جوزي وعدني ان اول سفرية بعد الجواز هتبقي لينا لوحدنا ..

أمه صرخت بصوت هز العمارة: — يا لهوي! بتطردي ابني من بيته؟ يقطع الجوازة على السفرية اللي خلتك تتفرعني كده! ده بيت ابني وده سكن زوجية، والشرطة هي اللي هتجيبنا حقنا! ابتسمت لها وقلت: — الشرطة؟ والله فكرة ممتازة يا طنط. تحبي أطلبها أنا ولا تطلبوها أنتوا؟ أخته جربت تتدخل وبصتلي بقرف: — بلاش شو، وافتحي الباب نغير هدومنا ونتكلم بدل الشوشرة دي، إحنا راجعين مفرهدين من الطريق. بصيت لأخته مباشرة، وطلعت ورقة الشكوى بتاعة شركة السياحة من ورائي، ولزقتها على الإزاز الفاصل بيننا على الباب.

أخته أول ما شافت صورة التوقيع والورقة، وشها اتقلب أصفر. الضحكة اختفت تمامًا من على وشها، وعينها اتوسعت برعب. — إيه دي؟.. رديت بلطف: — دي ورقة التزوير اللي إنتِ بصمتِ ووقعتِ عليها باسمي يا حلوة، عشان تسـ,ـرقوا فلوس حجزي وتحولوها لحساب حسين. التزوير ده عقوبته من تلات لسجل سبع سنين سجن مشدد. والمحضر حاليًا محول للنيابة العامة برقم متسجل. حسين بص لأخته بذهول: — تزوير إيه؟ إنتِ مش قلتيلي إنك اتفقتِ معاها وهي اللي بعتتلك البطاقة؟

أخته ارتبكت وبقت تتلعثم: — أنا.. أنا ما عملتش حاجة، أنا كنت فاكرة إنك عارف وهي موافقة! ده هو اللي قال لي اتصرفي وعايز الفلوس ترجع لحسابه عشان يكمل حق حجزنا! حسين صرخ فيها: — إنتِ مجنونة؟ إنتِ ورطتيني في مصيبة! أمهم مسكت قلبها وبقت تصوت: — الحقوني يا ناس! البت عايزة تسجن عيالي! يا فضيحتنا وسط العمارة! قلت بصوت صارم هز السلم كله:

— الصوت العالي ده مش هيفرق معايا. أنا مش بس غيرت الكالون، أنا كمان رفعت قضية طلاق للضرر، وقضية تبديد، وقضية تزوير ورسائل تهديد. قدامكم خمس دقايق تاخدوا الشنط اللي تحت دي وتمشوا، وإلا البلاغ اللي مع المحامي هيتحرك حاليًا بتهمة اقتحام ملك غير. حسين حاول يمسك الباب ويدفعه: — هنا.. استني بس، نتفاهم، أنا مكانش قصدي كل ده! أمي هي اللي أصرت، وأختي هي اللي عملت الحجز والورق، أنا مكنتش اعرف إنها زورت توقيعك!

بصيت في عينه، شفت فيهم الخوف والضعف اللي كان مداريهم ورا كلمة “دول أهلي واستحمليهم”. — إنت كنت عارف إن الحجز اتلغى من أسبوع، وكنت عارف إن الفلوس دخلت حسابك، وكنت عارف إنك سايبني في المطار زي الهبيلة وأنا اللي دافعة القرشين من شغلي وتعبي. إنت مش راجل يا حسين، واليوم اللي افتكرت فيه إنك كسرتني، كان اليوم اللي فوقت فيه. قفلت الباب في وشه بقوة، وصوت الخبط والقفل يرن في الممر.

سمعت أصواتهم برا بتتضارب. حسين بيصرخ في أخته، وأخته بتصرخ فيه وبترموا الاتهامات على بعض، وأمهم بتولول وتدعي عليا وعلى الجوازة. بعد ربع ساعة، سمعت صوت خطواتهم وهي نازلة على السلم بتجر شنطها وبجر خيبتها معاها. قعدت على الكنبة، ودقات قلبي كانت سريعة بس منتظمة. الشقة كانت هادية، وأول مرة أحس إن الهواء جواه نقي ومش مكتوم بحضورهم وتطفلهم. بس الموضوع مكانش انتهى عند الباب. ثاني يوم الصبح، جالي إشعار على الموبايل برقم المحامي:

— يا هنا، حسين ومحاميه واصلين النيابة حاليًا وبيحاولوا يقدموا طلب للتنازل أو الصلح قبل ما ينزل استدعاء رسمي لأخته، ومستعدين يدفعوا الفلوس المزدوجة ويرجعوا كل حاجة بشروطك. لكن قبل ما أرد على المحامي، رن تليفوني برقم مجهول جديد. رديت، وصوت ست جاد وناشف قالي: — أهلاً يا مدام هنا.. أنا الدكتورة نادية من جهة الرقابة المالية والشؤون القانونية بالبنك اللي حضرتك وحسين فاتحين فيه الحسابات… في حركة تحويلات تانية اتعملت من حسابك لحسابه من أسبوعين بمبالغ أكبر بكثير من تذاكر السفر، وفيها توقيع باسمك محتاجين حضرتك تحضري حالًا للفرع الرئيسي عشان تتأكدي منها قبل ما نحول الملف للنيابة المالية.

اكتشفت ساعتها إن سـ,ـرقة السفرية مكانتش غير خيط صغير في كارثة أكبر بكتير حسين وأخته كانوا بيخططوا لها من ورايا. خرجت من البيت والنهار يلا دوب بيبدأ، والشمس طالعة تحرق الأسفلت. الطريق للفرع الرئيسي للبنك كان طويل، وفي كل خطوة كانت دماغي بتلف: يا ترى حسين وأخته وصلوا لإيه تاني؟ إيه المبالغ الأكبر دي اللي المسؤولة كانت بتتكلم عنها؟ أول ما دخلت مكتب الدكتورة نادية في الدور التالت، لقيت الجو هادي ومسحوب منه أي مظاهر ود. المطبوعات والأوراق كانت مفروشة على المكتب، وفي وشي كان قاعد المحامي بتاعي اللي سبقني على هناك بعد ما كلمته في التليفون.

قعدت، والدكتورة نادية زقت ناحيتي ملف أزرق تقيل وقالت بنبرة حاسمة: — مدام هنا، الحساب المشترك اللي بينك وبين أستاذ حسين، بالإضافة لحسابك الشخصي اللي فيه شهادات الاستثمار بتاعتك… اتسحب منه على مدار الشهرين اللي فاتوا مبالغ بتتعدى النص مليون جنيه. شهقت بغير إرادة مني، وحسيت إن الهواء اتسحب من الأوضة. نص مليون جنيه؟ دي شقا عمري، الفلوس اللي كنت محوشاها من شغلي وتدريبي وورثي الصغير من بابا قبل ما يتوفى!

كملت الدكتورة نادية وهي بتشاور على المستندات: — التحويلات كلها اتعملت عن طريق إستمارات تحويل بنكي ورقية، ومرفق معاها طلب كسر جزئي للشهادات. الطلبات كلها متوقعة بتوقيع يطابق توقيعك المسجل عندنا بالظبط… لكن الغريب إن كل التحويلات دي راحت لحساب شركة عقارية جديدة، المسجل باسمها كشريك متضامن هي الآنسة شيرين… أخت زوجك. المحامي بتاعي مسك الورق وبدأ يفحصه بعدسة مكبرة صغيرة، وبعد دقيقتين بصلي وقال:

— التوقيع هنا مش مزور بالعين المجردة يا هنا… التوقيع ده منقول بتكنيك الشف أو الضغط، يعني حد أخد توقيع أصل ليكي على ورقة شفافة ونقله بحرفية، أو استخدم كارت التوقيعات القديم اللي كان في الشقة. افتكرت فورًا! من شهرين، شيرين أخته كانت قعدت عندي في الصالون بحجة إنها بتساعدني في ترتيب أوراق ومستندات قديمة للضرائب، وكانت كل شوية تطلب مني أوقع على صور بطاقات وأوراق رسمية عشان شغل الجمعية. هي مكانتش بتساعدني… هي كانت بتجمع عينات لتوقيعي!

طلبت من الدكتورة نادية تراجع كاميرات الفرع اللي اتعملت منه العمليات دي. الموظفة فتحت جهاز الكمبيوتر وعرضت تسجيلات الفيديو لليوم اللي اتكسرت فيه الشهادة الأخيرة. في الفيديو… كان ظاهر حسين واقف عند الكاونتر، وجنبه أخته شيرين. هي اللي كانت بتسلم الأوراق للموظف، وهو كان واقف يتلفت حواليه بتوتر، يمسح العرق من على أورته وينزل رأسه في الأرض كل ما حد يمر جنبه. مكانش مجرد شريك سلب، ده كان العقل المنفذ اللي مأمن أخته في وش المدفع عشان لو حاجة انكشفت، يدعي إنه ميعرفش!

في اللحظة دي، تلفون المحامي رن. رد، وسمعت صوت حسين من الناحية التانية بيصرخ وبيترجى: — يا أستاذ، أبوس إيدك خليني أكلم هنا! إحنا واقفين قدام بيت أهلها والناس بتتفرج علينا! أختي شيرين في حالة هستيرية وأمي أغمى عليها! مستعدين نكتب لها تنازل عن كل حاجة، بس بلاش النيابة المالية! بلاش الفضيحة دي! المحامي بصلي وسألني بعينيه. مسكت التليفون منه، وحطيته على السبيكر، وقلت بصوت أبرد من الثلج: — حسين… الفلوس اللي اتسـ,ـرقت من حسابي ونص مليون جنيه الشهادات، غير التزوير بتاع السفرية… كل ده بقى حاليًا في بلاغ رسمي للنيابة العامة والرقابة المالية.

حسين اتلعثم، وصوته كان بيرعش من الرعب: — هنا والله ما كان قصدي أضرِك! شيرين هي اللي أقنعتني إننا ندخل شباك في مشروع الشقة الجديدة باسمها، وقالتلي إنك مش هتحسي بالفرق وهنرجع الفلوس من أرباح المشروع قبل ما تاخدي بالك! والله العظيم كنت هرجعهم! — ترجعهم منين؟ — صرخت فيه والدموع في عيني من كمية الغدر — من فلوسي اللي لغيت بيها حجزي وركبت أملك وأختك مكاني؟ من كرامتي اللي داست عليها أمك تحت جزمتها وهي بتقولي “إنتِ هتعملي فيها كرامة”؟ إنتوا مش بس سـ,ـرقتوني، إنتوا استغفلتوني ودمرتوا كل حاجة حلوة كانت فيا!

سمعت صوت أمه بتدخل في التليفون وتصرخ وهي بتبكي: — يا بنتي ارحمي شباب أخوكي وأخته! شيرين لو دخلت السجن مستقبلها ضاع! اكتبيلنا كمبيالات ونرجعلك كل مليم، بس اسحبي البلاغ! قلت لها بمنتهى القسوة: — مستقبلي أنا اللي كان هيضيع تحت إيديكم. القانون هو اللي بيننا يا طنط… وأختك وابنك مكانهم الطبيعي هو التخشيبة. قفلت الخط في وشهم. الدكتورة نادية رفعت الشكوى الرسمية للقطاع القانوني بالبنك، وفي خلال ساعتين كان الصادر اتحول لنيابة الأموال العامة.

رجعت الشقة. الجو كان هادي، بس جوايا كان فيه بركان بيغلي. وقفت في نصف الصالون اللي شفت فيه كل أشكال النفاق والتسلل، وبدأت ألم كل حاجة تخصهم كانت فاضلة… الصور، الهدايا الفالس، وحتى الستائر اللي أمه اختارتها بالعافية عشان تفرض ذوقها عليا. على الساعة أربعة العصر، الباب خبط بقوة. فتحت الكاميرا… كان المحامي بتاعي ومعه اتنين من رجال الشرطة بلبس مدني، ومعاهم أمر إحضار لحسين وشيرين للتحقيق العاجل بعد ما البنك قدم أدلة التزوير الإلكتروني.

لكن الملازم اللي كان واقف قالي جملة غيرت كل الحسابات: — مدام هنا، إحنا نزلنا على عنوان بيت المتهمين، بس ما لقيناش حد. الجيران قالوا إنهم جمعوا شنطهم في عربية ونزلوا على طريق السفر من ساعة تقريبًا… وظاهر إنهم بيحاولوا يهربوا خارج القاهرة قبل ما يتنفذ أمر ضبطهم. قلبي دق بسرعة. كانوا بيهـ,ـربوا… بيهـ,ـربوا بفلوسي وبباقي المبالغ اللي سحبوها! لكن الضابط كمل وهو بيمسك جهازه المحمول: — بس متقلقيش… تتبع إشارة تليفون زوجك شغال، وفي نقطة تفتيش قريبة على طريق السويس أخدت خبر باللوحات المعدنية لعربيتهم.

شغلت الضابطة أنوار النقطة الأمنية، وصوت أجهزة اللاسلكي كان بيطلع منه نبرات متقطعة وبلاغات سريعة بين ضباط الطرق. قعدت في عربية المحامي بتاعي ورا عربية الشرطة اللي كانت ماشية بإنذارها على طريق السويس الصحراوي. كان جسمي كله بيتكتك من العصبية والترقب. الطريق كان فاضي تقريبًا، والضباب الخفيف بتاع المغربية بدأ ينزل يغطي الإسفلت، بس نيون اليافطات والمحطات كان بينعكس على زجاج العربية زي شريط سينما بيعدي بسرعة. الضابط اللي معانا في العربية كان متابع مع غرفة العمليات، وكل شوية يرجع بظهره ويقولنا:

— العربية أوبترا بيضا، نمرة (أ ج ط…)، الرادار لقطها وهي معدية بوابة الرسوم بسرعة تتجاوز المسموح، وفي عربية دورية وراهم حاليًا بتزنق عليهم قبل ما يدخلوا على مدخل مدينة الشروق. المحامي بصلي وقال بثقة: — متقلقيش يا هنا، القضايا اللي عليهم دلوقتي مش مجرد نزاع زوجي، دي قضايا أموال عامة وتزوير وهروب من استدعاء نيابة، يعني مفيش مجال للوساطة أو الطبطبة.

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2