أول ما وصلنا المستشفى، كانت الريحة مليانة بمطهرات وأجهزة طبية وصوت أجهزة القلب المنتظم المنتشر في الممرات. أهل منى وجوزها كانوا واقفين بره الأوضة، ووشوشهم مجهزة بالغم والهم. أول ما شافوني جاية مع أحمد، الكل اتنحى جانباً ونكسوا رؤوسهم في الأرض من الخجل. جوزها قرب مني بخطوات ثقيلة وقال بصوت مكسور: “حقك علينا يا أم آدم… ندى، سامحيها لو تقدرِ، الدكاترة بيقولوا إن نسبة نجاتها من العملية ضعيفة جداً، وهي مش راضية تدخل غرفة العمليات إلا لما تشوفك.”
هزيت رأسي بوقار ودخلت معاها العناية المركزة. أول ما الباب اتفتح ورأيت منى ممددة على السرير الأبيص، الأجهزة موصلة بجسدها الضعيف، وشها كان أصفر زي الورق الميت، وعينيها غائرة. مكنتش أصدق إن دي نفس الشخصية اللي كانت واقفة قدامي قبل سنتين بكامل قواها وبتشهد زور وتحلف على المصحف عشان تدمر حياتي! سبحان من يغير الأحوال ويذل المنتاكبين. أول ما فتحت عينها وشافتني واقفة قدامها، الدموع جرت من عينيها بغزارة، وحاولت ترفع إيدها المربوطة بالمحاليل باتجاهي وهي بتنهد بصوت طالع بالعافية ومخنوع:
“ندى… أنتِ جيتي؟… الحمد لله إن ربنا أمهلني لحد ما أشوفك…” وقفت على بعد خطوات منها وقلت بصوت هادي لكنه جاد: “جيت يا منى… جيت عشان أسمعك.” منى بدأت تبكي بحرقة وتشهق، وجسمها كله كان بيرتجف على السرير:
“سامحيني يا ندى… أرجوكي قوليلي إنك مسامحاني! من يوم ما حلفت على المصحف كدب وأنا مش بشوف يوم حلو، النوم طار من عيني، وعيالي اتأذوا، وحياتي اتدمرت. أنا كنت جبانة… عبير هددتني بستر قديم وعيلة وحاجات تخص أهلي، وخلتني أبيع ديني وأظلمك عشان أحمي نفسي، بس اكتشفت إن الظلم ناره بتاكل صاحبها الأول! أنا خايفة أقابل ربنا يا ندى… خايفة من حلفة المصحف!” بصيت ليها وأنا حاسة بمزيج من الشفقة والأسى على العاقبة الأليمة اللي وصلت لها. قلتلها بصوت ثابت:
“اللي عملتيه فيا يا منى كان هدّام… دمرتي بيت، وحرمتي أم من عيالها ست شهور كاملين، وخليتي الكل يطعـ,ـن في شرفي. الحلفة على كتاب الله مش حاجة سهلة تتنسي بكلمة. أنا مش هأكذب عليكي وأقولك إن الجـ,ـرح اتمحى، لكن عشان الظروف دي، وعشان أنتِ بين إيدين ربنا… أنا هقولك إني عفوت عن حقي الشخصي في الدنيا، وسيبت حسابك وحساب عبير لعدالة ربنا في الآخرة والدنيا. أدخلي عمليتك وادعي ربنا يغفرلك، وأنا مش هدعي عليكِ تاني.”
من بين دموعها، منى رفعت إيدها وشهقت بفرحة ومغفرة وكأن جبل انشال من على صدرها: “شكراً يا ندى… ربنا يجازيكي خير على قلبك الطيب… سامحيني…” خرجت من الأوضة وأنا حاسة براحة غريبة، كأن آخر عقدة سوداء من الماضي اتقصت واترمت بعيد. الممرضين أسرعوا وادخلوها غرفة العمليات فوراً. مرت ساعات الانتظار الشديدة في المستشفى. أحمد كان واقف جنبي ومتمسك بإيدي طول الوقت. وبعد حوالي أربع ساعات، خرج الدكتور ووشه مش مبشر بالخير… قرب من جوز منى وأهلها وقال بنبرة أسف:
“إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه… لكن النزيف كان شديد جداً، والقلب متحمّليش… البقاء لله.” الصرخات والبكاء ملأوا الممر. منى فارقت الحياة، وانطوت صفحتها للأبد، لتبقى قصتها عبرة لكل واحد بيستهين بشهادة الزور أو بيحلف بكتاب الله كذباً عشان يظلم بريء. أحمد أخدني ورجعنا البيت. كنا ساكتين طول الطريق، كل واحد فينا مستوعب قد إيه الحياة قصيرة، وقد إيه الظلم عاقبته وخيمة. بعد وفـ,ـاة منى بأسابيع قليلة، العيلة اتزلزلت تاني… لكن المرة دي كانت بسبب “عبير”.
عبير لما عرفت بوفـ,ـاة منى وسمعت باللي حصل في المستشفى، وبدلاً من إنها تتعظ وتتوب، الجشع والخوف عمى عينها أكتر. الراجل اللي كانت مديونة له بالفلوس المشبوهة، لما يئس إنه ياخد فلوسه منها بعد ما اطلقت وافتقرت، قرر يفضّحها رسمي. راح لأهلها وتقدّم بجميع الشيكات والإيصالات والرسائل اللي بتثبت تورطها في عمليات نِصاب وتجارة غير مشروعة من ورا العيلة كلها. أهل عبير لما عرفوا بالحقيقة كاملة ووجدوا إنها مش بس خربت بيتي وشهّرت بشرفي، بل كمان ورطت أصل عيلتها في ديون وقضايا… تبرؤوا منها رسمياً!
في يوم هادي في شقتنا الجديدة، كنت قاعدة أجهز لولادة طفلي الجديد، وأحمد جه من شغله وبدأت عليه ملامح التفكير العميق. قعد جنبي وقال: “ندى… عبير اتسجنت النهاردة.” بصيتله بذهول: “اتسجنت؟!” أحمد هز رأسه وقال: “أيوه… القضايا اللي رفيعها الراجل مع إيصالات الأمانة ثبتت عليها، وأهلها رفضوا يدفعوا لها جنيه واحد أو يوكلوا لها محامي. القاضي أصدر حكم بحبسها ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ. العدالة الإلهية أخدت مجراها كاملاً يا ندى… اللي ظلمتك وافتترت عليكي عشان تحمي نفسها، أصبحت محبوسة ومطرودة ومفضوحة قدام مصر كلها.”
حطيت إيدي على وشي وحمدت ربنا من كل قلبي. الشرف اللي حاولوا يلوثوه، ربنا رفعه ورجّعه ناصع البياض، والبيت اللي اتهد بالظلم، ربنا عوضني بداله بيت أحدث وأهدى وأكثر أماناً. وبعد شهرين… وضعت طفلتي الجديدة، وسميتها “أمل”، لتكون رمزاً للبداية الجديدة والأمل اللي مابيمـ,ـوتش أبداً طالما ربنا موجود. لكن… رغم إن كل الأعداء أخدوا جزاءهم، ورغم إن حياتي مع أحمد استقرت تماماً… إلا إن مفاجأة أخيرة كانت في انتظارنا، مفاجأة جاية من أوراق قديمة سابها حمايا قبل ما يتوفى، مفاجأة هتقلب موازين التجارة والبيت القديم كله وترجع تفتح باب لم نكن نتوقعه…
مرت عدة أشهر على ولادة ابنتي الصغيرة “أمل”، وكانت حياتنا تسير في هدوء واستقرار لم أعشه من قبل. الشقة الجديدة أصبحت ملجأنا الهادئ، وآدم وليان كبرا وبدأا يستعيدان طفولتهما الضحوكة بعيداً عن أشباح الماضي. أحمد تغير تماماً، أصبح يحرص على رضايا وعلى مشاركتي في كل صغيرة وكبيرة، وكأنه يحاول كل يوم أن يمحو خطأ الماضي بالحب والاهتمام. وفي وسط هذا الهدوء… جاء الخبر الذي زلـ,ـزل العائلة من جديد.
توفي حمايا بعد صراع قصير مع المرض، حزناً على ما آلت إليه عائلته وتفكك بيته الكبيرة. وبعد انتهاء أيام العزاء، اجتمع إخوة أحمد الثلاثة في الشقة الأرضية بالعمارة القديمة لتقسيم التركة وتصفية التجارة والمحلات التي تركها حمايا. كنت قاعدة في شقتي مع الأطفال، لما دخل أحمد ووجهه شاحب، وفي إيده حقيبة جلدية قديمة ومظروف أصفر كبير مغلق بختم قديم. قعد جنبي وهو بينهف وقال بصوت مرتكب: “ندى… إحنا بنفتح خزنة أوبيا القديمة اللي في المحل، لقينا الأوراق دي… أوبيا ساب وصية وأوراق رسمية متسجلة في الشهر العقاري من سنة كاملة، قبل ما يتوفى بكام شهر.”
بصيت للمظروف باستغراب وقلتله: “وصية؟ وحاجة تخص مين يا أحمد؟” أحمد فتح المظروف وهو إيده بتترعش، وطلع منه عقد ملكية ومستندات تجارية رسمية، وقال بصوت مليان ذهول وشعور بالذنب المتردد: “أبويا كتب نص المحلات والتجارة باسمك أنتِ يا ندى! وكتب الشقة الأرضية والعمارة باسم آدم وليان بأسماء صريحة وفي بند لا يجوز البيع أو التصرف إلا بموافقتك أنتِ شخصياً!” شهقت من الصدمة وقمت من مكاني: “باسم أنا وأولادي؟! ليه حمايا يعمل كده؟ إخواتك شغالين معاه طول عمرهم في المحلات دي!”
أحمد طلع ورقة مكتوبة بخط إيد حمايا القديم، وقال: “اقرئي دي بنفسك…” سحبت الورقة، وكانت رسالة كتبها حمايا قبل وفـ,ـاته، نصها كان بيقطع القلب: *(يا ندى يا بنتي… أنا بعتذرلك وأنا بين إيدين ربنا. أنا ظلمتك وظلمت شرفك وقسيت عليكي بدون وجه حق. ولأن ولادي اتساقوا ورا حريمهم وشاركوني في الظلم والعمى، أنا قررت أصلح جزء من كسر خاطرك. المحلات والتجارة دي نصها من حقك أنتِ وعيالك عشان أضمن إن محدش يقدر يجور عليكي تاني لو جرت الأيام، وعشان تسامحيني في قبري).*
الرسالة نزلت عليا زي الصاعقة. حمايا كان عايز يكفر عن ذنبه بماله وتجارته، لكنه بدون ما يقصد، فتح باب جهنم جديد بيننا وبين باقي العيلة! إخوات أحمد لما عرفوا بوجود الوصية والأوراق الرسمية، العمارة اتقلبت رأس على عقب. إخواته اللي كانوا بيستعدوا يتقاسموا التركة والمحلات، وجدوا إن الغريبة اللي طردوها واتهموها في شرفها قبل سنتين، أصبحت هي المالك الحقيقي لنصف تجارتهم والعمارة كلها! في نفس الليلة، اتفاجأنا بخبط شديد على باب شقتنا الجديدة.
فتح أحمد، وكان واقف إخوته الاتنين وجوههم محمرة من الغضب والغل. دخل أخوه الكبير وهو بيصرخ بصوت يهز الشارع: “إيه اللعب ده يا أحمد؟! أبوك كان خرفان قبل ما يمـ,ـوت؟ إزاي يكتب نص التجارة والمحلات لندى وعيالها؟ إحنا اللي طافحين الدم في التجارة دي معاه من عشرين سنة! أنت مرتك ضحكت عليه وأخدت عقله قبل ما يمـ,ـوت عشان تسرق حلالنا؟!” أحمد وقف قدامهم كالسد المنيع وقال بحزم وشدة:
“الزم حدودك يا أخويا! ندى ما طلبتش حاجة، وأبويا كتب ده بملء إرادته كتعويض عن الظلم والعـ,ـار اللي لبستوهولها وعن بيتها اللي اتخرب! وأنا مش هسمح لأي حد يغلط في مرتي بحرف واحد تاني!”