سلفتي اتهمتني في شر.في

“قصدي إن البيت اللي اتهد في لحظة بسبب الشك وعدم الأمان، مش هيرجع يتبنى بحبر على ورق ولا بشقة تتكتب باسمي. أنت يا أحمد أسهل حاجة عندك كانت إنك تصدق فيا السوء، نسيت تمن سنين عشره، نسيت إني أم ولادك وصاينه بيتك وعرضك، وبدل ما تقف تدور على الحقيقة أو حتى تسمعني، كنت أول واحد يضـ,ـربني ويرميني حافية في الشارع ويحرمني من حتة من أحشائي! الشرف لو انغسل باعتراف، فالقلب لما يتكسر من أقرب ماليه… مابيرجعش زي الأول.”

أحمد وشه اصفر، ودموعه نزلت بغزارة، وقرب مني محاول يمسك إيدي لكن أبويا وقف حائل بيني وبينه. أحمد صرخ بقمة عذابه: “حقك عليّا يا ندى! اقطعي من جسمي وسامي، والله العظيم كنت أعمى، الشيطان غماني وشهادة الزـ,ـور بالمصحف حسستني إن الدنيا اتكشفت فوق دماغي! أنا عارف إني أخطأت في حقك خطأ لا يغتفر، بس عشان خاطر آدم وليان… العيال دبلوا في الست شهور دول يا ندى، آدم كل يوم بيصحى يعيط ويدور عليكِ، وليان نسيت ضحكتها! اديني فرصة واحدة بس أثبتلك إني مستعد أشتري رضاكِ بقية عمري!”

حمايا اتدخل وهو بيتمنى لم الشمل وصوته بيترعش من التعب والمرض: “يا بنتي يا ندى… أنا أتحسب عليكِ زي أبورك، وأنا بعترف إني قصّرت ومادورتش بعقل، والبيت ده بيتك، والكل عرف أصلك وطهارتك. عشان خاطر الولاد الصغار اللي ملهمش ذنب، ادي لجوزك فرصة، وشوفيه هيصلح غلطته إزاي.” بصيت لأبويا وإخواتي، أبويا قال بنبرة حكيمة: “حق بنتي ورأسها المرفوعة أخدناهم قدام المنطقة كلها، والكل عرف مين الشريفة ومين الخاينة اللي اتبلت عليها. أما موضوع رجوعها ليك يا أحمد، فده قرار ندى لوحدها… ومفيش ضغط عليها من أي حد.”

أنا مكنتش قادرة أرجع معاه في نفس اليوم، الجرح كان لسه ينزف، ورؤية العمارة والسلالم اللي اترميت منها كانت بتجيبلي كوابيس. قلت بصوت حاسم: “ولادي آدم وليان يرجعوا في حضني فوراً، يعيشوا معايا في بيت أهلي… وأنت يا أحمد، لو فعلاً عايز تتغير وعايز تبدأ معايا من جديد، هتديني وقتي. مش هجعلك الشقة دي، ولا هعيش في بيت العيلة ده تاني أبداً! العمارة دي بالنسبة ليا أصبحت سجن وذكريات سوداء.”

أحمد وافق فوراً ومن غير تردد: “اللي تؤمري بيه هيتعمل يا ندى! بكرة الصبح هكون مأجّرك شقة جديدة بعيد عن العمارة وبعيد عن المنطقة كلها، وهكتبهالك، والولاد معاكِ من اللحظة دي، ومش هطلب منك ترجعيلي رسمياً إلا لما تحسي إنك قادرة تسامحيني.”

فعلاً، في نفس الليلة، آدم وليان رجعوا لحضني. لما دخلوا عليا وجريوا في حضني، حسيت إن روحي ردتلي بعد ست شهور مـ,ـوت. آدم كان ماسك فيا وبيقلي: “ما تمشيش تاني يا بابا… طنط عبير وطند منى كانوا بيزعقوا لنا ولما نسأل عنك كانوا بيقولوا أمكم مش راجعة!”.. الكلام ده كان بيمـ,ـوتني من الجوا، لكن وجودهم في حضني كان البلسم الوحيد لجروحي.

مرت الأيام والشهور، وأحمد كان بيعمل المستحيل عشان يرضيني. أجر شقة جديدة جميلة في مكان هادي، وفرشها من جديد كأنه بيجهز لعريس وعروسة من أول وجديد، وكان بيجي كل يوم يشوف الولاد، يجيلنا بالأكل والطلبات، ويفضل واقف على الباب يعتذر ويترجى، وما يدخلش غير لما أسمحله. في المقابل، العدالة الإلهية كانت بتكمل مجراها في بيت العيلة…

عبير، بعد ما طلقها جوزها ورمى هدومها في الشارع، أهلها برضك ما قبلوا يدخلوها بيتها بسهولة بعد الفـ,ـضيحة والتجارة المشـ,ـبوهة والديون اللي كانت عليها للراجل اللي كان بيجي العمارة. اكتشفوا إنها كانت واخدة منه مبالغ كبيرة عشان تشغّلها في السر وتخبي على جوزها، ولما خشرت التجارة والراجل جا يطالب بفلوسه هدّدها بالفضيحة، واستغلت وجودي عشان تخلص من التهمة. حياتها اتدمرت بالكامل، وبقت منبوذة من أقاربها ومن المنطقة كلها.

أما منى… فكان عقابها من جنس عملها. جوزها منعه يعيش معاها طبيعي، وأخد منها أولادها وعاشوا عند أمه، وفضل سايبها معلقة لا هي مطلقة ولا هي متجوزة، عشان تذوق نفس نار الحرمان من الأبناء اللي جربتهالي. والذنب وحلفة المصحف الزور كانت ملاحقاها، لدرجة إنها جالي بيت أهلي أكتر من مرة وهي بتبكي وتترجاني أسامحها عشان ربنا يرفع عنها العذاب اللي عايشة فيه، لكن قلبي مكنش قادر يسامح واحدة حلفت بكتاب الله زور عشان تدمـ,ـر حياتي.

بعد سنة كاملة من الفراق والاختبار… سنة أحمد أثبت فيها إنه اتغير تماماً، وبقى بيعمل ألف حساب لكل كلمة ولكل خطوة، وبيصون كرامتي قدام كل الناس، وبيضحي بكل حاجة عشان يرجعني… قعدت مع أبويا وأمي، وأبويا قاللي: “يا ندى يا بنتي… أحمد اتعاقب، وتدوق مرارة الظلم والخوف من ضياع بيته. والراجل صانك وسابك تاخدي وقتك ومضغطش عليكِ. الولاد كبروا ومحتاجين أبوهم في حياتهم المستقرة. ربنا بيسامح ويعفو، وإنتِ أخدتي حقك كاملاً مكمل… فكري بعقلك وشوفي هل قادرة تبدأي صفحة جديدة ونظيفة بعيد عن بيت العيلة وفي الشقة الجديدة؟”

سكتت طويلة… وبصيت لآدم وليان وهما بيلعبوا وفرحانين لما أبوهم ب يزورهم. حسيت إن القساوة لو فضلت في قلبي، هبقى بظلم أولادي. اتصلت بأحمد وقلتله ييجي… لما جه وقعد قدامي، كان باين عليه التوتر والخوف كأنه مستني حكم إعدام. قلتله بجدية ووضوح: “أنا مستعدة أرجعلك يا أحمد… ونفتح صفحة جديدة في الشقة الجديدة بعيد عن العمارة وأوهامها. لكن عندي شروط، لو شرط واحد منها اتكسر… هتبقى دي النهاية الحقيقية بيني وبينك بدون أي رجعة.”

أحمد بصل بردموع وفرحة لا توصف وقال بلهفة: “شرطك أوامر يا أم آدم! قولي كل اللي في نفسك، والله لو طلبتِ نجمة من السلع هجيبهالك!” قلتله: “أول شرط…” قلتله بجدية ووضوح، وكل كلمة طالعة من قلبي بثبات:

“أول شرط يا أحمد… إن شقتنا الجديدة دي تكون مملكتي الخاصة، مفيش أي كائن من كان يتدخل في حياتنا أو في تربية أولادنا. لا كلمة تتقال من ورايا، ولا حكم يتفرض عليا. ثانياً، كرامتي وثقتك فيا خط أحمر، لو حسيت في يوم واحد بس بنظرة شك أو عدم احترام من غير ما تسمعني، هلم هدومي وآخد عيالي وأمشي فوراً وبدون رجعة. وثالثاً… عبير ومنى مالهمش أي وجود في حياتنا أو حياة أولادنا نهائياً، حتى لو الصدفة جمعتنا في أي مكان، وجودهم زي عدمه.”

أحمد بصلي ودموعه نازلة من الفرحة، مسك إيدي وبـ,ـاسها بحرارة وقال بصوت يرتجف من التأثر: “والله العظيم يا ندى كل شروطك على راسي من فوق! أنا اتعلمت الدرس، والدرس كان قاسي أوي عليا وعلى عيالي. أنتِ تاج راسي، والثقة اللي اتكسرت أنا مستعد أقضي باقي عمري كله أرمم فيها لحد ما ترتاحي وتتأكدي إن أحمد بقى راجل تاني خالص.”

وبالفعل… نقلنا الشقة الجديدة. كانت شقة واسعة، يدخلها الشمس والخير من كل مكان، بعيدة تماماً عن عمارة العيلة وعن كل الذكريات السوداء اللي عاشت فيها روحي شهور في عذاب. الشقة اتكتبت باسمي رسمياً زي ما أحمد وعد، وبدأنا نأثسها وحدة وحدة بحب وهدوء، وكأننا بنبني حياتنا من جديد من نقطة الصفر. رجوعي لأحمد مكنش مجرد رجوع لزوج، كان بداية مرحلة جديدة بقيت فيها أنثى أقوى، عارفة حقها وكرامتها، ومفيش قوة على الأرض تقدر تكسرها تاني. آدم وليان دخلوا مدارسهم، وضحكتهم رجعت تنور البيت، وأحمد بقى بيحاول بعوضني عن كل لحظة ألم عشتها بعيد عنه.

أما بيت العيلة القديم… فصار شبه مهجور وحزين. حماتي بعد ما خرجت من المستشفى بقت ست مكسورة، كبرت في السن عشر سنين قدام. الشك والظلم اللي حصل في بيتها خرب طعم العيشة فيه. عمارة العيلة اللي كانت مليانة دوشة وستات وطبيخ سوا، بقت فاضية وساكتة كأنها مقبرة للذكريات.

عبير… عاشت في بيت أهلها مطرودة، محاصرة بكلام الناس ونظرات الاتهام. الراجل اللي كانت بتتعامل معاه في السر بدأ يطالبها بأصل المبالغ اللي كانت واخدة منها، ولما أهلها عرفوا بالحقيقة كاملة وبحجم الديون، الفـ,ـضيحة كبرت وجوزها الـسابق رفع عليها قضايا عشان يحمي حقوقه وحقوق أولاده منها، وبقت حياتها عبارة عن محاكم وجلسات ونبذ من المجتمع كله.

أما منى… فكان عذابها أصعب بكثير. الذنب كان بياكل في جسمها ونفسيتها. كل ما تحاول تقرب من عيالها عند حماتها، كانوا بيعاملوها بجفاء، وزوجها فضّل هارب منها ومن التعامل معاها. كانت تبعثلي رسائل وتتوسل لإخواتي عشان أسامحها، وتقول إنها مش عارفة تنام ولا تذوق الطعم للعيشة بسبب اليمين الكاذب اللي حلفته على المصحف. في يوم من الأيام، وبعد مرور حوالي سنة ونصف على انتقالي للشقة الجديدة، وكنت وقتها حامل في طفلي الثالث من أحمد… جالي خبر هز العيلة كلها من جديد.

تليفون رن على أحمد وهو قاعد معايا ومع الأولاد، أول ما رد، وش أحمد اتغير ووقف بذهول وهو بيسمع الكلام، وبعد ما قفل بصلي وقال بصوت واطي: “ندى… منى حصلها حـ,ـادثة صعبة أوي وهي راجعة من المستشفى، وحالتها حَرِجة جداً بين الحياة والمـ,ـوت… وطلبت طلب واحد بس قبل ما تدخل العمليات…” بصيت لأحمد بذهول وقلتله: “طلبت إيه؟” أحمد بلع ريقه وقال: “بتترجاكي تروحي لها… بتقول مش قادرة تقابل ربنا وهي شايلة ذنبك وشهادة الزور!”

سادت حالة من الصمت الرهيب في الصالة. أحمد كان باصصلي ومستني رد فعلي، وعينيه مليانة تساؤلات وخوف من إن الطلب ده يفتح جروح قديمة كنا بنحاول ندمالها. بصيت لآدم وليان وهما بيلعبوا حواليا، وبعدين حطيت إيدي على بطني المليانة بالطفل الجديد اللي جاي ينور حياتنا. قلبي اتعصر من الصراع الداخلي… الجزء الإنساني والتربية اللي اتربيت عليها كانت بتقولي: “دي ست بين إيدين ربنا وممكن تفارق الحياة في أي لحظة”، والجزء المكتوي بالنار كان بيفتكر ليلة الطرد، وحلفة المصحف الزـ,ـور، ودموعي اللي نزلوا في الشارع وأنا حافية ومحرومة من ولادي.

أحمد قرب مني بهدوء، وطبطب على كتفي وقال بصوت حنين: “القرار قرارك يا ندى… محدش يقدر يجبرك على حاجة، ولو مش عايزة تروحي أنا هقدر ده تماماً. منى أذتك أذية كبيرة، واللي عملته كان قاسي وميتغفرش بسهولة.” تنهدت بوجع وقلتله: “أنا مش رايحة عشانها يا أحمد… أنا رايحة عشان ربنا، وعشان أبقى عملت اللي عليا وما يشيلش قلبي غل ولا قسوة وأنا حاطة طفل جديد في أحشائي. الست اللي بين الحياة والمـ,ـوت حسابها مع اللي خلقها، لكن أنا مش هبقى السبب إن حد يمـ,ـوت وهو حاسس إن باب الرحمة اتقفل في وشه.”

أحمد بصلي بنظرة إعظام وإجلال، وكأن الهيبة والكرامة اللي فيا كبروا في عينيه أكتر وأكتر. نزلنا فوراً وأخدني بالسيارة للمستشفى المركزي اللي كانت منى مقيمة فيه في غرفة العناية المركزة.

انت في الصفحة 4 من 7 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
4