أخوه التاني قرب مني بنظرة شرارة وقال: “أنتِ فاكرة نفسك كسبتي يا ندى؟ المحلات دي مش هتعتبيها، والأوراق دي هنطـ,ـعن عليها بالحجر والبطلان! مش هنسيبلك قرش واحد من شقا عمرنا!” وقفت بثبات وصمود، وبصيت في عيونهم اللي كانت مليانة طمع وغل، وقلت بصوت هادي كالثلج: “أنا ما جرتش ورا ورث ولا طمعت في حق حد منكم… حمايا هو اللي حب يرجعلي اعتباري أمام ربنا وأمام الناس. لكن طالما بتتكلموا بالطريقة دي وبالتهديد والوعيد، فسمعوا كلامي كويس: الحق ده بقا حق أولادي آدم وليان، وأنا مش هفرط في حق ولادي لو على رقبتي!”
أحمد وقف بجانبي، وقال لإخواته بصوت قاطع: “يا تلتزموا بالقانون والأصول وتدوا كل ذي حق حقه بالمعروف… يا أما القضاء والشهر العقاري هما اللي يحكموا بيننا!” خرجوا إخواته من الشقة وهما بيتوعدوا ويهددوا إنهم هيولعوا في التجارة العائلية وفي العمارة، ولن يسمحوا لندى بأن تأخذ جنيهاً واحداً. ومن اليوم ده… بدأت حرب جديدة. حرب مال ونفوذ وقضايا بين أحمد وإخواته. إخواته حاولوا يزوروا عقود قديمة، ورفعوا قضايا حجر وبطلان وصية، وحاولوا يضايقوا أحمد في السوق والمحلات ويمنعوه من دخول تجارة أبوه.
وأنا… وجدت نفسي في مواجهة اختبار جديد. هل أتنازل عن حق أولادي وأشتري راحة بالي واستقرار بيتي اللي بنيته بالدموع؟ أم أقف في المحاكم وأحارب من أجل حق آدم وليان والوصية التي تركها حمايا للتكفير عن ذنبه؟ وفي وسط هذه المعمعة والقضايا المشتعلة… جالي اتصال هاتف غريب من رقم غير معروف. رديت بصوت متوجس: “ألو؟” جالي صوت ست ضعيف ومبحوح، صوت أظنني لن أنساه أبداً… صوت عبير من داخل السجن!
قالت بصوت بيترعش وبيبكي: “ندى… الحقيني يا ندى! إخوات أحمد متفقين مع الراجل اللي كان بيهـ,ـددني زمان، ونبرموا مؤامرة جديدة عشان يتهموا أحمد في قضية تزوير ورشوة ويضيعوا المحلات منك ومن عيالك ويحبسوه… أنقذي جوزك قبل ما يروح في رجلين المؤامرة بكرة الصبح!” تسمرت مكاني والرسالة المزعجة جعلت عقلي يتوقف عن التفكير… هل عبير بتتكلم بجد وتصحت ضميرها في السجن؟ أم إن دي فخ جديد منصوبلي عشان يدمروا حياتي من جديد؟
سكتّ لثواني، وقلبي كان بيلف في قفصي الصدري زي الطير المذبوح. صوت عبير جاي من ورى القضبان، فيه ذل وانكسار مش طبيعي، بس ألم الماضي خلاني مش قادرة أثق في أي حرف تطلعه من بقها. رديت عليها بصوت ناشف زي الحجر: “أنتِ ليكِ عين تتصلي بيا يا عبير؟ بعد كل اللي عملتيه؟ عايزاني أصدق إنك خايفة عليا وعلى أحمد دلوقتي؟ ولا دي لعبة جديدة ملعوبة عليا عشان تقعسيني وتدمروا اللي فاضل من حياتي؟”
عبير صرخت بانهيار وعياط بصوت مكتوم: “والله العظيم ما بكدب يا ندى! وحياة عيالك آدم وليان اللي حرمتك منهم زور، أنا بتكلم بجد! السجن مربي يا ندى… أنا شفت الجحيم بعيني هنا، وعرفت إن كل اللي حصلي كان عدل ربنا عشان الظلم اللي ظلمتهولك. إخوات أحمد زاروني عن طريق محامي، وحاولوا يعرضوا عليا فلوس عشان أطلع أقول إن عقد المحلات والوصية بتوع حماكي كان تزوير وأن أحمد هو اللي عملهم ونصب على أبوه قبل ما يمـ,ـوت! وهما متفقين مع الراجل اللي كنت مدانة له عشان يشهد معاهم بكرة في النيابة!”
أنا بلعت ريقي، وأيدي بدأت تترعش. كملت عبير وهي بتنهد: “أنا رفضت يا ندى… رفضت أكون سبب في خراب بيتك للمرة التانية، ومش مستعدة أشيل ذنب جديد أروح بيه لربنا. هما بكرة الصبح رايحين يرفعوا البلاغ في النيابة ومعاهم أوراق مزورة هيحطوها في ملف المحل! خدي بالك من جوزك ومن الأوراق الأصلية، أرجوكي يا ندى صدقيني!” الخط قطع. فضلت واقفة والتليفون في إيدي، حاسة إن الدنيا بتلف بيا. أحمد كان في الأوضة التانية بيحضر أوراق القضية ومستندات المحلات. دخلت عليه والوش بتاعي أصفر زي الليمونة.
أحمد بصلخ باستغراب وقام مسكني: “مالك يا ندى؟ وشك اتقلب ليه كده؟ في حاجة حصلت؟” حكيتله كل اللي قالته عبير بالحرف الواحد. أحمد اتسمر مكانه، وشه احمر من الغيظ والغضب، وضـ,ـرب بإيده على المكتب بقوة: “يوصل بيهم الغل لكده؟! عايزين يلبسوني قضية تزوير ورشوة ويدخلوني السجن عشان ياخدوا حلال عيالي؟ إخواتي من دمي يعملوا فيا كده؟!” مسكت إيد أحمد وقلتله بعقل وثبات:
“الغضب مش هيحل حاجة يا أحمد! هما بيلعبوا في الخفاء وبيدبروا بمكر، إحنا لازم نكون أسبق منهم بخطوة. الأوراق الأصلية والوصية بتاعة حماك لازم تطلع فوراً للمحامي، ونطلب حماية وتفتيش حاسب في النيابة قبل ما هما يقدموا أي بلاغ كاذب!” بالفعل، أحمد اتصل بالمحامي في نفس الليلة، وطلعوا على الشهر العقاري والنيابة العامة الصبح بدري جداً. المحامي أثبت صحة الوصية والأوراق بالرسائل والمستندات المسجلة رسمياً من حمايا قبل وفـ,ـاته، وعمل بلاغ تحفظي بيحمي أحمد وممتلكاته.
ولما وصلوا إخوات أحمد النيابة ومعاهم الراجل المشبوه والمستندات المزورة عشان يلبسوا أحمد القضية… كانت المفاجأة صاعقة بالنسبة ليهم! وكيل النيابة واجههم بالبلاغ التحفظي وبالمستندات الأصلية الموثقة بالبصمة والتوقيع الحي لحمايا قبل وفـ,ـاته في الشهر العقاري، واكتشف إن الأوراق اللي معاهم مزورة بصورة مفضوحة. تحولوا في لحظة من “شاكيين” إلى “متهمين بتزوير أوراق رسمية والبلاغ الكاذب”! النيابة أمرت بضبط وإحضار إخوات أحمد، وتحفظت على المحلات والتجارة تحت حراسة قضائية لحين الفصل النهائي.
العمارة القديمة شهدت اليوم ده زلزال جديد. إخوات أحمد الاتنين اتسحبوا للتحقيق، والمنطقة كلها بقت بتتكلم عن الخزي والعار اللي جابوه لنفسهم بسبب الطمع والغل. أما حماتي… فلما عرفت إن ولادها الرجالة كانوا عايزين يسجنوا أخوهم ويتهموه بالتزوير عشان المال، جاتلها جلطة جديدة ونقلت للمستشفى في حالة حجة، وبقت العيلة كلها بتتفكك وتدفع ثمن كل ظلم وكل نية سودة اتزرعت في البيت ده من زمان. أحمد رجع الشقة بالليل، وهو مهدود جسمانياً ونفسياً. قعد على الكنبة وحط رأسه بين إيديه وبكى بحرقة… بكى على أبوه اللي مات مقهور، وعلى إخواته اللي طمعهم وردهم في داهية، وعلى العيلة اللي اتدمرت.
قعدت جنبه، وحطيت إيدي على كتفه. أحمد رفع رأسه وبصلي بدموع وقال: “أنا آسف يا ندى… آسف إن عيلتي كانت السبب في كل العذاب ده. أنتِ الوحيدة اللي طلعتِ نضام وصافية في وسط الجحيم ده كله. أبويا كان عنده حق لما كتبلك نص التجارة والعمارة… أنتِ الست الوحيدة اللي تستاهل تصوني حلال العيلة دي.” قلتله بهدوء: “يا أحمد، الفلوس والمحلات بتروح وتيجي… لكن أهم حاجة إن الحق ظهر، وإن ولادنا آدم وليان وأمل هيتربوا في عز وحلال، بعيد عن الشبهات والظلم.”
وبعد مرور أسابيع قليلة… صدر الحكم النهائي في قضية التركة والوصية. المحكمة أيدت صحة وصية حمايا بالكامل، وأصبحت أنا وأولادي الملاك الرسميين لنصف المحلات والعمارة، بينما إخوات أحمد اتفرضت عليهم عقوبات وغرامات كبيرة بسبب محاولة التزوير والبلاغ الكاذب، واضطروا يبيعوا أنصبتهم عشان يدفعوا الديون والغرامات اللي عليهم! بقيت أنا، الست اللي طردوها حافية من العمارة واتهموها في شرفها… هي المالك الحقيقي والحارس على أرزاق البيت ده كله! وفي يوم هادي، وأنا قاعدة في شقتي الجديدة وسط ولادي التلاتة وأحمد جنبي، أحمد بصلني وقالي بتساؤل:
“المحلات والعمارة بقت ملكك رسمياً يا ندى… ناوية تعملي إيه في العمارة القديمة والمحلات؟ هترجعي هناك وتفتحي الصفحة القديمة تاني ولا ليكي رأي تاني؟” ابتسمت ابتسامة هادية، بصيت لآدم وليان، وقلتله بصوت مليان قوة وثقة: “الرأي اللي هاخده يا أحمد… هيرد الاعتبار لكل مظلوم، وهيكون هو الفصل الأخير في القصة دي كلها…” ابتسمت ابتسامة هادية، وعيني كان فيها بريق قوة وثقة لمستهم في نفسي لأول مرة بعد كل اللي مريت بيه. بصيت لأحمد وقلتله بثبات: