انا اتجوزت امبارح

مسكت التليفون بإيد بتترعش ومديته لأبويا. قرا الرسالة، وعيونه وسعت من الصدمة. النظرة اللي كانت في عينه اتغيرت من غضب أعمى ناحيتي، لذهول ووجع راجل اضحك عليه وعلى بنته في ليلة العمر. — “دي أم سامح؟” أبويا سأل بصوت خافت زي الهسيس. هزيت رأسي وأنا بدمع: “هي يا بابا.. هي اللي دخلت عليا الأوضة في الكوافير، هي اللي جابت العلبة وجابت الست، وقالتلي ده عشان ابنها بيحب التقاليع دي، وقسمتلي بأغلظ الأيمان إن سامح هيزعل لو ما عملتهاش.. والله العظيم يا بابا الست غمّت عينها وما حد شاف حاجة، بس هي كانت عارفة إن ابنها دماغه قفل، وعارفة إنه هيتجنن!”

أبويا قعد على أقرب كرسي، حاطط إيده على رأسه. النفس كان يخرج منه بالعافية. أمي قعدت جنب مني على الأرض، طبطبت عليا وهي بتبكي: “يا مريتي.. يا حسرة قلبي عليكي يا بنتي! حسبي الله ونعم الوكيل فيها وفي ابنها! بقى يصدق فيكي كده من أول ليلة؟ بعد ما دخل عليكي واتأكد إنك بنوتة ومحدش مسك، يرميكي في الشارع عشان شك ورسمة حنة؟!” — “مش شك يا أمي..” أنا قلتها بصوت مكسور، وأنا بفتكر نظرة سامح لما شاف الرسمة.

سامح مكنش شاكك في شرفي، سامح كان حاسس إن كرامته اتجرحت. نخوته الصعيدية الزايدة، وجنونه اللي كان بيتباهى بيه قدامي، أمه لعبت عليهم بالظبط. أمه كانت عارفة المفتاح فين. كانت عارفة إن كلمة “حد شاف جسم مراتك” بالنسبة لسامح أشد من المــ,,ـــــوت. أمه استغلت جهلي وطيبتي وخوفي من إني أبدأ حياتي بمشكلة معاها، عشان تحطلي السم في العسل. قمت بالعافية من على الأرض، مسحت دموعي بإيدي، وبصيت لأبويا اللي كان ساكت وزي ما يكون كبر عشر سنين في الكام دقيقة دول.

— “بابا.. أنا مش هسكت.” أبويا رفع رأسه وبصلي بقلة حيلة: “تعملي إيه يا بنتي؟ الراجل رماكي قدام العمارة وقال ورقتك هتجيلك. الناس في الشارع شافوكي وأنتِ نازلة بالشنطة، وعمك أحمد البقال واقف بصصلنا. الصباحية بقت فضيحة!” — “الكرامة اللي اتهانت دي لازم ترجع يا بابا. سامح لازم يعرف إن أمه هي اللي دبرت كل ده، مش عشان أرجعله.. أنا لو انطبقت السماء على الأرض مش هرجع لراجل هانني وداس عليا في ليلة دخلتي، بس مش هطلع أنا الخاينة ولا الـ…” الكلمة وقفت في زوري وما قدرتش أنطقها.

مسكت التليفون وكتبت رسالة لسامح. إيدي كانت بتترعش، بس قلبي كان بيغلي من القهر. بعتله “سكرين شوت” من رسالة أمه، وكتبت تحتها:

*(أنا مش ببعتلك عشان أترجاك ترجعني.. أنا أطهر وأشرف من إنك تشك فيا أو ترميني رمية الكلاب دي. ببعتلك بس عشان تعرف إن أمك اللي حاططها فوق رأسك، هي اللي حطتلي الحنة بإيدها، وهي اللي زقتني للست، وهي اللي بعتتلي الرسالة دي دلوقتي بتباركلي إن بيت أختها ونوران هما اللي فازوا بالعرش. أنت اتلعب بيك يا سامح.. اتلعب بيك من أقرب حد ليك، وخسرت مراتك الشريفة عشان تمثيلية هي أتقنتها بالظبط.)*
ضغطت “إرسال”، وقعدت أستنى. الدقايق كانت بتعدي زي السنين.

وفجأة، خطين الأزرق بتوع الواتساب ظهروا.. قرا الرسالة. عدت دقيقة.. اتنين.. خمسة.. مفيش رد. في الوقت ده، في شقة سامح اللي كانت لسه فيها ريحة الورد بتاع الفرح وريحة الحنة اللي قلبت حياتنا كابوس.

سامح كان قاعد على كنب الصالة، ماسك رأسه بين إيديه، وعلبة السجاير جنبه اتملا سجائر مطفية. كان حاسس بنــ,,ـــــار بتاكل في صدـ,,ـــره. هو بيحبني.. كان بيحبني لحد جنون، وعارف إنني خام ومش بتاعة حركات ولا تقاليع، بس “العزة بالثم” والغيرة القاتلة كانوا عاميين عينيه. كلام أمه الصبح وهو نازل لما شافته متعصب وكان بيقولها على اللي حصل، كان بزيت على النــ,,ـــــار. أمه كانت بتقوله: “يا بني معلش، هي تلاقيها متعودة على كوافيرات البندر وشغل البنات الأيام دي.. معلش يا سامح سامحها، أصل جيل اليومين دول ما عندهمش الكسوف بتاع زمان!”

الكلام ده كان بينزل على قلبه زي المية المغلية! أمه مكانتش بتهديه، أمه كانت بتأكدله إن أنا عملت كده باستخفاف وبعين قوية! وفجأة، تليفونه رن بصوت الرسالة. فتح التليفون بشرارة غضب، بس أول ما شاف الـ “سكرين شوت” وقرا كلام أمه اللي مكتوب بخط إيدها: *(يتربى في عز أبوه بقى.. قصدي ترجعي لبيت أبويكِ!)*.. التليفون كان هيقع من إيده. سامح اتسمر مكانه. عيونه وسعت وهو بيقرا الرسالة مرة واثنين وثلاثة. النبض في عروقه بدأ يضــ,,ـــــرب بجنون.

افتكر ليلة الفرح.. افتكر لما أمه دخلت عليا الأوضة في مركز التجميل وأخدتني على جنب. افتكر لما كان يسألها قبل الفرح بأسبوع وهي بتقوله: “نوران بنت أختك كانت أولى بيك يا سامح، البنت متتربية على إيدنا وعارفة أصولنا، مش بنات البندر اللي ما نعرفش أصلهم!” كل المشاهد بدأت تتجمع في دماغه زي اللغز المكسور اللي فجأة اكتمل. قام سامح وقف من مكانه زي المجنون. الباب اتفتح وفجأة دخلت أمه “حاجة هدى”، وكانت شايلة في إيدها صينية فيها فطور، وعلى وشها ابتسامة نصر مش دارية تخبيها.

— “صباح الخير يا عريس.. إيه يا حبيبي، صحيت بدري ليه؟ أومال فين الشنطة؟ روحتي البت لبيت أهلها زي ما قلتلي؟” سامح بص لأمه، ولأول مرة في حياته يشوفها بالنظرة دي. نظرة واحد اكتشف إن أمه هي اللي ذب/حته بس*كينة تلمة. مسك التليفون ورفعه في وشها، وصوته خرج مرعش ومكتوم من الصدمة: — “إيه ده يا أمي؟” أمه اتلخبطت لحظة، ونظرتها راحت للتليفون: “إيه ده يا بني؟ وريني كده..” — “الرسالة دي! الرسالة دي أنتِ باعتها لمريم من خمس دقائق! بتقوليليها مبروك والعرش لنوران بنت أختك! أنتِ اللي عملتي كده؟ أنتِ اللي خليتيها ترسم الحنة دي؟!”

أمه حطت الصينية على الطاولة بسرعة، وحاولت تتدارك الموقف وتعمل نفسها مظلومة: — “يا بني أنت بتصدق البت دي؟! دي بتوقع بيني وبينك! أنا قلتلها تعمل حاجة تفرحك، هي اللي راحت للست وقالتلها اعمليلي رسمة دلع! أنا مالي يا سامح؟! أنت هتقف قصاد أمك عشان بت ما تسواش؟!”
“أنتِ اللي زقتيها يا أمي!!” سامح صرخ بصوت هز جدران الشقة، والدموع أخيرًا نزلت من عينيه، دموع قهر ورجولة اتهانت بجد. “أنتِ عارفة إني مجنون! وعارفة إني مش هقبل بكده! وعارفة إني لو شفت كده هرميها في الشارع! استخدمتي غيرتي ونخوتي عشان تخربيلي بيتي في أول ليلة؟! عشان تجوزيني نوران؟!”

— “ايوه عشان نوران!!” أمه صرخت هي كمان لما لقت مفيش فايدة من الإخفاء، ووشها تحول لقسوة غريبة: “عشان نوران بنت اختي اللي تصونك وتعرف أصول الصعيد وكرامتك! مش البت دي اللي جاية من البندر وفاكرة نفسها هتمشيك على عجين ما تلخبطوش! أنا ربيتك وعارفاك، وعارفة إنك راجل، والراجل ما يقبلش مراته تتعرى قدام الغريب! أنا ما جبرتهاش.. أنا زقتها بس، وهي عشان خايبة وطيبة سمعت الكلام! لو كانت بنت أصول بجد كانت قالتلي لأ يا حماتي، جسمي ما حدش يشوفه غير ابنك! لكن هي سلمت، وأنت رميتها.. ويبقى الحق معاك قدام الناس كلهم!”

سامح كان واقف بيسمع وكأن حد بيضــ,,ـــــربه بشوم على رأسه. أمه ب تعترف بكل بساطة! بتعترف إنها حفرتله الحفرة وهو بغبائه وجنونه نط فيها برجليه الماليين! — “أنتِ دمرتيني يا أمي..” سامح قالها وهو بيلف ضهره ومروح ناحية الباب. — “على فين يا سامح؟! رايح فين يا بني وسايبني?!” أمه صرخت وهي بتجري وراه وتمسك في جلابيته. زق إيدها بالراحة بس بقسوة، وبصلها بعيون مليانة دموع وكسرة: — “رايح أرجع كرامتي اللي أنا بإيدي وطيشي دفــ,,ـــــنتها في التراب.. رايح للبيت اللي أنا هدمته الصبح.”

نزل سامح على السلم بيجري زي المجنون، الجزمة كانت بتخبط على الدرج وصوت ضــ,,ـــــربات قلبه أسرع من خطواته. ركب عربيته وداس بنزين على آخره. في الوقت ده، عندي في البيت.. أبويا كان قاعد في الصالة، ماسك التليفون وبيحاول يتصل بكبار العيلة عشان يشوفوا حل للمهزلة دي. وأمي كانت جوه الأوضة بتلملي هدومي من الشنطة عشان تحطها في الدولاب، وهي بتتحسبن وبتدعي على الحاجة هدى. أنا كنت واقفة قدام المراية في أوضتي القديمة. بصيت لوشي.. عينيا كانت متورمة، والكحل سايح على خدي. افتكرت فستان الفرح اللي كان محطوط على السر,,ـــــير، وافتكرت الفرحة اللي ما كملتش 12 ساعة.

مسحت وشي بمية باردة، وقلت لنفسي: “خلاص يا مريم.. اللي يبيعك في لحظة غضب، وما يسمعكيش، ويشكي فيكي وفي كرامتك قبل ما يفهم.. ما يلزمكيش حتى لو كان بيحبك.” وفجأة.. سمعنا خبط جامد وسريع على باب الشقة. خبط مش طبيعي، كأن حد بيحاول يكسر الباب! أبويا قام بسرعة من الصالة، وأمي خرجت من الأوضة وهي مفزوعة: “ستر يا رب.. مين اللي بيخبط كده؟!” أبويا قرب من الباب وقال بصوت حاد: “مين على الباب؟!” جاي الرد من بره بصوت مبشوح ومتعطع بالنفس:

— “افتح يا عمي.. افتح وحقك عليّا، وحق جزمتك على رأسي من فوق! افتح يا عمي عشان خاطر ربنا!” كان صوت سامح. أبويا وقف ورا الباب، وشده الغضب من جديد: “امشي يا جدع أنت من هنا! أنت فاكر بنات الناس لعبة في إيدك؟! ترميها الصبح وتيجي تخبط على بابنا الظهر؟! امشي بدل ما أطلبلك البوليس وألم عليك الشارع كله!”

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0