> — *”رغدة! يا بنتي في إيه؟ ومالك جاية بشنطة هدومك كده ليه ويوسف فين؟ مش المفروض زمانه وصل من المطار؟”*
>
دخلت الشنطة، وقعدت على الكنبة بتنهيدة طويلة، وجالي أبويا على الصوت وهو مخضوض. بصيت لهم وقولت بكل هدوء برود الدنيا كله في صوتي:
> — *”يوسف رجع يا بابا.. رجع بمراته الجديدة وابنه اللي عنده سنتين.. وحماتي كانت مخلية الشقة الجديدة اللي هديت حيلي فيها وبنضفها وبفرشها بالحلل والملايات عشان ست الحسن والجمال تدخل على الجاهز.”*
>
أمي لطمت على صدرها وبدأت تدعي وتتحسبن، وأبويا وشه اتقلب وجاب ألوان من الغضب وعروق جبهته برزت:
> — *”الواطي قليل الأصل! بقالنا خمس سنين صاينين غيبته وبنتنا تخدم أمه وهو متجوز ومخلف وسايبك زي الوقف؟ والله ما هعديلهاله، أنا هروحله وأجيب حقي وحقك وحق شقاكي من عينه!”*
>
حطيت إيدي على إيد أبويا، وبصيتله بعيون مفيهاش دمعة واحدة، عيون فيها قوة وتصميم:
> — *”لأ يا بابا، بالله عليك ما تروح ولا تبهدل نفسك مع ناس بالرخص ده.. يوسف وأمه ميستاهلوش إنك تقف قدامهم وتزعق وتضيع هيبتك وصحتك عشانهم. يوسف تمنه عندي بقى أرخص من التراب..
بس حقي وحق الخمس سنين دول، وحق دهبي وشقايا وكل مليم صرفته وصان بيته بيه، هاخده بالقانون وتالت ومتلت.. ومحامين البلد كلهم هيتحاكوا بالقض*ية دي.”*
>
أبويا بصلّي بذهول وفخر في نفس الوقت، كأنه مكنش متوقع إن بنته الهادية المطيعة هتقف الوقفة دي.. طبطب على كتفي وقال:
> — *”وعز جلال الله يا رغدة، لو عايزة توديهم ورا الشمس لأقف معاكي وأسندك بآخر قرش في جيبي.. راسك تترفع فوق، والناقص ناقص وهيجي يوم يندم فيه على رخصه.”*
>
سندت راسي على كتف أبويا وأنا ببتسم بمرارة ونصر..
من الليلة دي، رغدة القديمة، المطيعة اللي بتمسح وتكنس وتخدم وتسمع الكلمة وتصبر على الغربة والقلة، مـ,ـاتت ودفـ,ـنتها في الشقة اللي فوق.. ومن بكره، هتبدأ مرحلة تانية خالص، هعرفهم فيها مين هي رغدة لما تقرر تاخد حقها.من النجمة، كلمت واحد من قرايبنا محامي معروف بـ”ثعلب المحاكم”، اسمه الأستاذ عادل. روحتله مكتبه أنا وبابا، وقعدت معاه وحكيتله كل التفاصيل من طقاطق لسلام عليكم.. من أول جوازي من 5 سنين، ودهبي اللي يوسف خده مني بحجة إنه هيشغلهوله بره، لشغلي وخدمتي لسلفتي وحماتي، لحد اللعبة الأخيرة بتاعة الشقة وضرتي “مي”.
الأستاذ عادل سمعني وهو بيسند ضهره لورا وبيبتسم ابتسامة ثقة وقاللي:
> — *”بصي يا رغدة.. القانون ما بيحميش المغفلين، بس بيحمي الست اللي بتعرف تلعب صح وبذكاء. إحنا مش هنعمل شوشرة ولا هنروح نتشاكل معاهم في الشارع. إحنا هنضـ,ـربهم في مقـ,ـتل.. في القرش اللي هما بيمـ,ـوتوا فيه.”*
>
رتبنا الخطة سوا، وبدأنا التنفيذ فوراً ومن غير ما هما يحسوا بأي حاجة:
### 1. ضـ,ـربة “القايمة” (قائمة المنقولات)
أول حاجة عملناها كانت قض..ية **تبديد منقولات زوجية**. ودي في القانون المصري جنحة عقوبتها السجن!
* القايمة بتاعتي كانت مكتوب فيها كل صغيرة وكبيرة بأعلى الأسعار.
* الأستاذ عادل رفع القض..ية وعملهم إنذار رسمي بضرورة تسليم المنقولات في قسم الشرطة.
* لو يوسف ما سلمش العفش زي ما هو، أو حاول يماطل.. **حكم السجن هيكون مستنيه فوراً.**
### 2. محضر إثبات الحالة والطلاق للضرر
يوسف اتجوز عليا من غير ما يبلغني رسمي (أو بورقة مضروبة)، وده قانوناً بيديني الحق أرفع قض..ية **طلاق للضرر** مع الاحتفاظ بكافة حقوقي الشرعية:
* المؤخر بتاعي كامل (وكان مبلغ كبير بابا كاتبنا بيه زمان).
* نفقة العدة والمتعة (اللي بتتحسب على أساس دخله بره بالعملة الصعبة).
* نفقة زوجية متجمدة عن الفترة اللي فاتت.
### 3. قض..ية “الدهب”
يوسف كان واخد دهبي “عشان مصاريف السفر .. بس الحمد لله، بابا كان مخليه يمضي على وصل أمانة بقيمة الدهب وقتها عشان يضمن حقي.
> — *”الوصل ده لو نزل المحكمة يا رغدة، يوسف مش هيشوف الشمس تاني إلا لما يدفع تمن الدهب بسعر النهاردة!”*.. ده اللي قالهولي المحامي وهو بيضحك.
>
### لحظة الصدمة الكبرى
بعد حوالي أسبوعين، والباشا عايش في العسل فوق مع عروسته الجديدة في الشقة المتكيفة، نزلت عليهم الصدمة زي الصاعقة!
تليفوني رن.. كان يوسف. صوته كان بيرعش وضايع منه كل البرود والغرور اللي كان بيكلمني بيه:
> رغدة! إيه القضايا والمحاضر اللي مبعوتالي على البيت دي؟ أنتِ اتجننتي؟ عايزة تحبسيني وتبددي عفشي؟ وتطالبي بفلوس الدهب بسعر النهاردة؟ ده أنا أمـ,ـوت فيها!”*
>
رديت عليه بكل برود وثقة وسخرية:
> — *”أهلاً يا بشمهندس.. معلش أصلي كنت مشغولة شوية بفرش حياتي الجديدة زي ما فرشت شقة الست مي! القضايا دي مجرد تسخين.. انا كده لسه ببدأ .”*
>
حاول يدخل حماتي في الخط، ولقيتها بتتصل بيا وهي بتعيط وتصرخ:
> — *”حرام عليكي يا رغدة.. خربتي بيت ابني وسمعتنا في وسط المنطقة!
الناس بتقول يوسف عليه حكم حبس بسبك كده مش هيعرف يسافر تانى
>
قولتلها بضحكة عالية سمعتها من التليفون:
> — *”جرى إيه يا حماتي؟ مش كنتِ بتقوليلي ‘الغيرة تاكلك’؟ أديني سبتلكم الشقة والغيرة، وأخدت مكاني القانون.. ويلا بقى اجهزي عشان المحضر جاي على العمارة يشمع شقتي اللي تحت وياخد العفش حتة حتة قدام عيون ضرتي ومصر كلها!
>
وقفلت السكة في وشها.. وأنا حاسة بنشوة انتصار عمري ما حستها في حياتي. اللعب بقا على المكشوف، والطرف اللي كان فاكر نفسه ذكي ومسيطر، بقا دلوقتي بيترجى رضايا عشان بس ما يتحبسش!
تليفون يوسف ما بطلش رن، بس المرة دي النبرة اتغيرت 180 درجة.. مفيش أثر للراجل الواثق من نفسه اللي صوته كان بيهز الحيطان وهو بيقولي “الباب يفوت جمل”. كان صوته مخنوق، وبيمـ,ـوت من الرعب وهو بيقول:
> — *”رغدة.. أرجوكي ارحميني، أنا اتمنعت من السفر في المطار! جيت أخلص ورقي عشان أرجع شغلي لقيت اسمي على قوائم المنع بسبب قض..ية وصل أمانة الدهب وحكم النفقة المتجمدة اللي رفعتيها.. أنا مستقبلي بيضيع وشغلي هناك هيروح مني!”*
>
لما سمعت الكلمتين دول، غمضت عيني للحظة وحسيت بإن روحي بتردلي..
ربنا جابلي حقي أسرع مما كنت أتخيل، والباب اللي قفلوه في وشي واتمنيت فيه السفر معاهم، اتقفل في وش يوسف وبقى محبوس في البلد مش عارف يهرب من حساب شقايا.
رديت عليه ببرود قـ,ـاتل:
> — *”والله يا يوسف، زي ما استخسرت تاخدني معاك بره وسيبتني خمس سنين هنا لوحدي بضيع في عمري.. ربنا أراد إنك تقعد هنا برضه وتتحرم من سفرك.. ذوق بقى من نفس الكأس.”*
>
### دوامة المحاكم ومصاريف “مي”
يوسف ملقاش قدامه حل غير إنه يجري على المحامين يمين وشمال عشان يلاقي مخرج من المنع من السفر أو يوقف تنفيذ الأحكام.
بس الأستاذ عادل “ثعلب المحاكم” كان مقفل كل الثغرات بقفل حديد.
* كل محامي يروحه يوسف كان يطلب منه أرقام فلكية عشان بس يدرس القض..ية أو يعمل استشكال.
* الفلوس اللي نزل بيها من الغربة وكان ناوي يدلع بيها ست الحسن والجمال “مي” بدأت تطير زي الورق في الهوا.. مابين أتعاب محامين، ومصاريف قضايا، ودمغات.
وده كله كوم، ونفقة المتعة والعدة والزوجية كوم تاني! المحكمة حكمتلي بمبالغ محترمة تليق بدخله اللي بالعملة الصعبة اللي كان بيتباهى بيه هو وأمه.. وبقى مجبر يدفعها شهرياً وإلا السجن هيكون مصيره الفوري.
### “الجنة” بتتحول لخرابة
في وسط المعمعة دي، بدأت تظهر حقيقة “مي” اللي كانت متبغددة ونازلة على الجاهز.
الست اللي كانت جاية تعيش في التكييفات والفرش الغالي، لما لقت يوسف فلوسه بتخلص، ومتكلبش في البلد ومش عارف يسافر يجيب قرش، وشغله بره اتفسخ عقده بسب غيابه.. وشها الحقيقي ظهر!
صوت خناقاتهم فوق في الشقة “الجنة” بقى هو اللي واصل للشارع كله.. مي بدأت تصرخ وتطالب بفلوس ومصاريف للواد ولنفسها، ويوسف مبقاش ملاحق.. بقى يصرخ فيها ويقولها:
> — *”أجيبلك منين؟ المحامين والقضايا ونفقة رغدة مخلتليش مليم في جيبي!
أنا بفلّس يا مي!”*
>
وحماتي اللي كانت بتشاور على السجاد والحلل بفخر، بقت تلف في الشارع تعيط وتشتكي لطوب الأرض:
> — *”رغدة خربت بيت ابني وحبسته.. رغدة شحتت ابني وخلت عروسته الجديدة تاكل وشه وتطلب الطلاق!”*
>
كنت بسمع كلام جيراني وهما بيحكولي عن بهدلتهم، وأنا قاعدة في بيت أبويا، معززة مكرمة، بشرب قهوتي في هدوء.. وبقول في بالي:
> *”يمهل ولا يهمل يا حماتي.. الشقة اللي قطمتوا ضهري فيها عشان تفرشوها لضرتي، بقت هي السجن اللي بتاكلوا في بعض جواه..
والقرش الحرام اللي غفلتوني فيه، بيطلع من عيونكم دلوقتي مليم مليم.”*
> وجتله الضـ,ـربة القاضية اللي قطمت ضهره بجد..
تليفونه رن في يوم من الشركة اللي بره، وسمع الكلمتين اللي كانوا بمثابة رصاصة الرحمة على مستقبله المهني:
> — *”يا بشمهندس يوسف، إحنا انتظرناك كتير وفوتنا ميعاد تجديد العقد والإقامة، والغياب ده كله أثر على سير الشغل.. للأسف، الشركة اضطرت تلغي عقدك وتعين مهندس تاني مكانك.”*
>
التليفون وقع من إيده، ومعه وقعت كل أحلامه الكدابة وقوته اللي كان بيستمدها من فلوس الغربة والعملة الصعبة.
بقا راجل عاطل، مفيش في جيبه قرش صاغ، والمنع من السفر مكلبشه مش عارف يتحرك خطوة بره البلد.
حاول ينزل يدور على شغل هنا في بلده، بس الصدمة كانت أقوى.. السوق كان نايم، وأي شركة محترمة كانت بتطلب شروط وخبرات وهو بقاله سنين بره، وكل ما يقدم في مكان يترفض أو يعرضوا عليه مبالغ تضحك ما تكفيش تمن المحامين والقضايا اللي على قفاه.
### من “البشمهندس” لقمة العيش المرّة
الديون بدأت تتراكم، والمحامين نفضوا جيوبه تماماً، ومصاريف النفقة بتاعتي لو مدفعهاش هيتحبس..
وفي الآخر، وتحت ضغط الجوع والطلبات، اضطر يوسف “البشمهندس” اللي كان جاي ببدلته الشيك يتنازل عن كبريائه كله.
اشتغل أي حاجة تقابله وبأقل مرتب.. اشتغل مشرف عمال باليومية في موقع بناء تحت الشمس الحارقة، بياخد مرتب تالت وتلت من اللي كان بياخده بره، عشان بس يلاقي كام قرش يلم بيهم نفسه آخر الشهر ويسدد نفقتي عشان يهرب من حبل المشنقة والحبس.
كان بيرجع لبيته وهدومه مليانة تراب وعرق، وشه دبلان وضهره منحني من الشقا والبهدلة اللي عمره ما شافها.
### خراب “الجنة” التانية
طبعاً، لما “مي” شافت الوضع ده، وشافت إن البشمهندس اللي اتجوزته عشان يسفرها ويدلعها بقا بيرجع بملابس الشغل متبهدل ومعاه قروش بسيطة.. عيشتها اسودت.
صوت خناقهم بقا على ودنه في العمارة، ومي صرخت في وشه قدام حماتي وقالتله بصوت مسمع الشارع كله:
> — *”أنا أتجوز مهندس قد الدنيا عشان في الآخر تقعدني في شقة تكييفاتها مقفولة عشان مش قادر تدفع فاتورة الكهربا؟ وجايبلي فطار وغدا بالقطارة؟ أنا مش هعيش العيشة دي..
أنا واخدة ابني ورايحة بيت أبويا، والطلاق ده طلاق ورجلي فوق رقبتك!”*
>
ولمّت هدومها وأخدت ابنها وطلعت، وسابتله الشقة “الجنة” اللي فرشوها على قفايا.. سابتها وهي خرابة، ترابها مالي المكان، والتكييفات مطفية، والحلل والملايات اللي كانت حماتي بتتباهى بيهم بقوا مركونين في الضلمة ملهومش لازمة.
حماتي بقت تقعد على السلم، تعيط وتندب حظها وحظ ابنها اللي اتكسر ضهره، وكل ما حد من الجيران يمر من جنبها، تبص للأرض بحسرة وتقول:
> — *”ده ذنب رغدة.. ربنا ما سابهاش واقتص منها في عافيتنا وفلوسنا.”*
>