اترددنا ثواني… وبعدين هزينا راسنا بالإيجاب. قالت بعصبية: “طالما شفتوه… يبقى أكيد عارفين خرج من عند مين.” سكتنا. مكنتش قادرة أنطق. أنا عرفت إنه خرج من شقة عبير، لكن في نفس الوقت كنت بقول لنفسي: يمكن يكون قريبها… يمكن أخوها… يمكن حد جاي في موضوع مهم. مين أنا عشان أفضحها من غير ما أعرف الحقيقة؟ منى كانت واقفة مطأطية راسها، واضح إنها بتفكر نفس التفكير. حماتي بدأت تشك أكتر. وقالت وهي بتحط أكياس السوق على الترابيزة:
“سكوتكم ده مش مريحني.” حاولت أغير الموضوع وقلت: “يلا يا ماما… خلينا نجهز الغدا قبل الرجالة ما ترجع.” لكنها فضلت سرحانة، وكل شوية تبص علينا. قضينا اليوم كله بنطبخ، لكن ولا واحدة فينا كانت عارفة تركز. أما عبير… فنزلت بعد شوية كأن مفيش أي حاجة حصلت. سلمت علينا، وقعدت تساعد في الطبخ، ووشها هادي جدًا. بصيتلها أكتر من مرة. كنت مستنية أشوف عليها أي ارتباك… أي خوف… أي نظرة. لكن كانت بتتصرف بمنتهى الطبيعية. لدرجة إني بدأت أشك في نفسي، وأقول يمكن الراجل فعلًا يبقى قريبها، وأنا كبرت الموضوع في دماغي.
قبل المغرب بشوية، بدأنا نحضر السفرة. وفي الوقت ده، دخل حميا، وراه أحمد وإخوته، وكلهم رجعوا من الشغل. أول ما قعدوا، حماتي قالت: “استنوا… قبل ما حد ياكل، في حاجة لازم تعرفوها.” أول ما حماتي قالت: “استنوا… قبل ما حد ياكل، في حاجة لازم تعرفوها.” الكل سكت، حتى صوت الملاعق اختفى. حمايا بصلها باستغراب وقال: “خير يا أم أحمد؟ حصل إيه؟” قالت وهي لسه متوترة: “النهارده وأنا راجعة من السوق، لقيت راجل غريب خارج من العمارة. وقفته وسألته: إنت مين؟ ونازل منين؟ لكنه مردش عليا، وجري واختفى.”
بص حمايا لأولاده وقال: “راجل غريب دخل بيتنا؟!” حكايات_ندى_الجمل ردت حماتي: “الأغرب من كده… إني لما دخلت العمارة لقيت ندى ومنى نازلين على السلم، ولما سألتهم الراجل ده كان عند مين… الاتنين سكتوا.” كل العيون اتوجهت ناحيتي أنا ومنى. أحمد سألني باستغراب: “ليه سكتي يا ندى؟” قلت بهدوء: “لأننا منعرفهوش… ومحبناش نظلم حد أو نتكلم من غير ما نبقى متأكدين.” لسه هكمل كلامي… وفجأة عبير قالت: “أنا هتكلم.” الكل بص لها. قالت وهي عاملة نفسها مترددة:
“والله يا جماعة أنا كنت ناوية أفضل ساكتة، وقلت ربنا حليم ستار، ومينفعش أتكلم في أعراض الناس.” حماتي قالت بعصبية: “قولي اللي عندك يا عبير.” تنهدت وقالت: “الراجل ده مش أول مرة ييجي.” حسيت قلبي وقع. وكملت وهي بتبصلي: “أنا شوفته أكتر من مرة وهو طالع عند ندى… وأنا ومنى كنا بنشوفه، لكن عمرنا ما اتكلمنا، وقلنا يمكن يكون في حاجة إحنا منعرفهاش، وربنا أمرنا بالستر.” قمت من مكاني وأنا بصرخ: “إنتِ بتكدبي… والله العظيم بتكدبي.”
قالت بمنتهى البرود: “لو أنا بكذب… اسألوا منى.” لفت العيلة كلها ناحية منى. منى كان وشها أصفر، وإيديها بتترعش، وعينيها في الأرض. حمايا قال بصوت حازم: “اتقي الله يا بنتي… اللي عبير بتقوله صح ولا كذب؟” فضلت منى ساكتة كام ثانية… وبعدين رفعت راسها وقالت: “أيوه… أنا شفته قبل كده.” صرخت وأنا ببصلها: “إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ كنتي واقفة جنبي النهارده وشوفتي الراجل خارج من شقة عبير… إزاي تعملي فيا كده؟!” وقبل ما منى ترد…
عبير قالت بسرعة:………… وقبل ما منى ترد… عبير قالت بسرعة بصوت عالٍ وهي بتعيط بمكر: “شايفين؟ بتحاول ترمي بلاها عليا عشان تطلع نفسها بريئة! أنا يا ندى؟ أنا اللي عايشة في البيت ده طول عمري بالعدل والأخلاق ترمي تهمة زي دي عليا؟ لو أنا كدابة، منى هتكدب ليه؟ وهي مالها ومالك عشان تبلى عليكي؟” البيت اتقلب في ثواني لبركان. منى رفعت عينيها بالعافية وقالت بصوت مكسور وبتترعش:
“أنا… أنا مش بتبلى على حد، أنا خايفة من ربنا، والشهادة لله… أنا شفت الراجل أكتر من مرة طالع شقة ندى، والنهاردة عبير ملهاش ذنب، الراجل كان نازل من الدور اللي فوق، من عند ندى!” الكلام نزل عليا زي الصاعقة. حست بدوخة شديدة والحيطان بدأت تلف بيا. بصيت لأحمد جوزي، كنت مستنية منه يصرخ فيهم، يدافع عني، يقولهم مراتي شريفة وأنا عارفها كويس.. لكن الصدمة الحقيقية كانت في نظرته. أحمد كان باصصلي بنظرة خـ,ـيانة وقـ,ـرف، عينيه كانت مليانة غضب أعمى.
قرب مني بخطوات سريعة، مسكني من دراعي بقوة وجرني لوجه الصالة وهو بيصرخ: “أنا المخدوع؟ كل ده بيحصل في بيتي ومن ورايا؟ تبيعيني وتبيعي شرفي يا ندى؟” صرخت بأعلى صوتي ودموعي نازلة مغرقة وشي: “والله العظيم كدابين! يا أحمد اسمعني وحياة ولادنا آدم وليان أنا مظلومة! عبير بتنتقم مني ومنى خايفة منها أو متفقة معاها! الراجل خرج من شقة عبير، أنا شفته بعيني، ومكانتش واخدة بالها إني واقفة مستنية منى!” عبير دخلت في النص وقالت بتمثيل وإتقان:
“يا أحمد اتقِ الله في نفسك وماتصدقهاش، هي عايزة تخرب بيتي وتغطّي على عملتها! لو عايز تتيقن اكتر خلي منى تحلف على المصحف، المصحف أهو قدامنا!” مسكت عبير المصحف اللي كان محطوط على الرف وقدمته لمنى. إيد منى كانت بتترعش بشكل مش طبيعي، ووشها بقى زي الجـ,ـثة، لكن عبير بصتلها نظرة تحذير حادة ومختفية عن عيون الباقيين.. نظرة كان فيها تهديد صريح بفضيحة أو سر كبير.