**الجزء الرابع** كان الصمت في الصالة أتقل من الجبال. سامح قاعد على ركبته قدامي، عيونه متبتة في عينيا ومستني كلمة واحدة تحسم مصيره، وأمه الحاجة هدى واقفة وراه وشها يجيب ألوان، كبريائها اتمسح بيه الأرض قدامنا كلنا، بس عينها كانت بتبخ سم ومغلولة وهي شايفاني صاحبة القرار والكلمة الأولى والأخيرة.
بصيت لسامح لفترة طويلة. كل كلمة قالها وكل شرط عرضه كان بيثبت إنه فعلاً فاق من الكابوس وعرف غلاطته، بس الجرح اللي اتفتح في قلبي يوم صباحيتي مكنش هيتقفل بمجرد اعتذار أو تنازل عن نص شقة. الكرامة اللي اتهانت قدام العمارة ونظرة الشك اللي شفتها في عينه أول ما شاف الرسمة، حاجات بتعلم في الروح وما تروحش في يوم وليلة. أخدت نفس طويل، ورجعت خطوة لورا، وبصيت لأبويا وقلت بصوت ثابت وهادي:
— “بابا.. الشرط الأول والأهم قبل الشقة وقبل أي كتابة عقود، هو إن كرامتي اللي اتهانت قدام الشارع ترجع زي ما راحت.”
سامح رفع رأسه بسرعة وقال بلهفة: — “تؤمري يا مريم! أي حاجة تطلبيها هتتنفذ فوراً!”
— “عم أحمد البقال..” كملت كلامي وأنا باصة في عين سامح بثبات: “والناس اللي كانوا واقفين في الشارع الصبح وشافوني نازلة بشنطتي ووشي متورم من العياط، وأنت بتزق الشنطة وتصرخ على باب العمارة.. الناس دي كلها لازم تعرف الحقيقة. مش هقبل أرجع ذمة راجل الناس في الشارع شايفين إنه رماني يوم صباحيتي عشان مش شريفة أو عملت مصيبة! أنت تنزل دلوقتي، قدام عم أحمد والبقالين والجيران اللي في الشارع، وتقولهم إنك ظلــ,,ـــــمتني، وأنك جيت تاخدني من بيت أبويا معززة مكرمة بعد ما عرفت إنك اتلعب بيك.”
الحاجة هدى أول ما سمعت كلامي اتنفضت وصصرخت بصوت مكتوم: — “جرى إيه يا بت أنتِ؟! هتفضحي ابننا في الشارع قدام اللي يسوى واللي ما يسواش؟! أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تشترطي الشروط دي كلها؟!” سامح ما استناش حتى لما أرد، لف لأمه وبصلها بنظرة حادة زي السيف، وصوته خرج بصوت زي الرعد: — “أنتِ تسكتي خالص يا أمي! ما نسمعش صوتك هنا! أنتِ اللي عملتي الفضيحة الصبح وأنتِ اللي حطيتي راسي في التراب، ومريم ليها ألف حق في كل كلمة قالتها!”
لفلي سامح تاني وهو بيقوم يوقف، وهز رأسه بإصرار: — “موافق يا مريم. هنزل دلوقتي حالا لعم أحمد ولكل حد في الشارع، وهخليهم يشهدوا إني أنا اللي كنت غبي وظالم، وأنك ست البنات وأشرفهم.” كملت كلامي قبل ما يتحرك: — “واستنى يا سامح.. فيه شرط تاني.” سامح وقف وبصلي باهتمام: “قولي يا مريم.. كملي.” — “أنا مش راجعة معاك الشقة النهاردة.” سامح اتصدم ونظرة التوسل رجعت لعينيه تاني: “ليه يا مريم؟! مش أهوه بعتذر وبنفذ كل شروطك؟! ليه البعد؟!”
— “عشان الثقة لما بتتكسر مش بتتصلح في ساعة زمن يا سامح.” قلتها بصوت مليان وجع، “أنت بعتني ورميتني في لحظة غضب عشان شكيت فيا. أنا محتاجة وقت، ومحتاجة أشوف أفعال مش مجرد كلام واعتذارات تحت ضغط الموقف. أنت هتنفذ كلامك، وتكتب العقود، وتصلح غلطتك قدام الناس.. وهتسيبني هنا في بيت أبويا شهر كامل. خلال الشهر ده، لو حسيت إنك فعلاً اتغيرت، وأنك راجل تقدر تحميني من أهلك ومن نفسك ومن لحظات غضبك، ساعتها بس هفكر أرجعلك.”
الصالة كلها سكتت. أبويا بصلي وابتسامة فخر صغيرة اترسمت على وش، لأنه عرف إن بنته مش عبيطة ولا بتجري ورا أي كلام وخلاص، لكن بتشتري كرامتها وتأمن مستقبلها. أما الحاجة هدى، فكانت حاسة إن الأرض بتدور بيها. الخطط اللي خططتها كلها اتقلبت سحر على الساحر. ابنها بقى طوع إيد مريم، وهي بقت بره اللعبة خالص ومطرودة من حساباتهم.
سامح بلع ريقه بالعافية، ونزل رأسه للأرض لحظات يفكر. كان عارف إن الشهر ده هيكون أصعب شهر في حياته، بس كان عارف كمان إن لو ساب مريم تضيع منه دلوقتي، مش هيرجعها طول عمره.
رفع رأسه وبصلي بعيون مليانة دموع وثبات في نفس الوقت: — “موافق يا مريم.. موافق على كل كلمة قوليها. هستنى الشهر ده، وهثبتلك في كل يوم وكل ساعة إني أستاهلك.. وإني راجل قدرك وحافظ عليكِ.” لف سامح ونزل على السلم بسرعة، ومن غير ما ينتظر أمه. الحاجة هدى بصتلي بصة مليانة غل وقالت بصوت واطي:
— “افتسكري يا مريم.. الدور والبيوت دوارة، والأيام بيننا.” رديت عليها بثبات وأنا باصة في عينها: — “واللي بيحفر حفرة لأخوه ب يقع فيها يا حاجة.. وأنتِ وقعتي في الحفرة اللي حفرتيها بإيدك.” خرجت الحاجة هدى وهي بتجر خيبتها وراها وققلت الباب قفلة هزت الشقة. بعد دقائق، سمعنا صوت كلام حاد وعالي جاي من الشارع تحت العمارة. جريت أنا وأمي على البلكونة، ووقفنا استخبينا ورا الستارة ونظرنا تحت. كان سامح واقف في وسط الشارع، قدام محل عم أحمد البقال، ولمم حوليه كام راجل من كبار الشارع والجيران اللي كانوا موجودين الصبح.
سامح كان بيتكلم بصوت عالي وواضح، يوصل لأخر الشارع: — “يا جماعة اسمعوني كلكم! اللي حصل الصبح هنا كان سوء فهم كبير مني أنا! مريم مراتي ست البنات، وأشرف وأطهر واحدة في الدنيا، وأنا اللي كنت غلطان ومستعجل وشيطاني عماني! أنا جاي النهاردة قدامكم كلكم أرد اعتبارها واعتبار بيت أبوها راجل العيلة المحترم.. ومريم جزمة على رأسي من فوق، والبيت ده أهله أسيادي!” عم أحمد البقال طبطب على كتف سامح وهز رأسه، والناس بدأت تتكلم وتهدي الجو، وكل النظرات اللي كانت الصبح فيها استغراب وشماتة تحولت لنظرة احترام لمريم وأهلها اللي عرفوا ياخدوا حق بنتم بالقانون والأصول.
وقفت في البلكونة وأنا دموعي بتنزل، بس المرة دي مكنتش دموع قهر ولا كسرة.. كانت دموع ارتياح. كرامتي ورجعتلي، وسامح أخد أول درس في حياته إن بنات الناس مش لعبة، وإن اللي يبيع في لحظة طيش هيدفع التمن غالي عشان يشتري تاني. بس هل الشهر ده هيعدي على خير؟ هل الحاجة هدى ونوران بنت أختها هيسكتوا بعد ما تمسح بيهم الأرض بالشكل ده؟ ولا كانوا بيجهزوا لضــ,,ـــــربة تانية تحت تحت.. ضــ,,ـــــربة أشد وأقسى تحــ,,ـــــرق البيت باللي فيه قبل ما الشهر يخلص؟!