جوزى قالى بمنتهى الهدوء

أول ما شافني قال
حد دخل البيت في غيابي؟
هزيت راسي بالنفي.
قرب مني وهو بيدقق في ملامحي.
متأكدة؟
قلت بثبات أيوه.
فضل ساكت لحظات، وبعدها طلع موبايله، واتصل بحد وقال
فتشوا المكان كويس… لازم نلاقيه قبل ما يتكلم.
الكلمات دي خلت الدم يتجمد في عروقي.
يقصد الراجل العجوز؟
ولا بيدوروا على حد تاني؟
في نفس الليلة، وبعد ما نام، فتحت الخطاب تاني أكمل القراءة.
لكن لقيت ورقة صغيرة كانت لازقة بين الصفحات ووقعت على الأرض.

فتحتها…
كان عليها عنوان بيت في قرية بعيدة، وتحت العنوان جملة واحدة
الحقيقة الكاملة عند الحاج سالم… قبل ما يمـ,ـوت.
وفي أسفل الورقة تاريخ.
بصيت فيه واتصدمت…
لأن التاريخ كان بكرة.
ولو عدى اليوم ده…
ممكن السر كله يختفي للأبد قضيت الليلة كلها من غير نوم.
كل شوية أبص على الورقة، وأرجع أخبيها.
كان عندي إحساس إن بكرة هيكون يوم هيغيّر كل حاجة.
الصبح، جوزي قام بدري على غير عادته.
لبس بسرعة، وكان باين عليه التوتر.

قبل ما يخرج، وقف عند باب الأوضة وقال
أنا هتأخر النهارده… ومتخرجيش من البيت.
أول ما الباب اتقفل وراه، خدت نفس طويل.
بعد نص ساعة، كنت راكبة ميكروباص رايح للعنوان المكتوب في الورقة.
الطريق كان طويل، وكل دقيقة كانت بتزود خوفي.
لما وصلت، لقيت بيت ريفي قديم، بابه الخشب متآكل، وفي الجنينة راجل كبير قاعد على كرسي متحرك.
أول ما شافني، قال من غير ما أسأله
إنتِ مرات كريم.
اتصدمت.
قلت حضرتك تعرفني؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
كنت مستنيكي.
قعدت قدامه، وطلعت الظرف من شنطتي.

أول ما شافه، دمعت عينه.
قال افتكرت إن الورق ده ضاع.
سألته بسرعة إيه الحقيقة؟ وليه الكل مصمم على الجوازة دي؟
بص حواليه، وكأنه بيتأكد إن مفيش حد سامع.
وبعدين قال
بعد وفاة أخو جوزك، اكتشفوا إن فيه وصية قديمة… والوصية فيها شرط.
شهقت.
شرط إيه؟
رد بهدوء
إن نصيب ولاد المرحوم يفضل تحت إدارة واحد من رجال العيلة لحد ما أكبر طفل يتم واحد وعشرين سنة.
قلت باستغراب
وده ماله بالجواز؟

قال
الشرط ده اتفسر بأكتر من طريقة… وفي ناس شافت إن أسهل حل يخلّي السيطرة كاملة هي إن الأرملة تتجوز من نفس العيلة.
بدأت الصورة تتضح قدامي.
لكن الحاج سالم رفع صباعه وقال
بس دي مش الحقيقة كلها.
قلبي دق بعنف.
قال وهو بيطلع ملف تاني من درج صغير جنب الكرسي
فيه صفحة من الوصية محدش شافها غيري… لأنها اختفت قبل اجتماع العيلة.
مد الملف ناحيتي.
وفي اللحظة اللي كنت بمد إيدي آخده فيها…
سمعنا صوت عربية بتقف بعنف قدام البيت.
وبعدها ثواني…
اتفتح باب البيت بقوة.

ودخل جوزي، وخلفه أبوه، وملامحهم كانت بتقول إنهم عرفوا مكاني.
بص جوزي للحاج سالم وقال بغضب
قولتلك زمان… الورقة دي لازم تختفي.
أما الحاج سالم، فضم الملف لصدره وقال بهدوء غريب
لا… النهارده الحقيقة لازم تتقال.
وتعلقت عيني بالملف… لأني حسيت إن الصفحة اللي جواه هي اللي هتكشف السر الحقيقي وراء كل اللي حصل، لكن محدش كان مستعد للي مكتوب فيها اتجمد المكان كله.
لا أنا عرفت أتكلم، ولا الحاج سالم اتحرك.
أما جوزي، فكان واقف عند الباب، وعينه كلها غضب.
قال بصوت حاد
لو سمحت يا حاج سالم… اديني الملف.

الحاج سالم هز راسه وقال
مش قبل ما تسمع هي.
اتدخل حمايا بعصبية
إحنا تعبنا من العناد ده. الورق ده يخص العيلة.
رد الحاج سالم بهدوء
والحق يخص أصحابه.
بصلي وقال
اقعدي.
قعدت وأنا قلبي هيقف من الخوف.
فتح الملف، وطلع ورقة صفراء عليها أختام قديمة.
وقال
دي نسخة من الوصية الأصلية… النسخة اللي اختفت قبل ما العيلة كلها تشوفها.
جوزي حاول يقاطعه
الوصية دي ملغية.
رد الحاج سالم بسرعة
لو كانت ملغية، مكنتش جيت بنفسك تدور عليها.
ساد صمت ثقيل.

بدأ الحاج سالم يقرأ بصوت واضح
تظل جميع حقوق أبناء المرحوم محفوظة، ولا يجوز التصرف فيها أو إدارتها إلا تحت رقابة المحكمة والوصي القانوني الذي تختاره الأم بإرادتها الكاملة…
بصيت له بعدم فهم.
قال وهو يشاور على السطر
شايفة؟ الأم هي اللي تختار… مش العيلة.
حمايا صرخ
كفاية!
لكن الحاج سالم كمل القراءة
…ولا يُشترط زواج الأرملة من أحد أفراد العائلة، ولا يؤثر زواجها أو عدم زواجها على حقوقها أو حقوق أبنائها.
حسيت إن أنفاسي رجعتلي.
بصيت لجوزي.
وشه اتغير.
ولأول مرة، معرفش يبص في عيني.

قلت بصوت مهزوز
يعني… كل اللي حصل… مكنش شرط؟
الحاج سالم قال
أبدًا.
سكت لحظة، ثم أضاف
لكن في ناس كانت عايزة تخلّيكي تصدقي إنه شرط… عشان تنفذ اللي في دماغها.
في اللحظة دي، رن موبايل جوزي.
بص للشاشة، واتردد يرد.
لكن حمايا قال بعصبية
رد.
فتح السماعة.
جاله صوت متوتر جدًا
الخبر وصل… وفي حد رايح يبلغ باقي الورثة بالنسخة الأصلية.
اتبدلت ملامح حمايا تمامًا.
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينه.

أما الحاج سالم، فابتسم ابتسامة هادئة وقال
واضح إن اللعبة بدأت تخرج من إيد اللي خططولها.
وفي اللحظة دي… سمعنا صوت سيارة أخرى تقف أمام البيت، تلاها طرقات قوية على الباب، وصوت رجل يقول
افتحوا… معايا أوراق لازم تتسلم لصاحب الحق بنفسه.
كل الأنظار اتجهت ناحية الباب… ومحدش كان يعرف مين الشخص اللي واقف بره، ولا إيه الأوراق اللي معاه، لكن إحساسي كان بيقول إن دخوله هيقلب كل الموازين الطرقات على الباب زادت.
كل واحد في الأوضة كان باصص للتاني، وكأن الكل عارف إن اللي ورا الباب هيغيّر مجرى الأحداث.

الحاج سالم قال بهدوء
افتحوا.
لكن حمايا اعترض بسرعة
محدش يفتح.
وقبل ما حد يتحرك، الباب اتفتح، ودخل راجل في الخمسينات، لابس بدلة، وفي إيده حقيبة جلد سوداء.
بص للحاضرين كلهم، وبعدين ثبت نظره عليا.
وقال
حضرتك زوجة كريم؟
هزيت راسي.
طلع من الحقيبة ظرف مختوم وقال
الورق ده كان أمانة عند مكتبنا، وكان لازم يتسلم بعد وفاة المرحوم بست شهور.
حمايا اندفع ناحيته وقال
هات الورق.
لكن الراجل رجع خطوة وقال بحزم
ممنوع يتسلم لأي حد غير صاحبة الشأن.
ناولني الظرف.

وأول ما مسكته، حسيت إن جوزي فقد أعصابه لأول مرة.
قال بصوت عالي
متفتحيهوش هنا!
بصيتله باستغراب.
ليه؟
سكت.
الراجل قال
لأن اللي جواه هيجاوب على أسئلة كتير.
بدأت أفتح الظرف وسط نظرات الكل.
كان فيه خطاب، ومعاه فلاشة صغيرة.
استغربت.
قلت
فلاشة؟
الراجل رد
المرحوم كان مسجل عليها رسالة، وقال إنها تتفتح لو حصل خلاف داخل العيلة بعد وفاته.
اتغير لون وشوش الكل.
حتى سلفتي، اللي وصلت في اللحظة دي وهي بتجري على البيت، أول ما شافت الفلاشة وقفت مكانها.

وقالت بخوف
هي… هي لسه موجودة؟
بصيتلها.
كانت أول مرة أشوف الرعب الحقيقي في عينيها.
أما جوزي، فشد نفس عميق وقال
لازم الفلاشة دي متشتغلش.
الحاج سالم رد بهدوء
بالعكس… هي دي اللي هيخلّي كل واحد يتحاسب على كلامه.
مسكت الفلاشة بإيدي، وحسيت إنها أخف من إنها تشيل كل الأسرار دي.
لكن قبل ما حد يجيب لابتوب أو يشغلها…
سمعنا صوت زجاج بيتكسر من ناحية الشباك.
كلنا لفينا بسرعة.
ولقينا إيد مغطاة بقفاز أسود امتدت من الشباك، وخطفت الفلاشة من بين صوابعي في ثانية واحدة.

وجري صاحبها ناحية العربية اللي كانت مستنياه بره.
صرخت
الحقوه!
واندفع جوزي، وحمايا، والحاج سالم، كلهم يجروا وراه…
لكن كان واضح من سرعة اللي حصل إن الشخص ده ماكنش جاي يسـ,ـرق الفلاشة… كان عارف بالضبط هي فين، وإمتى هتظهر، ومستني اللحظة المناسبة يخطفها فيها دخل الضابط بخطوات ثابتة، والرجل اللي معاه كان مطأطئ راسه، ولابس كاب نازل على وشه.
حمايا اتوتر وقال
حضرة الظابط… فيه إيه؟
الضابط رد بهدوء
إحنا مش جايين نقبض على حد دلوقتي… إحنا جايين نسمع شهادة.
الرجل المجهول رفع راسه ببطء.

أول ما الحاج سالم شافه، شهق وقال
إنت!
أما جوزي فاتغير لونه فجأة.
واضح إنه كان يعرفه.
بصيت للرجل، لكن معرفتوش.
قال الضابط
الراجل ده جه القسم بنفسه النهارده، وقال إنه لازم يتكلم قبل ما يسافر.
الرجل أخد نفس طويل وقال
أنا كنت السواق الخاص للعيلة.
ساد الصمت.
كمل كلامه
ويوم اجتماع العيلة اللي اتقرر فيه موضوع الجواز… كنت واقف بره المكتب.
حمايا قاطعه بعصبية
وده يثبت إيه؟
رد السواق
يثبت إني سمعت كل حاجة.
جوزي اتدخل بسرعة
إحنا مش هنقعد نسمع حكايات.

لكن الضابط رفع إيده وقال
خليه يكمل.
السواق بص ناحيتي وقال
الكلام عن الولاد كان موجود… لكن بعده بدقائق، الحوار اتغير.
بلع ريقه، وكمل
سمعت حد بيقول لازم الجوازة تتم بسرعة… قبل ما حد من بره يعرف بموضوع الورث.
حمايا خبط بإيده على الترابيزة.
كفاية كدب!
السواق هز راسه وقال
وده مش كل اللي سمعته.
كل الأنظار اتثبتت عليه.
قال
سمعت كمان اسم شخص المفروض مكنش يعرف أي حاجة عن الموضوع.
قلبي دق بعنف.
مين الشخص ده؟
السواق مد إيده في جيبه، وطلع ورقة صغيرة.

وقال
أنا كتبت الاسم يومها… عشان كنت حاسس إن اللي سمعته هيعمل مصيبة.
فتح الورقة ببطء…
وبص للشخص الموجود في البيت قبل ما ينطق.
لكن قبل ما يقول الاسم…
انطفأت الكهرباء فجأة.
غرق البيت كله في ظلام تام.
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت حد بيجري جوه البيت، وبعده صوت صرخة قوية من إحدى الغرف.

ولما الضابط شغّل الكشاف واتجهنا ناحية الصوت…
لقينا الورقة اللي كان فيها الاسم ممزقة على الأرض…
أما السواق…
فكان اختفى من وسطنا كأنه تبخر، من غير ما حد يشوف خرج إزاي صرخت بكل قوتي
الفلاشة!
خرج الكل يجري ناحية العربية.
صوت الكاوتش وهو بيحتك بالأرض دوّى في المكان، والعربية انطلقت بأقصى سرعة.
جوزي حاول يلحقها بعربيته، لكن بعد دقائق رجع وهو مخنوق من الغضب.
خبط على الدركسيون بإيده وقال
هرب.
الحاج سالم كان واقف ساكت، لكن الغريب إنه ما بانش عليه الذعر زي الباقي.

بصيتله باستغراب وقلت
إنت هادي كده ليه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
لأن اللي اتسـ,ـرق… مش كل الحقيقة. كل اللي في البيت بصوا له.
حمايا قال بعصبية
يعني إيه؟
الحاج سالم مد إيده في جيبه، وطلع ورقة صغيرة مطوية.
وقال
قبل ما أجيب الفلاشة من الأمانة، نسخت أهم اللي فيها بخط إيدي… تحسبًا لأي غدر.
شهقت.
أما جوزي فبدا عليه الارتباك لأول مرة.
قال بسرعة
هات الورقة.
الحاج سالم ضمها في إيده وقال
لا.
وفي اللحظة دي، سلفتي اتكلمت لأول مرة من ساعة ما دخلت.
قالت وهي بتبكي
خلاص… كفاية.
كلنا بصينا لها.
كانت دموعها بتنزل بغزارة، وصوتها بيرتعش.

قالت
أنا تعبت.
حمايا صرخ فيها
اسكتي.
لكنها هزت راسها بعنف.
لا… المرة دي مش هسكت.
اتقدمت ناحيتي، وبصتلي في عيني.
وقالت
صدقيني… أنا ما طلبتش من كريم يتجوزني.
لفت ناحية جوزي وقالت
أنت اللي جيتلي أول مرة وقلت إن ده الحل الوحيد.
جوزي رفع صوته
إنتِ بتقولي إيه؟
ردت وهي منهارة
الحقيقة.
سكتت لحظة، ومسحت دموعها، ثم كملت
أنا رفضت في الأول… أكتر من مرة.
الكلمات نزلت عليّ كالصاعقة.
بصيت لجوزي.
كان واقف ساكت… ولا كلمة.

سلفتي
كملت
وبعدها… بدأوا يقنعوني إن ده واجب، وإنه عشان الولاد، وإن مفيش حل تاني.
حمايا قاطعها بغضب
انتي مش فاهمة بتعملي إيه!
قالت وهي بترجع لورا
بالعكس… أنا أخيرًا فهمت.
وفي اللحظة دي، مد الحاج سالم الورقة ناحيتي وقال
اقري أول سطر.
فتحتها بإيد مرتعشة.
كان مكتوب بخط واضح
إذا اختفت الرسالة الأصلية، فاعلموا أن من أخفاها هو أول شخص سيستفيد من عدم ظهور الحقيقة…
وقبل ما أكمل باقي السطور، سمعنا صوت سيارة شرطة تقف أمام البيت، ونزل منها ضابط

ومعاه شخص مجهول، أول ما دخل البيت بص للحاج سالم وقال
الحمد لله إننا لحقناك… لأن في حد اعترف بحاجة قلبت القضية كلها.
وساد صمت ثقيل… بينما كل الأنظار اتجهت نحو الرجل المجهول، الذي كان يخفي وجهه، واستعد للكشف عن اعتراف قد يغيّر كل شيء… دون أن يعرف أحد ماذا سيقول الضابط جرى أول واحد ناحية الباب الخلفي.
اقفلوا كل المخارج!
البيت كله اتحول لفوضى.
أنا فضلت واقفة مكاني، عيني على قصاصات الورقة المرمية على الأرض.
انحنيت بسرعة ولمّيت اللي قدرت عليه قبل ما حد يدوس عليها.

كانت معظمها ممزقة، لكن في قصاصة صغيرة لسه باين فيها آخر حرفين من الاسم…
…يم
بصيت فيها وأنا بحاول أجمعها في دماغي.
كريم؟
تميم؟
إبراهيم؟
ولا اسم تاني؟
في نفس اللحظة، رجع الضابط وهو متضايق.
قال ملقيناش حد… كأنه كان حافظ البيت.
الحاج سالم رد بهدوء يبقى أكيد مش أول مرة يدخله.
الجملة دي خلت الكل يبص لبعضه.
سلفتي كانت قاعدة في ركن الأوضة بتعيط، وفجأة قالت
أنا عرفت.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2