انا اتجوزت امبارح

**الجزء الثالث** خرج سامح من بيت أبويا ورجليه مش شايلاني. الباب اتأفل وراه، والصوت رن في العمارة كلها زي الس/كينة. كان حاسس إن الدنيا كلها اسودت في وش، بس في نفس الوقت كان جوا شعلة غضب ونــ,,ـــــار بتاكل في صدـ,,ـــره.. المرة دي مش ناحيتي، المرة دي ناحية الشخص اللي استغفل نخوته وضحك عليه، ناحية أمه! في الصالة عندي، أبويا قعد على الكرسي وهو بيتنهد بنفاذ صبر، وبصلي ونظرة التقدير في عينه كانت باينة:

— “تربيتي يا مريم.. الراجل اللي ما يحسبهاش بعقله من أول قلم، لازم يتربى، والبيت اللي يتهد بكلمة في لحظة طيش لازم يتثبت ساسه الأول قبل ما تفكري ترجعيله.. بس قوليلي، أنتِ فعلاً ناوية تسامحيه لو أمه جرت واعتذرت؟” بصيت للأرض ودمعة سريعة نزلت من عيني مسحتها بظهر إيدي: — “أنا مش فارق معايا اعتذار أمه يا بابا.. أم أمه خلاص كشفت وشها وعرفت إنها عدوتي. أنا اللي فارق معايا سامح.. عاوزة أعرف هل هو راجل ليه كلمة ويقدر يحميني، ولا مجرد لعبة في إيد أمه ورغباتها؟ لو ما وقفش وقفة رجالة قدام أمه وعلمها حدودها، يبقى الرجوع ليه انتــ,,ـــــحار.”

أم دخلت عليا وحــ,,ـــــضنتني، وكانت بتدعي من قلبها إن ربنا يكتبلي الخير ويهدي السر. في نفس الوقت، سامح كان وصل تحت بيت أمه. نزل من العربية وراخزع الباب بقوة كادت تكسره. طلع السلم بخطوات زي الرعد، وفتح باب شقة أمه ودخل. كانت “حاجة هدى” قاعد في الصالة، وحاطة رجل على رجل وبتمصمص شفايفها وهي بتتكلم في التليفون مع “نوران” بنت أختها: — “أيوة يا نوران يا حبيبتي.. خلاص البت راحت بيت أبوها بشنطة هدومها، وسامح قفل الصفحة دي خالص.. تجهزي أنتِ بس عشان…”

ما كملتش الجملة، لأن سامح هجم على التليفون وسحبه من إيدها ورماه على الأرض اتدشش ميت حتة! أمه اتنفضت من مكانها ومسك قلبه: — “اسم الله عليك يا بني!! جرى لك إيه؟! أنت اتجننت ولا إيه يا سامح؟! تكسر التليفون في وشي؟!” سامح كان واقف قدامها، جسمه كله بيرتجف، وعيونه دم من كثرة العياط والغضب، وصوته خرج زئير هز أركان البيت: — “أنتِ اللي جننتيني!! أنتِ اللي خرّبتي بيتي في أول ليلة! بتتتفقي مع بنت أختك على خراب بيت ابنك الوحيد؟! بتستغلي غيرتي ونخوتي عشان ترمي مريم في الشارع؟! أنتِ إيه؟! أنتِ أم ولا إيه بالظبط؟!”

أمه تحول وشها لقسوة شديدة، وحطت إيدها في وسطها: — “أنا أمك! اللي ربتك وكبرتك وجوزتك! البت دي مكانتش تنفعك، بت بندر شايفه نفسها، وما بتفهمش في الأصول! أنا عملت كده عشان أصلحلك عيشتك قبل ما تدبس فيها وعيالك يطلعوا…”

— “ما تنطقيش اسم عيالي على لسانك!!” سامح صرخ وهو بيشاور بإصبعه في وشها لأول مرة في حياته. “مريم أشرف وأطهر منك ومن بنت أختك! مريم سلمتك دماغها عشان خايفة تزعلك، وأنتِ استغليتي طيبتها ووسختي سمعتها قدامي! أنتِ خلتيني أقف قدام الناس أترما تحت رجلين أبوها وأرجوها تسامحني! خلتيني أصغر راجل في الدنيا يوم صباحيتي!
أمه اتصدمت لما سمعت كلامه، ووعيها اتهز: — “أنت.. أنت رحتلها بيت أبوها؟! وبتترجاها كمان؟! يا خيبة رجولتك يا سامح! بقى ابن الحاج متولي ينزل على ركبه لبت عشان سابت البيت؟!”

— “نزلت عشان أنا اللي ظلــ,,ـــــمت!” سامح قالها وهو بيمسح دموعه بقسوة. “أنا نزل رجولتي في التراب لما صدقتك وشكيت في مراتي الشريفة! بس وحياة ربنا يا أمي.. وحياة كل نقطة دم تجري في عروقي، اللعبة دي مش هتعدي بالساهل!” — “هتعمل إيه يعني؟!” أمه قالتها بتحدي وكبرياء: “هتضــ,,ـــــرب أمك عشان بت؟!” — “لأ.. مش هضــ,,ـــــربك، لأن ربنا أمرني بالوالدين إحساناً، بس أنتِ هتجيبي بعضك معايا دلوقتي، وهتمشي قدامي زي الشاطرة لبيت عمي أبو مريم.. وهتعتذري قدام أبوها وأمها، وهتقولي الحقيقة كلها وتطهري سمعة مريم اللي أنتِ وسختيها!”

أمه ضحكت بتهكم ورفعت رأسها: — “أنا؟! الحاجة هدى تروح تعتذر لبت البندر وأبوها البقال؟! على ج/ثتي يا سامح! لو المــ,,ـــــوت طالني مش هحط راسي في الأرض قدامهم!” سامح بص لأمه بنظرة باردة جداً، نظرة خلت جسمها يقشعر. قرب منها وقال بصوت هادي أشد خطورة من الصراخ:

— “يبقى من النهاردة.. أنتِ مالكيش ابن اسمه سامح. الشقة دي مش هدخلها تاني، ومصروفك اللي بيجيلك كل شهر هينقطع، ونوران بنت أختك لو شفت وشها قريبة من حياتي هسحلها في الشارع! اختاري يا أمي.. تيجي معايا نصلح اللي اتكسر ونحفظ الباقي من كرامتنا، يا إما تنسي إن كان عندك ابن اسمه سامح للأبد!” أمه وقفت مذهولة. مكانتش متوقعة إن سامح الوديع، اللي كان بيسمع كلامها في كل حاجة، يوصل للمرحلة دي من الصرامة. كانت عارفة إنه بيحب مريم، بس مكانتش تتخيل إن كرامته وحبه هيخلوا يقف قدامها بالشكل ده.

في الوقت ده، في بيتنا.. ساعة كاملة مرت. أنا كنت قاعدة في أوضتي، ماسكة المصحف وبقرا، وبحاول أهدي قلبي اللي كان بيدق بجنون. أمي كانت كل شويه تدخل تبص عليا وتطلع، وأبويا قاعد في الصالة ساكت ومترقب. وفجأة.. تليفون أبويا رن. كان رقم سامح. أبويا فتح السبيكر ورد بصوت جاف: — “أيوة يا سامح.” صوت سامح جه من التليفون، بس المرة دي مكنش عياط ولا انكسار، كان صوت راجل أخذ قراره ومصمم عليه:

— “عمي.. أنا تحت العمارة. ومعايا أيمي الحاجة هدى.” أبويا بصلي وأنا خرجت بسرعة من الأوضة. كمل سامح كلامه: — “أمي طالعة معايا عشان تعتذر لمريم وعمري ما هسمح لمريم تنهان تاني. ادينالنا خمس دقائق ونكون عندك.” القلب قفز في صدـ,,ـــري. بصيت لأمي اللي شهقت من المفاجأة، وأبويا وقف وقفل التليفون، وبصلي وقال: — “جهزي نفسك يا مريم.. اللحظة دي هي اللي هتحدد مستقبلك كله.” عدت دقائق قليلة، ورن جرس الباب.

أبويا راح فتح الباب وثبّت نفسه. كان واقف سامح، ووراه أمه الحاجة هدى! منظر الحاجة هدى كان غير العادة خالص.. كانت ماشية ورجليها بتتجر على الأرض، وشها أحمر من الخزي والكسرة، وعيونها في الأرض مش قادرة ترفعها في عين أبويا.
سامح زق الباب بالراحة وقال بصوت ثابت: — “السلام عليكم يا عمي.. اتفضلي يا أمي ادخلي.” دخلت الحاجة هدى الصالة، وأنا خرجت وقف جنب أبويا وأمي. أبويا بص للحاجة هدى وقال بنبرة مليانة كبرياء:

— “أهلاً يا حاجة.. خير؟ إيه المفاجأة دي؟ مش كنتِ بتباركي لنوران بنت أختك على العرش الصبح؟ إيه اللي جابك بيتي؟” الكلام كان زي المية المغلية على وشها. الحاجة هدى بلعت ريقها بالعافية، وبصت لسامح اللي كان واقف باصصلي بنظرة رجاء وثبات، وبعدين بصت لأبويا وقالت بصوت واطي ومكسور: — “أنا.. أنا جاية يا أبو مريم عشان.. عشان أصلح سوء الفهم.” أبويا حط إيده في جيبه وقال بحزم: — “سوء فهم؟! تخريب بيت بنتي يوم صباحيتها وترمى بشنطتها في الشارع وتقولي سوء فهم؟! انطقي يا حاجة وقولي الحقيقة قدامنا كلنا، وإلا الباب يفوت جمل!”

الحاجة هدى اتنهدت بمرارة، وبصتلي أنا بالذات المرة دي. عيونها كانت مليانة كره مستخبي، بس الخوف من ضياع ابنها كان أكبر. قالت بصوت مسموع بالعافية: — “أنا.. أنا اللي قلت لمريم ترسم الرسمة دي في الكوافير.. وأنا اللي أقنعتها إن سامح بيحب الحركة دي عشان أوقع بينهم.. وأنا اللي بعت الرسالة الصبح.. مريم بنت شريفة وزي الفل، وما عملتش حاجة غلط.. العيب كان مني أنا.” الصمت خيم على الصالة كلها بعد الكلمات دي.

أمي حطت إيدها على بقها وبصت للحاجة هدى بقرف. وأنا كنت واقفة قوية، حاسة إن اعتباري وكرامتي رجعولي في اللحظة دي قدام أهل وأدام الراجل اللي اخترته. سامح قرب خطوة، ونزل على ركبة واحدة قدام أبويا تاني، بس المرة دي وهو باصصلي:

— “عمي.. أمي اعترفت بغلطها، وأنا اعترفت بجهلي وطيشي.. أنا قدامكم أهو، مستعد لأي شرط تطلبوه. شقة مريم هكتبلها نصها باسمها بعقد بيع وشراء، ومصروفها هيكون في إيدها، وأمي مش هتعتب الشقة دي تاني إلا بإذن مريم ولما مريم تسامحها من قلبها. أنا شاريكِ يا مريم.. مستعد أبيع الدنيا كلها عشانك، بس اديني الفرصة أثبتلك إنني الراجل اللي تستاهليه.” أبويا بص لسامح، وبعدين بصلي.. والقرار كله بقا في إيدي أنا.

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0