>
ومي بتبص بحرص ودلع، وتلمس الخشب بطرف صوابعها وهي بتضحك ضحكة رقيقة وتقول:
> — *”تسلميلي يا ماما، بجد ذوقك يجنن، الشقة طالعة زي ما كنت بحلم وأكتر.”*
>
أما يوسف.. جوزي اللي كنت مستنياه على نار، كان واقف باصص لـ”مي” وعينيه بتلمع بالحب والاهتمام، شال ابنه الصغير على كتفه، وقرب منها ومسك إيدها وباسها قدام عيني.. وبكل برود ولا كأني واقفة، ضحك وقالها:
> — *”ها يا حبيبتي.. عجبتك؟ قوليلي لو ناقصك أي حاجة تانية أقول لأمي تجيبها فوراً، أهم حاجة عندي راحتك أنتِ والبيبي.”*
الضحكة والكلمة كانوا زي السكاكين بتتقطع في قلبي..
كنت واقفة شايفة تعبي، وشقايا، والخدمة اللي خدمتها للشقة دي وهي بتتقدم لغيري على طبق من دهب، وجوزي اللي اتغرب عشان “يبني مستقبلي” رجع يبني مستقبل واحدة تانية بدمي وصحتي!
بصيت ليوسف ودموعي خلاص غطت وشي، وقولتله بصوت مخنوق ومكسور:
> — *”يعني يا يوسف.. أنا اللي تعبت، وأنا اللي وضبت، وأنا اللي نضفت الشقة دي حتة حتة.. تطلع في الآخر لضرتي؟ وكمان متجوز عليا ومخلف ومن غير ما تقولي؟”*
حماتي لفت وبصتلي بلؤم وقالت:
> — *”جرى إيه يا رغدة؟ ما تلمي نفسك بقى وتبطلي نكد ! هو يوسف عمل إيه غلط؟
اتجوز على سنة الله ورسوله، ودي مي ست البنات وأم وريث عيلتنا.. وبعدين الشقة شقتي وأنا حرة أفرشها وأديها للي يعجبني، كفاية عليكي شقتك اللي تحت مش مكفياكي ولا إيه؟”*
يوسف بصلي ببرود وضيق، وكأن كلامي وتنهيدي بيقلقوا راحته، وسحب شنطته وقال بنبرة خالية من أي رحمة:
> بقولك إيه يا رغدة.. أنا لسه واصل من السفر وتعبان ومش فايق للمناهده والدراما دي خالص! انزلي شقتك تحت وجهزيلي الحمام والأكل، ولما أرتاح هبقى أنزلك نتكلم.. مش عايز نكد على أولها!”*
>
مي كانت واقفة بتسمع وبتبصلي من فوق لتحت بابتسامة نصر خبيثة، كأنها بتقولي:
*”أهو خدت الشقة وجوزك ومبقالكيش حاجة.”*
نزلت السلم وأنا مش شايفة قدامي، رجلي كانت بتخبط في بعضها، وقلبي كان بيتعصر من الوجع والقهرة.. دخلت شقتي الضيقة اللي مفيهاش غير تكييف واحد، وقفلت الباب ورايا وانهارت على الأرض.. حاسة إني كنت مغفلة، تعبت وشقيت عشان أفرش جنة لغيري وأنا نصيبي كان الحصيرة والوجع.
فضلت طول اليوم بطولي في شقتي الضيقة، حابسة نفسي بين أربع حيطان، والحيطان نفسها كانت بتطبطب عليا من قهرتي.
الأكل اللي طبخته وتعبت فيه وفضلت واقفة قدام البوتاجاز أجهزة بحب عشان يوسف يرم عضمه بعد السفر، سيبته زي ما هو على الرخام يبرد..
نفسي اتسدت عن الدنيا كلها، ولقمتي وقفت في زوري قبل ما تتبلع.
المصيبة ما كانتش بس في الوجع اللي في قلبي، المصيبة إن البيت هسسس، وصوت ضحكهم وهزارهم فوق في الشقة الجديدة واصل لحد عندي تحت!
تعدي الساعة ورا الساعة، وأنا سامعة صوت حماتي وهي بتضحك من قلبها بصوت عالي وتقول:
> — *”يا ألف نهار أبيض يا حبيبتي.. مطرح ما يسري يمري، كلي يا مي يا بنتي وغذي الواد.”*
>
وصوت يوسف وهو بيهزر معاها ويضحك نفس الضحكة اللي كنت بتمناها يضحكها معايا..
صوت خطوات رجله فوق دماغي وهو بيتحرك في الشقة اللي أنا مسحتها ومسحت بلاطها بإيدي وعرقي.. كل خطوة بيخطوها فوق كانت بتنداس على كرامتي وعلى قلبي.
حتى الواد الصغير كنت سامعة صوت لعبه
كنت قاعدة ضامة ركبي لصدري في الضلمة، والتكييف الواحد اللي في الأوضة صوته عالي وبيزن، وكل شوية أبص للموبايل.. أقول تلاقيه هينزل، تلاقيه هيحن ويفتكر إن ليه زوجة تانية صانت بيته في غيابه ومستنياه..
لكن الوقت كان بيسـ,ـرقني، والليل ليل وصوت ضحكهم فوق لسه شغال، ولا كأن في واحدة تحت بتمـ,ـوت من القهرة والكسرة بسببه!
طلع الفجر وأنا لسه صاحية، مدمعة وصاحية على نفس القهرة. عيني ما غفلتش دقيقة، وكل ما أحاول أغمض عيني أسمع صوت مشيهم فوق دماغي يصحيني على كابوس حقيقتي.
على الساعة تمانية الصبح، سمعت صوت خطوات نازلة على السلم.. قلبي دق بسرعة وبقيت باصة على الباب وأنا بكدب على نفسي وبقول: *”أكيد يوسف نازل يراضيني.. أكيد صحي وحس بذنبه وجاي يمسح دموعي.”*
وفعلاً، الباب اتفتح ودخل يوسف.
بس ما دخلش بلهفة ولا بأسف.. دخل لابس تيشيرت وبنطلون مريح، وباصص في الموبايل بتاعه، ولما شافني قاعدة في الصالة بنفس هدوم امبارح، نفخ بضيق وقال:
> — *”أنتِ لسه صاحية وقاعدة كده بنكدك؟ جرى إيه يا رغدة! ما تفكيها بقى، هو أنا يعني عملت جري*مة؟ أنا اتجوزت شرعي، ومي دي بنت ناس ومحترمة، والمفروض تقبلي بالأمر الواقع وتنزلي تجهزي فطار ليكي ولينا عشان ناكل سوا كأسرة واحدة.”*
>
بصيت له بذهول.. الصدمة لسه ملجمة لساني، بس النوبة دي كان مع الصدمة قرف.. قرف من بروده وأنانيته..
وقفت وقولتله وصوتي بيرعش من كتر الكتمان:
> — *”أسرة واحدة يا يوسف؟ بعد ما غفلتني وخلتني أخدم ضرتي وأفرشلها شقتها بإيدي؟ بعد ما حرمتني من كل حاجة عشان تروق عليها هي؟
جاي دلوقتي بكل برود تقولي انزلي اعملي فطار؟”*
>
بصلي بنظرة خالية من أي مشاعر، وحط إيده في جيبه وقال بنبرة حاسمة:
> — *”بقولك إيه.. الكلام الكتير ده مش هياكل معايا عيش. أنا راجل متغرب وبشقى وبجيب فلوس، ومن حقي أتجوز وأعيش حياتي. الشقة اللي فوق دي شقة أمي وهي حرة تديها لمين، وأنتِ هنا في شقتك معززة مكرمة.. لو عجبك الحال ده أهلاً وسهلاً، مش عجبك وعايزة تخربي بيتك وتطلبي الطلاق.. الباب يفوت جمل!”*
>
سكت.. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “الباب يفوت جمل”..
جوزت عمري وسنين غربته وتعب شقايا مع أمه، بيبيعني في ثانية وعشان مين؟ عشان واحدة تانيه !
وقفت قدامه ودموعي جفت من كتر القهر، وبصيت في عينيه بكل قوة متبقية فيا وقولتله:
> — *”طالما أنت متجوزها من سنتين ومخلف منها كمان.. ليه ما قولتليش يا يوسف؟ ليه ما طلقتنيش من البداية وسبتني أعيش حياتي وأشوف نصيبي؟ ليه سبتني عايشة على وهم ومغفلة، وبخدم في بيتك وبيت أمك؟”*
>
يوسف كشر بضيق وحط إيده في وسطه، وبصلي بنظرة كلها لوم وكأني أنا اللي غلطانة، وقال بنبرة حادة:
> — *”أقولك إيه وأطلقك ليه؟ إحنا بقالنا 5 سنين متجوزين ومخلفناش! وأنا راجل متغرب هناك لوحدي في بلد غريبة، وليا طلبات واحتياجات..
من حقي أتجوز وأخلف ويبقى ليا عيل يشيل اسمي، ولا كنتِ عايزاني أعيش محروم ووحيد طول عمري عشان خاطرك؟”*
>
الكلمة نزلت على قلبي زي النار، حسيت بدمي بيفور من كتر الظلم وقله الأصل.. قربت منه خطوة وقولتله بصوت عالي ومليان قهر ووجع:
> — *”مخلفناش؟! وأنت تطلع مين عشان ترمي عليا العيب ده وتتحجج بيه؟ إحنا مخلفناش عشان مكنش فيه بينا علاقة أصلاً بسبب الغربة! أنت مش موجود ومعايا طول السنة.. بتسافر بالشهور وتغيب، ولما تنزل يا دوبك كام يوم وتمشي! إزاي هنخلف والمسافة بيننا بلاد؟ وزي ما أنت راجل وعايز تتجوز وتخلف وليك طلبات واحتياجات..
أنا كمان ست، ومن حقي أتجوز وأخلف وليا طلبات واحتياجات، وكان نفسي في طفل يملى عليا دنيتي.. ولا أنت حلال ليك وحرام عليا؟!”*
بصيت في عينيه وأنا كلي كسرة وغضب، وصوتي طلع مرتعش بس قوي وواضح، وقولتله:
> — *”أنت ضيعت خمس سنين من عمري يا يوسف.. خمس سنين وأنا قافلة على نفسي بابي وصاينة اسمك وبخدم أمك، وفي الآخر تكسرني الكسرة دي؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيك، أنا مش مسمحاك على يوم واحد راح من شبابي وأنا مستنياك ومغفلة!
مش مسمحاك على قلبي اللي وجعته وعمري اللي سـ,ـرقته مني.”*
>
دموعي نزلت حامية على خدي وأنا بكمل كلامي والوجع بيقطع في صبري:
> — *”ده بدل ما تفكر في حل يلمنا سوا؟ بدل ما تاخدني أعيش هناك معاك وتعملي إقامة ونبني حياتنا مع بعض زي أي اتنين متجوزين بيحبوا بعض وبيسندوا بعض في الغربة؟ لكن لأ.. أنت فكرت في الحل السهل.. الحل اللي على هواك ومزاجك وبس!
فكرت في متعتك وأنانيتك وروحت اتجوزت عليا وركنتني هنا في الضل!”*
>
يوسف بصلّي ببرود شديد، وبدل ما يحس بـ ذرة ندم أو تأنب ضمير، ملامح وشه قسيت أكتر، ولوى بوزه بلامبالاة وقالي:
> — *”خلاص؟ خلصتي الخطبة العصماء بتاعتك؟ وبدال ما ندخل في ‘حسبي الله ونعم الوكيل’ والندب ده، ريحي نفسك.. السفر والغربة مصاريفها كتير ومكنتش هقدر أتحمل مصاريف معشتك هناك في الغلاء ده، ومي ظروفها كانت مناسبة معايا وسندتني هناك.. فبلاش نبرة المظلومية دي.”*
>
ضحكت بمرارة، ضحكة مخنوقة بالدموع.. سندتك؟
يعني البيه كان بيوفر قرشه عليا ومستخسر ياخدني معاه، وراح صرف الشئ الفلاني عشان يتجوز ويفرش لست الهوانم شقة “سوبر لوكس” بأحدث الأجهزة على قفايا وتعبي!
وقبل ما أنطق بحرف، سمعنا خبط رزع فوق راسنا، وصوت حماتي بتنادي من البلكونة بصوت جهوري مسمع الشارع كله:
> — *”يا يوسف! يا بني سيبك من النكد والزن اللي تحت ده واطلع.. مي جهزت الفطار ومستنياك، والواد عمال يعيط عايز أبوه!”*
>
بصلي يوسف بنظرة أخيرة، نظرة خالية من أي احترام أو عشرة، وعدل ياقة التيشيرت بتاعه وقالي وهو بيمشي ناحية الباب:
> — *”أنا طالع أفطر..
فكري في كلامي كويس يا رغدة، وعقلك في راسك تعرفي خلاصك.. البيت ده ليه مركب واحدة، وطالما مش عاجبك.. يبقى المركب اللي تودي.”*
>
قفل الباب وراه، والرزعة بتاعة القفل سمعت في صدري أنا..
وقفت في وسط الصالة أبص على شقتي الضيقة، وأبص على نفسي في المراية.. كنت شاحبة، متبهدلة، وتعب الشقا والخدمة باين على وشي وإيديا اللي تشققت من الكلور ومية التوضيب.. وفي المقابل، ضرتي فوق قاعدة في التكييف، متنعمة بفرش جديد وتعب جاهز..
وفي اللحظة دي بالذات، حسيت ببرود غريب سكن قلبي.. برود شال الدموع وحط مكانها قوة مكنتش أعرف إنها جوايا.. وقولت لنفسي:
*”لأ يا رغدة.. الخمس سنين اللي ضاعوا كفاية أوي لحد كده.. واللعبة دي مش هتنتهي بالطريقة اللي هما عايزينها.”*
أخدت نفس طويل، وريحت جسمي على الكنبة.. القهرة والكسرة اللي كانوا هيمـ,ـوتوني من شوية اتبخروا، وحل مكانهم برود غريب، كأن قلبي جمد وبقى زي الحجر. بصيت لشنطة هدومي الكبيرة اللي تحت السرير، سحبتها وبدأت ألم فيها كل حاجة تخصني.. لبسي، دهبي، وشهاداتي.. كل حاجة بتثبت إن رغدة كانت موجودة في البيت ده.
كنت بلم حاجتي وأنا سامعة صوت ضحكهم فوق بيزيد، وصوت المعالق وهي بتخبط في أطباق الفطار.. فطارهم اللي كان المفروض يبقى من إيدي وتعب شقايا.
قليت في بالي: *”والله ما هقعدلكم فيها ثانية واحدة.. شبعوا ببعض وبشقتكم الجديدة، بس حساب الخمس سنين دول هناخده، تالت ومتلت.”*
قفلت الشنطة وسحبتها ورايا وطلعت برة الشقة. وأنا بقفل الباب، حسيت إني بقفل صفحة سوء وظلم عشتها ومكنتش شايفة حقيقتها. نزلت السلم بخطوات ثابتة وقوية، مفيش دموع، ومفيش رجفة.
وأنا بفتح باب العمارة الخارجي، لقيت حماتي نازلة على السلم تشتري حاجة. أول ما شافت الشنطة في إيدي، عينيها برقت وقالت بلهجة كلها شماتة ولؤم:
> — *”على فين يا رغدة يا بنتي؟ واخدة شنطتك ومروحة لبيت أبوكي عشان تلوي دراع يوسف؟
فكري كويس يا حبيبتي، يوسف مش هيركعلك، وعروسته الجديدة مالي مالي عينه وقلبه.”*
>
وقفت مكاني، وبصيتلها من فوق لتحت ببرود وثقة خلت الضحكة تهرب من وشها، وقولتلها بصوت هادي وراسي:
> — *”أنا مش هقعد ألوي دراع حد يا حماتي.. يوسف خلاص بقى ماضي ورخص من نظري، والشقة اللي أنا وضبتها وتعبت فيها وكنتوا بتستغفلوني عشانها.. خلوها تشبعكم.. بس افتكري كويس، دعوة المظلوم ملهاش حجاب، والقرشين اللي يوسف وفرهم من شقايا وتغفيلكم ليا.. هتدفعوا تمنهم غالي أوي ومن صحتكوا وراحتكوا.”*
>
سيبتها واقفة بوقها مفتوح ومبرقة من الذهول، وسحبت شنطتي وطلعت للشارع..
الهوا النضيف خبط في وشي،
ركبت أول تاكسي قابلني، رميت الشنطة في الشنطة ورا، وركبت وأنا حاطة راسي على الشباك وببص للشوارع وهي بتجري من جنب عيني.. لأول مرة محسش بخوف من بكرة، بالعكس، كنت حاسة براحة ونظافة في قلبي وكأن الشوائب والغمامة اللي كانت على عيني انزاحت خلاص.
وصلت بيت أبويا.. الباب اتفتح، وأول ما أمي شافتني بالشنطة دي ووشي اللي باين عليه معالم حرب نفسية، شهقت وحطت إيدها على صدرها: