كنت عارفه ان جوزى متجوز عليه

البطاقه جوه وانا معايا كل اوراقى يلا نخلص الموضوع ده دلوقتي ونطلق.
حامد وقف مذهول، وبص لي بعدم استيعاب: «تخلصي إيه؟».
رديت عليه بكلمة واحدة هزت الأرض من تحتنا: «الطلاق».
ضحك بسخرية وهو بيحاول يداري ارتباكه: «طلاق؟ عشان نسيت محفظتي؟ أنتِ فاكرة نفسك فين؟ أنا مراتي مستنياني، وابني اللي في بطنها أولى بوقتي».
قربت خطوة منه، وقلت له بصوت واثق: «الطلاق ده عشان اللي حصل النهاردة، وعشان الخمس سنين اللي قضيتهم مع راجل مش بيشوف غير نفسه. المأذون أهو، قدامك خيارين..

يا إما تطلقني دلوقتي وننهي المهزلة دي، يا إما هفضحك وأقول لكل الناس معاملتك لمراتك الأولى اللي شالتك في عز ضيقك».
حامد حس إن الموضوع جاد، وبص لي بنظرة قرف وقال: «تمام.. أنتِ اللي اخترتي. أنا أصلاً زهقت من نكدك ومسكنتك».
دخلنا للمأذون، والقعدة كانت باردة زي التلج. حامد كان قاعد وحاطط رجل على رجل، ومستعجل المأذون وهو بيبص في ساعته كل شوية، كأنه خايف يتأخر على مراته التانيه
المأذون بصلنا، وبصوت هادي قال: «أنت طالق يا عائشة».
في اللحظة دي، حسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح.

حامد قام وقف قوام، خد محفظته اللي كان المأذون لاقيها، وبص لي نظرة أخيرة خالية من أي ندم أو أسف، وقال ببرود: «أهو كل حاجة خلصت.. مع السلامة».
سابني وخرج يجري في الشارع عشان يلحق يروح لمراته، وأنا وقفت مكاني، أخدت نفس طويل عميق ، وبصيت لورقة طلاقي وأنا بقول لنفسي: «النهاردة بس.. أنا بدأت أعيش».
خرجت من عند المأذون والورقة في إيدي، رجلي كانت شايلاني بالعافية بس راسي كانت في السماء. أول ما وصلت الشقة، قفلت الباب ورايا بالمفتاح والترباس، وسندت ضهري عليه وأنا باخد نفسي اللي كان محبوس بقاله خمس سنين.
بصيت حوليا..

الشقة اللي كانت في يوم من الأيام حلمنا، بقت بالنسبة لي مجرد جدران مالهاش روح. مكنش فيه وقت للدموع ولا للحزن، النبض اللي جوايا كان نبض حد عايز ينظف حياته من أي قذارة سببت له الوجع.
دخلت أوضة النوم، فتحت دولابه وطلعت الشنط الكبيرة اللي عندنا. وبقيت ألم في هدومه.. قمصانه، بدله، لبسه البيت، كل حاجة تخص حامد رمتها في الشنط بمنتهى العصبية والغل، مسبتلهوش حتى فرشة سنانه ولا قلامه. كنت برمي حاجته وأنا بفتكر منظره وهو بيقشر لها الجمبري، وهو شايلها، وهو بيمسح لها صوابعها..

كل قطرة عرق صبتها في البيت ده وهو مش مقدرها، كنت بطلعها وأنا بقفل سوست الشنط بقوة لدرجة إن إيدي وجعتني.
لما خلصت، بقوا ثلاث شنط كبار محطوطين في الصالة. مسكت موبايلي وفتحت أبلكيشن أوبر، وطلبت عربية، وكتبت عنوان شقتها الجديدة اللي كان واخدها فيها.
أول ما السواق وصل ورن عليا، نزلت الشنط مع بواب العمارة وخليته يحطهم في شنطة العربية، وأديت للبواب حساب السواق وزيادة، وقولت له: «قول للسواق يسلم الشنط دي لأستاذ حامد على العنوان ده، ومينزلش من العربية غير لما يتأكد إن حامد بنفسه استلمهم».

طلعت شقتي تاني، وقفت في البلكونة أراقب العربية وهي بتبعد وتختفي عن عيني، ومعاها اختفت كل حاجة كانت بربطني بالبني آدم ده.
دخلت الصالة وقعدت على الكنبة.. الكنبة اللي مكنش بيقعد معايا عليها ويقضي وقته كله ماسك الموبايل بيكلمها. بصيت حواليا في الهدوء اللي مالي المكان، الهدوء اللي كنت بخاف منه زمان وبحسه وحدة وقهر، النهاردة حسيته راحة وسكينة.
حطيت رجلي على الكنبة وفردت ضهري لورا، وغمضت عيني وأنا ببتسم وبقول لنفسي: «الشقة دي شقتي، بأيامي وصبري وشقايا فيها.. وهو خلّيه يشبع بالبطل بتاعه وبدلع مراته، أما أنا فـ قعدت هنا ملكة، بكرامتي اللي دُست على قلبي عشان أحميها».

بصيت لصالون البيت، ولغرفة النوم، وللمطبخ اللي وقفت فيه سنين.. كل ركن هنا بقى بيفكرني بخيبتي وصبري على راجل ميسواش. فجأة حسيت إن جدران الشقة دي بتخنقني، وإن قعدتي هنا مش نصر، دي سجن بيفكرني بكل دمعة نزلت مني وكل قهرة عشتها. أنا مش عايزة أي حاجة تربطني بماضيه، ولا حتى عفش البيت اللي نقيته قطعة قطعة معاه وشقيت عشان نعمله.
طلعت موبايلي وطلبت رقم صاحب الشقة، «عم جلال».. الراجل الطيب اللي كان دايماً بيعاملنا زي أولاده.
أول ما رد، قولت له بصوت هادي وفيه نبرة حسم غريبة عليا: «مساء الخير يا عم جلال..

أنا بكلمك عشان أقولك إني هسلمك الشقة اول ما افضيها . أنا وحامد اتطلقنا النهاردة رسمي، وأنا هسيب المكان خالص».
سمعت صوته مذهول ومش مصدق: «يا بنتي استهدي بالله! طلاق إيه وعشرة خمس سنين فين؟ ده أنتوا كنتوا مثال للأدب والهدوء في العمارة!»
رديت عليه بابتسامة باهتة: «كل شيء قسمة ونصيب يا عم جلال، والحمد لله قدر الله وما شاء فعل.. أنا بس حبيت أعرفك عشان ترتب أمورك وتيجي تستلم مفتاحك أول ما أفضيها».
الراجل دعلنا بالخير وتحسر على العشرة، وقفلت معاه وأنا حاسة بوزن جبل بيترمي من على كتافي.

الخطوة التانية كانت العفش. العفش ده من حقي شرعاً وقانوناً، وأنا اللي تعبت فيه، بس أنا مكنتش عايزة منه قشاية واحدة تفكرني بيه في حياتي الجديدة. مش هقعد على سرير نمت عليه ودموعي على خدي، ولا هقعد على كنبة كان بيتجاهلني وهو قاعد عليها.
مسكت التليفون وكلمت تاجر موبيليا مستعملة من اللي بيشتروا شقق كاملة، وقولت له ييجي يعاين الشقة تاني يوم الصبح عشان يشيل كل حاجة.. من السرير للستائر للغسالة، وحتى المعالق. قررت أبيع كل حاجة بتراب الفلوس، المهم ما يفضلش أثر لأي ذكرى تجمعني بيه. هسيب الشقة حيطان فاضية زي ما دخلتها أول يوم جواز.

بعد ما قفلت مع التاجر، مسكت الموبايل وإيدي بتترعش شوية. جه الدور على أصعب وأهم خطوة.. أهلي.
أهلي اللي كانوا دايماً شايلين همي، وبيسألوني بنبرة خوف عن حملي ونظرات الناس ليا وعن صبري. طلبت رقم أمي، وأول ما سمعت صوتها الدافئ وهي بتقول: «أيوة يا عائشة يا بنتي، عاملة إيه؟ صوتك ماله؟»
دموعي اللي حبستها وقاومت عشان مابينهاش، نزلت غصب عني.. صبري انهار وبكيت بحرقة زي الطفلة الصغيرة اللي كانت تايهة ورجعت لح.ضن أمها.
أمي اتخضت وصوتها اترعش من الخوف: «مالك يا عائشة؟ فيكِ إيه يا بنتي؟

حامد حصله حاجة؟»
شهقت وسط دموعي وقولت لها بنبرة مكسورة بس طالعة من وسط النار: «أنا اطلقت يا أمي.. اطلقت وباعني في ثانية عند المأذون عشان مراته الجديدة وحملها.. ك.سر بخاطري قدام أخته ومراته البجاحة، وهان عشرة خمس سنين ورماني كأني هوا».
حكيت لها كل اللي حصل بالتفصيل، من أول قعدة السمك والجمبري ودلعه المق.ف ليها قدامي، لقلعه جزمته تحت رجليها، لكلام مراته السمّ ومطالبتها ليا بالطلاق، لحد ما جالي وروحنا للمأذون وخلصنا كل حاجة.
أمي كانت بتسمعني وصوت شهقاتها ودعاها عليه وعلى اللي ظلمتني مالي التليفون.

وفجأة، لقيت أبويا سحب منها الموبايل، وبصوت فيه هيبة الأب وحنيته اللي بتداوي أي جرح في الدنيا، قال لي:
> «ما تبكيش يا عائشة.. ارفعي راسك يا بنتي، أنتِ مِش معيوبة ولا قصرتي في حق بيتك وعشرتك. الراجل اللي يبيع مراته وصبرها عشان حتة عيل، ده ما يتزعلش عليه ثانية واحدة، ده يتض.رب له تعظيم سلام إنه غار برة حياتك ونضفهالك. بيتك ومطرحك مفتوحين لك يا حبيبتي، لمي حاجتك وتعالي لح.ضن أبوكي، والقرش اللي هييجي من بيع العفش خليه معاكي لزمنك.. إحنا ضهرك وسندك ليوم الدين».
>
كلام أبويا كان زي الماية الباردة اللي نزلت على قلبي المحروق.

قفلت معاه وأنا حاسة إن الدنيا لسه فيها أمان، وإن الك.سرة اللي عشتها النهاردة هي مجرد نهاية لقصة فاشلة وبداية لصفحة جديدة هبنيها بنفسي وبشروطي أنا، ومن غير ما اسمح لمخلوق يك.سر بخاطري تاني. عدت الليلة دي كأنها سنة كاملة.. منمتش فيها غير ساعات قليلة، كنت بقوم من النوم مخنوقة وأبص حواليا، أفتكر إن خلاص، مفيش حامد، ومفيش خمس سنين، ومفيش بكا من النهاردة. صحيت الصبح وأنا حاسة بنشاط غريب، نشاط حد بيبدأ معركة جديدة بس المرة دي المعركة مع نفسه عشان يقف على رجله.

على الساعة عشرة الصبح، الباب خبط. فتحت لقيت تاجر الموبيليا المستعملة ومعاه تلات عمال بجسام قوية وشكلهم شقيان. التاجر دخل وبص حواليا بنظرة فاحصة، وبدأ يتنقل بين الأوض ويعاين الخشب والأجهزة وهو بيحسب في سره.
التفت لي وقال بنبرة تجارية: «بصي يا ست هانم.. العفش نضيف ومستعمل خفيف، بس السوق نايم والأسعار مريحة.. أنا هخلص معاكي في الشقة دي كلها بـ [مبلغ]، وعليا أنا تكلفت النقل والعمال والنزول».
المبلغ كان أقل بكتير من قيمته الحقيقية، وكان زماني هقف وأفاصل وأحزن على شقا عمري، بس النهاردة الأمر اختلف. بصيت له وقولت بمنتهى البرود: «مش هنختلف يا أسطى..

المهم عندي الشقة دي تفضي من كل مسمار فيها قبل العصر. مش عايزة أشوف قطعة خشب واحدة هنا».
الراجل فرح بالبيعة السهلة، وإشارة واحدة منه خلّت العمال يبدأوا زي الخلية. بدأت الأصوات تعلى في الشقة؛ صوت فك المسامير، وض.ربات الشاكوش، وجرجرة الخشب على البلاط.
كنت واقفة في البلكونة ساندة ضهري وبراقب المنظر. شفت غسالتنا وهي بتتشال، شفت الكنبة اللي قعدت عليها سنين مستنياه ومقصرتش في حقه وهي بتخرج من الباب.. شفت السرير اللي شهد دموعي في أنصاص الليالي وهو بيتفكك لقطع خشب مالهاش معنى.
كل قطعة كانت بتخرج من الشقة، كانت بتاخد معاها ذكرى وجع من قلبي.

البيت اللي كان مليان دوشة وتفاصيل، بدأ يفضى وتظهر حيطانه السادة.. الحيطان اللي بان عليها علامات البراويز والصور اللي كانت معلقة وشيلتها بإيدي ورميتها.
على الساعة تلاتة العصر، الشقة بقت عبارة عن صالة فاضية واسعة، وصوت صدى الصوت بيرن فيها مع كل خطوة خطيتها. التاجر سلمني الفلوس كاش، حطيتهم في شنطة إيدي وقفلت عليها بقوة.. الفلوس دي هتكون البداية الجديدة اللي هسند بيها نفسي.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
16