كل ده وأنا قاعدة في الصالة، سامعة وشايفة كل حاجة.. بصيت لمراته الجديدة لقيتها قاعدة بتعدل في لبسها وبتبتسم بسخرية وهي سامعة جوزي بيدافع عنها بالطريقة دي ويهين عشرتي قدام أخته. في اللحظة دي بالذات، حسيت إن كل حاجة جوايا اتهدت، وإن الخمس سنين اللي قضيتهم معاه كانوا وهم كبير أنا لوحدي اللي عشته وصبرت عليه.
لقيتها بصت لي وعلت حاجبها وبمنتهى البجاحة والسم قالت لي: «أنتِ ليه ماعندكيش كرامة وتطلقي؟ ليه فارضة نفسك عليه؟ أنا لو مكانك كنت سبت القاعدة ومشيت من زمان! أنا عايزة أقولك إن ده جزء صغير أوي من اللي بيعملهولي وإحنا لوحدنا..
ولو مطلقتيش ومشيتي، هخليه يخليكي خدامة عندي تخدميني وتخدمي ابني».
كلامها كان زي السّم اللي بيجري في عروقي، وكنت ببص لها وأنا مش مصدقة كمية الغل والافتراء اللي فيها، وهي قاعدة حاطة رجل على رجل وبتبص لي بانتصار وقرف.
قبل ما أرد عليها، لقيت حامد داخل من المطبخ وهو شايل كوباية العصير في إيده والابتسامة مالية وشه أول ما شافها، وبمجرد ما خطى خطوة في الصالة، راحت هي متمسكنة في ثانية، وحطت إيدها على رجليها وصوتها اتغير وبقى كله دلع ومسكنة وقالت: «آه.. رجلي بتوجعني أوي من الجزمة يا حمودي.. مش قادرة أستحمل خالص».
حامد ساب كوباية العصير من إيده بسرعة على التربيزة، وجرى عليها بلهفة ووشه اتخ.طف وقالها: «سلامة رجلك يا قلب حمودي! ولا يهمك يا حبيبتي».
وفعلاً، من غير ما يتردد لحظة، نزل على الأرض و قعد تحت رجليها، وبقى يفك رباط الجزمة بالراحة ويقلعهالها وهي بتبص لي من فوق كتافه بضحكة خبيثة كلها شماتة، وهو ماسك رجليها يمسد عليها ويسألها: «كده ارتحتي يا روحي؟ حاسة بأي وجع تاني؟» وأنا واقفة بتفرج على جوزي، اللي كان في يوم من الأيام سندي، وهو بيعمل كل ده لغيري وقدام عيني ولا كأني عايشة معاهم على كوكب واحد.
نزلت رجليها من على الكنبة بالراحة وهي بتتمدد بدلع، وبصت له وعينيها بتلمع بخبث وقالت: «تسلم لي يا حمودي، طول ما أنت جمبي أنا مش حاسة بأي وجع.. بس قولي، هو إحنا هنطول هنا؟ أنا حاسة إني عايزة أروح شقتنا عشان أرتاح على سريري».
حامد مفيش ثانية وكان واقف على حيله، وبأطراف صوابعه مسح على شعرها وقال بلهفة: «من عينيا يا قلب حامد، ثواني وأكون جاهز ونمشي قوام». التفت ناحية المطبخ ونده بصوت عالي وجاف: «يا أسماء! هاتي شنطة مراتي من جوة عشان ماشيين».
أسماء طلعت من المطبخ ووشها جايب ألوان، بصت لي بنظرة كلها قهر وقلة حيلة، وبعدين بصت لأخوها وقالت بلوم مكتوم: «ما لسه بدري يا حامد! أنت لحقت قعدت؟ وبعدين سيب عائشة تقعد معايا شوية لو عايز تمشي».
حامد رد وهو بيلبس جاكت بدلو من غير ما يبص لي حتى: «لا معلش يا أسماء، الوقت اتأخر ومراتي تعبانة وماتقدرش على القعدة دي، وأنا مقدرش أسيبها لوحدها في شقتها وهي في الحالة دي». والتفت لي لأول مرة من ساعة ما دخل، وبنبرة باردة وخالية من أي مشاعر قال:
«أنتِ يا عائشة، لو عايزة تفضلي مع أسماء فضلي، ولو عايزة تروحي، أهو تاكسي يوصلك لحد البيت.. أنا هاخد مراتي وأروح».
الكلام طلع منه زي الطلقة اللي صابت اللي باقي من كرامتي. بصيت له ولقيت نفسي مش قادرة أنطق، دموعي اللي حبستها طول القعدة خانتني ونزلت على خدي سخنة بيكويني. مراته الجديدة في اللحظة دي قامت وقفلت سوستة جاكتها، وبصت لي من فوق لتحت بابتسامة نصر، ومسكت في دراعه بملء إيدها وسندت راسها على كتفه وكأنها بتمضي على وثيقة تملّك ليه قدام عيني.
أسماء اخت جوزي لقت الموقف كده، راحت جاية عليا وأخدتني في ح.ضنها وهي بتعيط وصوتها مخنوق:
«حقك عليا يا حبيبتي، ماتزعليش.. اتقي الله يا حامد اتقي الله الست ملهاش ذنب!».
لكن حامد ولا اتهز، شد مراته الجديدة من وسطها وفتح الباب وخرج بيها وهو بيقول من غير ما يلتفت وراه: «يلا يا حبيبتي بالراحة وانتي نازلة على السلم عشان البطل.. مع السلامة يا أسماء».
الباب اتقفل وراهم، ومع قفلته حسيت إن روحي هي اللي اتسحبت مني. انهرت على الكنبة وأنا بصرخ بدموع مكتومة، والوجع في قلبي كان واصل لحد حلقي.
خمس سنين صبرت فيهم على قلة الرزق، وعلى كلام الناس، وعلى نظرات الشفقة في عيون أهله وأصحابه عشان ربنا مارزقناش بطفل، وفي الآخر يترمي ده كله في الزبالة عشان لقمة سمك ودلع رخيص؟
أسماء قعدت تحت رجلي على الأرض ومسكت إيدي وهي بتبكي: «والله يا عائشة يا حبيبتي أنا اتكلمت معاه وزعقت له، بس هو اتعمى، الولد عماه ومبقاش شايف قدامه.. حقك عليا أنا».
مسحت دموعي بكم عبايتي، وقومت وقفت وأنا حاسة بنشفان في ريقي وبقوة غريبة عمري ما حسيت بيها قبل كده. الك.سرة اللي في عيني اتحولت لجمود.
بصيت لأسماء وقولت لها بصوت ثابث بس طالع من وسط النار اللي قايدة جوايا: «ماتتأسفيش يا أسماء.. أخوكي ماك.سرش خاطري أنا، أخوكي ك.سر العشرة وباع اللي صانته خمس سنين.. والك.سر ده ملوش جبيرة عندي».
لميت حاجتي وشنطتي من على الكرسي، وخرجت من باب الشقة وأنا مش شايفة قدامي، السلم اللي كنت بنزله وأنا مستندة على كتفه، نزلته لوحدي والخطوة بتهد جبال. أخدت تاكسي ورجعت على شقتي.. الشقة اللي شهدت على أيامنا وحكاياتنا وصبرنا.
دخلت الشقة، لقيت هدوء قاتل، مفيش فيها غير ريحة خيا.نته وك.سرته ليا.
دخلت أوضتي، فتحت الدولاب وجبت أكبر شنطة سفر عندي، وبقيت ألم هدومي كلها بحركات سريعة ومن غير تفكير. كنت برمي الهدوم في الشنطة وأنا بفتكر كلمتها ليا في الصالة: *«أنتِ ليه ماعندكيش كرامة وتطلقي؟ ليه فارضة نفسك عليه؟»*.
قولت لنفسي وأنا بقفل سوستة الشنطة بقوة: «لأ، أنا عندي كرامة، وكرامتي دي هتدوس على قلبي وعلى الخمس سنين وعلى حامد نفسه».
خلصت وطلعت وقفت في الصالة، وبصيت للشقة نظرة أخيرة. مكنتش عادية، كانت نظرة وداع لست طيبة ومغفلة عاشت هنا خمس سنين بتدعي لراجل مايستاهلش. أخدت شنطتي وفي طريقي للباب، لقيت الموبايل بتاعي بيرن..
بصيت على الشاشة لقيت الرقم بتاعه هو
نزلت الشارع وأنا حاسة بوجع الدنيا كله، ودموعي نازلة بس بكرامة، مخنوقة من قلة التقدير. لسه ما وصلتش نص الطريق، لقيت الموبايل بيرن.. بصيت للشاشة، كان هو. قلبي دق جامد، افتكرت يمكن حس بالذنب، يمكن لحق يراجع نفسه. رديت بصوت مخنوق ومستنية أي كلمة دفا.
سمعت صوته مش طايق نفسه، خشن وعصبي وبيسألني من غير حتى “إزيك”: «يا عائشة! محفظتي مش لاقيها، أكيد وقعت مني عند أسماء.. شوفيها كده عندك، أنا مش لاقيها في جيوبي خالص!».
الكلمات نزلت عليا زي التلج. محفظته؟ هو ده اللي هامّه؟ هو ده اللي شاغل باله بعد ما ك.سرني قدام مراته وأخته؟
اتنهدت بقوة، ومسحت دموعي بإيدي التانية، وبصيت للسما ولقيت جوايا قوة غريبة اتولدت في اللحظة دي. رديت عليه بصوت هادي، هدوء ماعرفش جه منين، بس كان صوته بيزلزل كيانه: «أنت بتسأل على محفظتك يا حامد؟ طيب اسمعني كويس.. محفظتك مش هتلاقيها، بس اللي هتلاقيه، هو قراري اللي مش هرجع فيه».
حامد اتفاجئ من نبرتي، وسكت شوية وبعدها زعق: «محفظة إيه وقرار إيه؟ أنتِ أتجننتي؟ بقولك محفظتي فيها بطاقتي وفلوسي! اخلصي شوفيها».
قفلت السكة في وشه، ومشيت بخطوات ثابتة لأقرب كافيه، وقعدت وبعت له رسالة واحدة: «لو عايز محفظتك، تعالي لي دلوقت حالا عند المأذون اللي في شارع [اسم الشارع].
مش هرجع البيت، والمحفظة مش هترجع غير لما تخلصني من عيشتك».
قعدت دقايق طويلة، كنت حاسة إن الوقت بيعدي ببطء، لحد ما لمحته جاي من بعيد وهو بيلهث، ووشه أحمر من الغضب. أول ما قرب مني، زعق بصوت عالي والناس بدأت تبص علينا: «أنتِ اتجننتي يا عائشة؟ جايباني هنا ليه؟ ومحفظتي فين؟».
بصيت له بكل ثبات، وقومت وقفت قدامه، نظراتي كانت بتلمع بالقوة اللي استمديتها من وجعي: «محفظتك نسيتها عند أختك يا حامد، بس أنا مش جايباك عشانها.. أنا جايباك عشان نخلص كل حاجة»
طلعت المحفظه وادتهالوا وقولتله