منى حطت إيدها على المصحف، وبصوت مبحوح ومتقطع قالت: “وحق كتاب الله ده… الراجل كان طالع لندى وشوفته بعيني أكتر من مرة.” في اللحظة دي، حسيت إن روحي بتتأكل. حلفة المصحف قفلت كل أبواب الأمل. حمايا ضـ,ـرب بعصايته على الأرض وقال بصوت يهز البيت: “خلاص! انتهت! البيت ده لا يمكن يفضل فيه ست خاينة تلوث شرفنا!”
أحمد مسمعش مني ولا كلمة تانية. ضـ,ـربني بظاهر إيده وقعني على الأرض، ولما حاولت أقوم وأتمسك برجله وأنا بترجاه يرحمني ويسمعني، زقني بعنف. أطفالنا آدم وليان بدأوا يعيطوا ويصرخوا من الأوضة لما سمعوا الصويت. حاولت أجري عليهم أضمهم، لكن أحمد وقف قدامي ومنعني، ومسكني من طرحتي وجرني لبره باب الشقة. “إنتِ طالق! طالق بالثلاثة يا ندى! وملمسش عيالك ولا تشوفيهم تاني لحد ما أمـ,ـوت!” قالها وألقى عليا اليمين، وقفل الباب في وشي.
طلعت بره العمارة بالهدوم اللي عليا، حافية في الشارع، والدموع عامية عينيا. الناس في المنطقة كانوا بيبصولي باستغراب وتهامس، وأنا حاسة إني في كابوس ومش قادرة أستوعب إن حياتي اتدمرت في عشر دقايق. مشيت لحد ما وصلت بيت أهلي في حالة هستيرية. أول ما فتحت لي أمي الباب وشافتني بالمنظر ده، اتخضت وصرخت: “ندى! مالك يا بنتي؟ في إيه؟” ترمت في حضنها وأنا بنهنه ومش قادرة آخد نفسي: “ظلموني يا أمي… رموني في الشارع واتهموني في شرفي وحرموني من آدم وليان!”
أبويا وإخواتي الرجالة اتجمعوا، ولما عرفوا باللي حصل، الشارع كله كان هيولع. أخويا الكبير قالي: “إحنا هنروح نهد البيت على دماغهم!” لكن أبويا وقفه وقال بحكمة وألم: “لا.. الأعراض مش بتتاخد بالدراع، لو دخلنا في ضـ,ـرب ودـ,ـم التهمة هتلبسها بجد. إحنا هنروح نكلمهم بالقانون والعقل.” لكن لما أبويا راح يقابل حمايا وأحمد، أحمد رفض يقابله، وحمايا قال لأبويا من على الباب: “بنتك ملهاش أكل عيش عندنا، ويا ريت تاخدوها وتستروا عليها بعيد عن منطقة تجارتنا، والعيال هيتربوا مع أبوهم وأمتهم.”
مرت الأيام، وتحولت أيامي لليل طويييييل مالوش نهاية. كنت بقضي الليالي بكي على ولادي. آدم عنده خمس سنين وليان ثلاث سنين، كانوا محتاجينلي، وكنت كل ليلة بتخيلهم بيعيطوا عايزين ينقادوا في حضني. صورة أحمد وهو بيطلقني ويبصلي بقرف كانت بتاكل في قلبي. والسؤال اللي كان هيجنني: ليه عبير عملت كده؟ وليه منى شهدت زور وحلفت على المصحف؟ بعد مرور ست شهور كاملة على الطلاق والحرمان.. شهور كنت بضيع فيها نفسياً وجسدياً، وخسرت اكتر من نص وزني.. بدأت الخيوط تترابط والعدالة الإلهية تتحرك في الخفاء.
في يوم من الأيام، تعبت حماتي جداً ونقلوها المستشفى بسبب أزمة قلبية مفاجئة. البيت هناك اتلخبط، وأحمد وإخوته كانوا مرابطين في المستشفى. وفي وسط الظروف دي، حصلت المفاجأة اللي محدش كان يتوقعها. منى، اللي كانت عايشة طول الست شهور دول في عذاب نفس وجحيم من كوابيس الذنب، بدأت تنهار. كل ما كانت تبص لعيالي آدم وليان وهما بيبكوا ويدوروا عليا، كان ضميرها بيقطع فيها. وحلفة المصحف الزور كانت ملاحقاها في نومها وصحوها.
في ليلة من الليالي، وحماتي في العناية المركزة، عبير ومنى كانوا قاعدين في شقة حماتي بالدور الأرضي عشان يجهزوا أكل للرجالة في المستشفى. منى كانت واقفة بتمـ,ـوت من الرعب والندم، وفجأة انفجرت في وش عبير وقالت بصوت واطي لكنه مليان غضب: “أنا مش قادرة أكمل يا عبير! أنا بمـ,ـوت كل يوم ألف مرة! حلفة المصحف دي هتدخلني جهنم! ندى مظلومة وعيالها بيتردوا في الشارع وأنا السبب!” عبير بصتلها ببرود وقالت بشراسة:
“وطي صوتك يا مجنونة! إنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ لو فتحتي بقك بحرف واحد، أنتي عارفة أنا هعمل إيه! هقول لجوزك عن سرك القديم واللي خبيتيه عنه، وساعتها يرميكي زي ما أحمد رمى ندى!” منى صرخت بانهيار: “طز فيا وفي أي سر! أنا بقيت بشوف شياطين في نومي بسببك! الراجل ده كان جاي لك إنتِ! كان جايب لك الفلوس اللي إنتِ مديناها له في السر عشان تجارته الخسرانة من ورا جوزك! إنتِ اللي استغلتي إن ندى واقفة، ورميتي التهمة عليها عشان تحمي نفسك من جوزك ومن حمايا!”
مكانتش عبير ولا منى عارفين إن الباب المفتوح بتاع الشقة.. كان واقف وراه أحمد! أحمد كان راجع من المستشفى يجيب أوراق ومستندات لحمايا، وسمع المحادثة كلها من بدايتها لنهايتها! دخل أحمد الشقة زي المجنون، ووشه أحمر زي الدم، وعينيه جاحظة من الهول. مسك عبير من رقبتها وضغط عليها وهو بيصرخ بصوت زلزل العمارة كلها: “بتقولي إيه يا زبالة؟! الراجل كان جاي لك إنتِ؟!” عبير اتسمرت مكانها والدم اتجمد في عروقها، ومنى وقعت على الأرض بتعيط وب تصرخ:
“سامحني يا أحمد! سامحني يا رب! عبير هددتني تفضحني بسرك القديم مع أهلي لو متكلمتش، وقالتلي اشهدي معيا ونخلص من ندى عشان كانت دايماً كاشفة أعيب عبير! ندى مظلومة وشريفة، والراجل كان طالع لعبير هي!” أحمد ساب عبير وقعت على الأرض تغرغرت، ومسك منى من شعرها وهو بيصرخ: “حلفتي على المصحف كدب يا جزمة؟! دمرتوا بيتي وحرمتوني من مراتي الشريفة وغرقتوني في الظلم ده كله؟!”
الصوت ورا العمارة، إخوات أحمد الباقيين نزلوا جري على الصوت، والصدمة كانت لما سمعوا منى وهي بتعترف بكل حاجة وتعيط بانهيار وتترجاهم يسامحوها، وعبير ممدودة على الأرض مش قادرة تنكر بعد ما منى كشفت كل التفاصيل والرسائل والفلوس اللي كانت بين عبير وبين الراجل ده اللي كان شريكها في سر من ورا العيلة! في لحظة واحدة، الحقيقة اللي استبت ست شهور تحت الركام اتكشفت بالكامل. كدبة عبير وشهادة الزور بتاعة منى انهاروا.
أحمد خرج من العمارة زي المطبوع، يجري في الشارع زي المجنون وهو بيصرخ وبيضـ,ـرب على راسه، وجاي على بيت أهلي في نص الليل.. سمعنا خبط هستيري على الباب… فتحت أمي الباب، ولقينا أحمد واقف قدامنا، هدومه مبهدلة، ووشه شاحب زي الأموات، وعينيه مليانة دموع وندم مش طبيعي. أول ما شاف أبويا، وقع على ركبه قدام الباب وهو بيصرخ بصوت مكسور: “سامحني يا عمي… سامحيني يا ندى! أنا أظلم بني آدمة على وش الأرض… الحقيقة بانت، والظلم اللي اتبنى عليه خراب بيتي اتهد النهاردة!”
وقفنا كلنا مصدومين. أبويا زقه برجله بعيد عنه وقال بقسوة: “جايلنا بعد ست شهور يا أحمد؟ بعد ما رميت بنتنا وحرمتها من عيالها ونهشت في شـ,ـرفها قدام المنطقة كلها؟ طالع تقول إيه دلوقتي؟” أحمد فضّل يبكي زي الأطفال، وحكى لأبويا وإخواتي وليا على كل اللي حصل في الدور الأرضي بين عبير ومنى، وكيف سمع اعتراف منى بنفسه، وكيف كشفت عبير وإن الراجل كان طالع لشقتها هي عشان تجارة وسلفيات من ورا جوزها، واستغلت إن ندى واقفة مستنية عشان تلبسها التهمة وتبعد الشبهات عن نفسها، وهددت منى بسيم قديم عشان تشهد زور وتحلف على المصحف.
كنت واقفة أسمع الكلام وجسمي كله بيترعش. الدموع كانت بتنزل من عينيا بس مش دموع حزن… كانت مزيج من الفرحة إن ربنا ظهر حق وشـ,ـرفي قدام الدنيا كلها، ومن الوجع اللي عشته طوال الست شهور دول. أحمد قرب مني يحاول يمسك إيدي وقال وهو بينتحب: “ردي عليا يا ندى… ارجعي معايا يا أم آدم وليان، البيت فضي عليا وعيالك بيمـ,ـوتوا كل يوم من غيرك، أنا اضحك عليا، المصحف اتقال عليه زور، مين كان يصدق إن حد يحلف كدب على كتاب الله؟ سامحيني وأنا مستعد أعملك أي حاجة تطلبيها، هبوس راسك ورجل أهلك قدام المنطقة كلها!”
أبويا مسكه من ياقت وقومه بقوة وقال بصوت حاسم: “شرف بنتي ورجوعها مش بالبساطة دي يا أحمد! بنتي خرجت من بيتك متهمة ومطرودة وحافية، مش هترجع كده بسهولة لمجرد إنك عرفت الحقيقة. حق بنتي الأدبي والأنثوي لازم يتاخد قدام العيلة كلها والمنطقة كلها، وإحنا لينا كلام تاني خالص مع عيلتك كبار وصغار!”
ثاني يوم الصبح، كانت المنطقة كلها بتتكلم عن اللي حصل. حمايا لما عرف الحقيقة من أحمد ومنى، جاتله صدمة ونقلناه المستشفى جنب حماتي، وعائلتهم بقت في جحيم لا يطاق. جوز عبير طردها بنفس اليوم وطلقها وردلها كل حاجتها ورمى هدومها في الشارع بعد ما انكشفت ألاعيبها وفلوسها المشبوهة، وجوز منى هدد بالطلاق ومسكها ضـ,ـرب لما عرف إنها حلفت زور وشاركت في خراب بيتي. حمايا، بعد ما فاق من صدمته، طلب من أبويا وإخواتي إن العيلتين يتجمعوا في بيت العيلة الكبير، وقدم اعتذار رسمي قدام كبار المنطقة والعيلة كلها.
جمعوا الكبار كلهم في الصالة الكبيرة اللي اترميت فيها في الشارع من ست شهور. دخلت أنا وأبويا وإخواتي مرفوعين الراس. حمايا وقف وهو تعبان ومسك إيد أبويا وقال بصوت كل الناس سمعته: “يا أبو ندى… ندى بنتنا الشريفة العفيفة، إحنا ظلمناها وأجرمنا في حقها، والنهاردة قدام الكل بنعترف بذنبنا وبنطلب منها ومنكم المسامحة، وحقها فوق راسي وعلى رقبتنا كلنا.” أحمد جاب المصحف اللي اتحلف عليه زور، وحطه قدام الكل وقال:
“أنا طالبت ندى ترجعلي، والنهاردة قدام العيلة كلها، شقتها هتتكتب باسمها، ومفيش واحدة من سلفتها هتعتب عتبة العمارة دي تاني، وعبير ومنى برا البيت ده للابد. بس اديني فرصة تانية أصلح اللي اتكسر يا ندى.” كل العيون اتوجهت ناحيتي… أبويا بصل بصة معناها “القرار قرارك إنتِ يا بنتي”. وقفت قدام أحمد والعيلة كلها، وقلت بصوت هادي وثابت بعد طول عذاب: “شرفي وكرامتي رجعوا بفضل ربنا، وده أهم حاجة عندي… لكن الجرح اللي في قلبي، وصوتك وأنت بتطردني وترميني في الشارع وبتحرمني من آدم وليان… مش كلمة اعتذار ولا شقة هي اللي هتمحيه بسهولة.”
أحمد بصلني بلهفة وخوف وقال: “قصصدك إيه يا ندى؟” قلتله: “قصدي إن…” وقفت بصتي ثابته في عيون أحمد، والهدوء اللي كان في صوتي كان يرعب أكتر من أي صراخ أو زعيق. قلتله بصوت مليان وجع سنين: