـ أنتِ رايحة فين؟ مين هيشيلني أنزل الجلسة بكره؟ أنتِ هترمي كل ده عشان كلمتين؟
ساعتها لفيت وبصيت له وبصيت لرجله اللي ابتدت تلمس الأرض وتتحرك، وقلت له بالكلمة:
ـ من النهاردة، ضهري اللي انحنى عشانك مش هيشيلك تاني… اللي ضحت بعمرها عشان تقومك، هي نفسها اللي هتسيبك تقع. خلي اللي فديتها بتمن صحتي تجيلك تشيلك وتدفعلك حق العلاج، لو كانت ترضى تتوسخ إيدها بحاجة أنت ما ترضاش عليها بيها.
طلعت من الأوضة ورزعت الباب ورايا، وسيبته ينادي ويزعق…
لأول مرة أحس إن الحمل التقيل اللي كان على ضهري نزل، مش حمل جسمه، لكن حمل القهر والغفلة اللي كنت عايشة فيها.
قعدت على حافة السرير في الأوضة التانية، وسندت راسي بين إيديا. البيت كان ساكت تماماً، غير صوت صراخه وخبطه على الباب اللي بدأ يقل تدريجياً لحد ما اختفى.
في اللحظة دي، السكوت كان ألعن من الضجة. لقيت نفسي بتكلم بصوت واطي، بصوت مكسور وطالع بالعافية من وسط المحن:
ـ “بقى أنتِ يا نسمة… أنتِ اللي كنتِ فاكرة إنك بتصوني بيتك وراجلك؟ أنتِ اللي كنتِ بتربطي بطنك وتنامي جائعة عشان توفري حق كشف ولا شريط دوا؟
أنتِ اللي هُنتي على نفسك لحد ما الناس بقت تبصلك بعين الشفقة والشفاعة وأنتِ بتشحتي عشان تقوميه على حيله؟”
غمضت عيني، وذكريات الثلاث سنين اللي فاتوا بدأت تتجمع قدامي زي الشريط. كل خطوة سلم، كل شيلة شيلتهالها وضهري بيتفصم فيها، كل كلمة قاسية استحملتها منه وأنا أقول لروحي “معلش يا نسمة، الوجع مخليه مش حاسس بنفسه، بكره لما يرجع يقف على حيله هيشيلك في عيونه”.
ضحكت بمرارة ودموعي بتنزل حامية على خدي:
ـ “أتاريه ما كانش حاسس بيا، عشان ما كانش شايفني أصلاً! أتاريه كان شايفني العكاز اللي بيستند عليه لحد ما يوصل للسكة اللي هو عايزها…
الخدامة اللي بتبلاش، اللي بترضى بالقليل، اللي ينفع يمرمطها عشان عشـ,ـيقة الهانم يفضل جسمها ناعم وإيديها متتوسخش!”
رفعت راسي وبصيت لإيديا المجهدة، للجلد اللي اتجرح والضفر اللي اتكسر من كتر الشيل والتعب، وقلت لنفسي:
ـ “أنا الغلطانة… أنا اللي رخصت نفسي لما افتكرت إن التضحية زيادة عن اللزوم بتعلم الأصالة. أنا اللي نسيت إن اللي بيسلم ضهره للناس للدرجة دي، طبيعي يتداس عليه. هو ما خادعنيش لوحده، أنا اللي غميت عيني عن كل علامة… لما كان بيتهرب من حكاية الحادثة، لما كان يبصلي ببرود والدكاترة بتقول ده خطر عليها… أنا اللي كنت بطبطب على خـ,ـيانته وأسميها عذر!”
قمت وقفت قدام المراية، وبصيت لوشي الشاحن، للهالات السودة تحت عيني، ولحسرتي اللي بقت باينة في ملامحي. مسحت دموعي بإيدي بحدة، ولأول مرة أحس إن النار اللي جوايا مش نار حزن، دي نار يفوق منها الواعي.
ـ “بس خلاص… الكابوس ده لازم يخلص. الضهر اللي انحنى عشان يشيلك يا فلان، هو نفس الضهر اللي هيتسند بيه على ربنا ويقوم من جديد. الفلوس اللي كنت بتشحتها عشان تعالج رجلك اللي اتكسرت وأنت رايح لفجرِك، مش هتشوف منها جني تاني من عرق إيدي ولا من كرامتي. خليهم ينفعوك… وخلي اللي فديتها بعمرك تيجي تشيلك وتغسلك.”
مسكت شنطة هدوم قديمة، وبدأت ألم فيها حاجتي البسيطة. ما كانش يهمني آخد إيه ولا أسيب إيه، المهم إن المكان ده باللي فيه، بالذكريات المزيفة والمرارة اللي شربتها، يتقفل عليه الباب للابد. مشيت في الشارع والشنطة في إيدي، خطوتي كانت سريعة وكأني بهرب من المكان ومن السنين اللي ضاعت فيه. دموعي اللي حبستها جوة الأوضة بدأت تنزل تاني، بس المرة دي ما كانتش دموع حزن على الفراق… كانت دموع قهر على العبط والنعمة اللي كنت عامية عنها.
وفجأة، وقف في دماغي شريط قديم زي الصدمة… افتكرت الحباية اللي كان بيدهاني كل يوم الصبح بإيده، وهو بيبتسم ابتسامة هادية ويقولي: ـ “خذي يا نسمة يا حبيبتي، مش عايزين نستعجل على الخلفات دلوقتي، لما نؤم نفسنا الأول ونقف على رجلين ثابتة… أنتِ عارفة الظروف وأنا مش عايز أظلمك ولا أظلم العيل معانا.” ياااااه على الغفلة! يااااه على العبط اللي كنت عايشة فيه!