وقلت لنفسي خلاص. أسبوع وهيعدي. لكن عند كاونتر الشركة… الموظفة أخدت البطاقات والحجوزات. وبعد دقايق بصتلي وقالت: —آسفة يا فندم، حضرتك مش موجودة على الحجز. ضحكت بتوتر. —إزاي؟ إحنا أربعة. قالت: —الحجز لثلاثة أشخاص فقط. جوز حضرتك، ووالدته، وأخته. بصيت لجوزي. وشه اتغير. قلت: —وحجزي؟ الموظفة قلبت في السيستم. وبعدين قالت: —كان موجود فعلًا… لكن اتلغى من أسبوع، والمبلغ اترد على نفس وسيلة الدفع. ساعتها فهمت. حماتي وأخته مكانوش إضافة مفاجئة.
أنا اللي كنت اتشلت من السفرية. قلت لجوزي: —إنت لغيت حجزي؟ قال بسرعة: —هفهمك. حماتي تدخلت: —يا بنتي متكبريش الموضوع. إحنا قولنا نخليها سفرية عائلية، وإنتِ ممكن تسافري معاه بعدين. بصيتلها. وبعدين بصيت لجوزي. —وإنت وافقت؟ قال: —ماما تعبانة نفسيًا ومحتاجة تغير جو. قلت: —على حساب مين؟ سكت. الموظفة قالت: —المبلغ المسترد اتحول على البطاقة اللي تم الدفع منها. طلعت موبايلي وفتحت تطبيق البنك. أنا اللي كنت دافعة تمن الرحلة كلها.
لكن الفلوس ما رجعتش لحسابي. قلت للموظفة: —ممكن أعرف البطاقة اللي استلمت الاسترداد آخر أربع أرقام منها كام؟ قالتلي. بصيت لجوزي. الأرقام كانت بتاعة بطاقته. يعني مش بس لغى سفري… ده أخد فلوس حجزي، ودفع بيها جزء من سفر أمه وأخته. قلتله: —هات مفتاح البيت. اتوتر. —إيه؟ —المفتاح. حماتي قالت: —إنتِ هتعملي فيها كرامة دلوقتي؟ ابتسمت. —لا… أنا هسيبكم تستمتعوا بالسفرية العائلية. جوزي مسكني من إيدي. —هترجعي لوحدك يعني؟ قلت:
—آه. —ولما أرجع نتفاهم. بصيتله وقلت: —لما ترجع… ابقى شوف الأول هترجع على فين. ضحك. افتكرني بهدده وخلاص. لكن اللي هو مكانش يعرفه… إني قبل الجواز كنت شارية الشقة باسمي، وهو أصر بعدها إننا نسكن فيها بدل ما نأجر. رجعت من المطار. وفي الصبح غيرت كالون الباب. وجمعت كل حاجته. وبعتها على بيت أمه. لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعد يومين. اتصل بيا رقم غريب. رديت. لقيت موظف من شركة السياحة بيقولي:
—مدام، حضرتك قدمتي شكوى بخصوص إلغاء الحجز؟ قلت: —لا. سكت لحظة وقال: —غريبة… لأن عندنا شكوى باسم حضرتك، ومرفق معاها صورة بطاقتك وتوقيعك بالموافقة على تحويل قيمة الحجز لشخص تاني. قلبي وقع. أنا ما وقعتش على أي حاجة. طلبت منه يبعتلي الورقة. وأول ما فتحتها… عرفت التوقيع فورًا. مش توقيع جوزي. كان….. كان توقيع أخت جوزي.
توقيع أعرفه كويس جدًا من أيام ما كانت بتحاول تقلد خطي وتوقيعي على أوراق الجمعية اللي كنا داخلينها سوا قبل الجواز، خطها فيه كسرة معينة في حرف الراء مستحيل تغلط فيها عيني. الموظف على التليفون كان مستني رد، صوت انفاسه الهادية على الناحية التانية من الخط كان نذير شؤم لكل حاجة جاية. — يا فندم؟ معايَ على الخط؟ رديت بصوت حابس الدموع والعصبية، صوت حاولت على قد ما أقدر أخليه ثابت زي الصخر:
— الشكوى دي مزورة، والتوقيع ده مش توقيعي، والبطاقة دي اتصوّرت من غير علمي. أنا بطلب منك حالًا توقف أي إجراءات وتديني صورة رسمية من الطلب ده بإيميل رسمي من الشركة. الموظف اتوتر، ونبرة صوته الاتهامية تحولت لأسف حذر: — يا مدام، الطلب ده تقدم في الفرع الرئيسي من أسبوع، والشخص اللي قدمه كان معاها تفويض وصورة بطاقتك وصورة عقد الجواز عشان يثبتوا صلة القرابة، وقالوا إنك تعبانة ومش هتقدري تحضري بنفسك.
قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع باقي كلامه. إيدي كانت بترعش، بس المشاعر اللي جواه مكانتش حزن أو قهرة، كانت نار بتاكل كل باقي من الاستسلام أو السكتة اللي عشت فيها الشهور اللي فاتت. أخته مكانتش بس بتتطفل على حياتنا، أخته كانت بتخطط وتزور، وجوزي مكانش بس مغفل أو بيمشي ورا كلام أمه، ده كان شريك في جريمة مكتملة الأركان.
طلعت على أقرب محضر شرطة، وقبل ما أعدي عتبة القسم، اتصلت بالمحامي بتاعي، واستدعيته فورًا. المحامي أخد صورة الطلب وصورة البطاقة المزورة، وقالي بالنص: “دي مش مجرد خـ,ـيانة زوجية أو سـ,ـرقة فلوس، دي قضية تـ,ـزوير في أوراق رسمية واستعمال محرر مزور، واستـ,ـيلاء على أموال.”
في الوقت ده، كان جوزي وأمه وأخته عايشين حياتهم في شرم الشيخ، بيستمتعوا بالبحر والهدوء اللي اتدفع تمنه من حريتي وفلوسي وكرامتي. ميعاد رجوعهم كان فاضل عليه يومين. خلال اليومين دول، أنا ما قعدتش أندب حظي. غيرت كالون الشقة بالكامل، وضفت قفل إلكتروني جديد. جمعت كل هدومه، كل كراكيبه، حتى شهادات تقديره وكتبه القديمة، وحطيتها في شنط ضخمة وشحنتها على عنوان بيت أمه اللي مقفول حاليًا.
اليوم التالت، وفي نفس الميعاد اللي كان المفروض يرجعوا فيه، قعدت في البلكونة أراقب الشارع. الساعة كانت حوالي ستة المغرب لما وقفت عربية أخته تحت العمارة. نزل منها جوزي، وشايل الشنط، ووراه أمه وأخته يضحكوا بصوت عالٍ وبيشتكوا من تعب السفر. طلعت أخته الموبايل وكانت بتسجل فيديو وهي طالعة على السلم، كأنهم راجعين لبيتهم ومستنيين استقبال ملكي. سمعت خبط المفتاح في الباب. مرة.. اتنين.. تلاتة. المفتاح ما بيلفش. سكتوا لحظة، وبعدين سمعت صوت جوزي بيخبط على الباب بإيده:
— يا هنا؟ افتحي يا هنا.. المفتاح ماله مش راضي يلف؟ ما رديتش. قعدت على الكنبة في الصالون وشربت بق مية بمنتهى الهدوء. الخبط زاد، وصوت أمه طلع بالمواويل المعتادة: — جرى إيه يا سي حسين؟ هي من أولها كده هتعملنا حركات؟ افتحي يا بت أما نشوف السفرية اللي عكرتيها علينا دي! جوزي ضرب الباب برجله: — هنا! افتحي الباب ده بدل ما أكسره! إنتِ جننتيها ولا إيه؟ مسكت الموبايل، وفتحت الكاميرا الخارجية اللي متوصلة بالانتركم وسجلت كل كلمة وكل حركة بيعملوها. وبعدين فتحت الباب.. بس مش فتحة كاملة، فتحت السلسلة الحديدية وسيبت مسافة صوابع بيني وبينهم.
وش حسين كان أحمر من الغضب، وعرقان من شيل الشنط. أمه واقفة وراه ساندا أيدها على حيطة السلم، وأخته واقفة تبصلي بانتصار ولابسة النظارة الشمسية على رأسها. حسين بصلي بشرار: — إيه المهزلة دي؟ المفتاح ده مش راضي يفتح ليه؟ وغيرتِ الكالون ليه اصطبحي على صبحتنا كده؟ بصيتله ببرود تام، وبصيت لأخته اللي كانت بتبتسم بثقة، وقلت: — الشقة دي بتاعتي يا حسين، مسجلة باسمي في الشهر العقاري من قبل ما أعرفك. وحضرتك ملكش فيها قشة واحدة. حاجتك كلها اتدشنت في شنط وراحت على بيت أمك.