جوزى قالى بمنتهى الهدوء

أنا بعمل الصح.
قولت
الصح بالنسبة لمين؟
قال
للعيلة.
ضحكت ضحكة كلها قهر.
وأنا؟
مش من العيلة؟
مش الست اللي شالت معاك التعب؟
مش اللي وقفت جنبك؟
فضل ساكت.
ولأول مرة في حياتي حسيت إني بتكلم مع شخص معرفوش بقلم حكايات منال علي
من يومها وأنا بحاول أقنعه يراجع نفسه.
مرة أتكلم بالعقل.
مرة أبكي.
مرة أسكت.
ولا حاجة كانت بتفرق.
بالعكس… كل يوم كان حماسي للرفض بيقابله هو بحماس أكبر للجواز.
بقى بيتكلم عن الموضوع كأنه عريس لأول مرة.

يسأل عن الشقة.
وعن تجهيز الأوضة.
وعن مستقبل الولاد.
ولا مرة سأل نفسه عن مستقبلي أنا.
أنا اللي كل يوم بمـ,ـوت ألف مرة.
الغريبة إن البيت كله كان مؤيد.
حماتي تقول
ده خير.
حمايا يقول
دي مصلحة العيال.
حتى بعض قرايبهم بقوا يقولولي
احتسبي… ده شرع ربنا.
ولا حد سألني أنا مستحملة ولا لأ.
ولا حد قال دي ست ليها قلب.
وفي يوم، بعد نقاش طويل، بصلي جوزي وقال الكلمة اللي كسرتني
أنا خلاص أخدت قراري.
بصيتله وأنا برتعش.

قال بمنتهى البرود
يا إما توافقي… يا إما نطلق.
حسيت الأرض بتلف بيا بقلم حكايات منال علي
الكلمة نزلت على قلبي كأنها سـ,ـكينة.
أنا؟
بعد كل الحب ده؟
بقيت مجرد اختيار؟
فضلت أبصله وأنا مش قادرة أصدق إن الراجل اللي كان زمان يقول لي إنتِ الدنيا كلها، هو نفسه اللي بيخيرني النهارده بين وجع عمر… أو نهاية جوازنا.
لكن الصدمة الأكبر… ما كانتش كلمته بقلم حكايات منال علي
الصدمة كانت لما رن تليفونه قدامي، ولمحت اسم المتصل على الشاشة…
سلفتي.

ولما رد عليها، قال بابتسامة عمري ما شفتها على وشه من سنين
متقلقيش… خلاص، كل حاجة هتتم زي ما اتفقنا.
وفي اللحظة دي… حسيت إن فيه سر أكبر بكتير من مجرد جوازة… وساعتها عرفت إن اللي جاي أخطر بكتير مما كنت متخيلة بقلم حكايات منال علي
فضلت واقفة مكاني، إيدي بتترعش، وعيني معلقة في وشه وهو بيقفل المكالمة بكل هدوء… كأن اللي قاله من شوية ما هزّش بيت كامل.
بصيتله وقلت بصوت مخنوق إيه اللي هيتم زي ما اتفقتوا؟
لف ناحيتي بسرعة، واتغيرت ملامحه أول ما عرف إني سمعت آخر الجملة.

قال وهو بيحاول يبان طبيعي مفيش… كانت بتسأل على ميعاد قعدة العيلة.
هزيت راسي وأنا ببصله في عينه. لا… دي مش طريقة واحد بيرد على أرملة أخوه.
سكت.
وأول مرة… سكوته كان اعتراف أكتر من أي كلام.
من يومها، قررت أبطل عياط.
قولت لنفسي لو فيه حاجة مستخبية، لازم أعرفها بعقلي، مش بدموعي.
تاني يوم، بلغني إنه رايح بيت أهله بعد الشغل.
هزيت راسي وقلت ماشي.
لكن أول ما نزل… لبست بسرعة، وركبت تاكسي وراه.
فضلت العربية ماشية وراه لحد ما وصلت الشارع اللي فيه بيت أهله.

لكن المفاجأة…
هو معداش على البيت أصلاً.
كمل بالعربية لحد شارع تاني خالص، ووقف قدام مكتب محامي.
نزل بسرعة، وبعد دقايق نزلت سلفتي هي كمان من تاكسي تاني.
قلبي دق بعنف.
ليه الاتنين في مكتب محامي؟
استنيت بره أكتر من ساعة.
ولما خرجوا… كان مع كل واحد فيهم ملف بني كبير.
كانوا بيتكلموا بهدوء، وسلفتي قالت جملة خلتني أتجمد
المهم الورق يخلص قبل آخر الشهر.
رد عليها متقلقيش… كله هيبقى باسم اللي اتفقنا عليه.
وركب كل واحد عربيته ومشي.
رجعت البيت وأنا ألف سؤال بيلف في دماغي.

ورق إيه؟
وباسم مين؟
وليه السرية دي كلها؟
فضلت طول الليل مستنية يرجع.
أول ما دخل، حط الملف في الدولاب بسرعة، وقفل عليه بالمفتاح.
دي أول مرة في عمره يقفل درج أو دولاب عليا.
اتأكدت إن الملف ده هو بداية كل حاجة.
استنيت لما نام.
ولما اتأكدت إن نفسه بقى منتظم…
قمت على أطراف صوابعي.
بدأت أفتش في هدومه، يمكن ألاقي المفتاح.
وبالفعل…
لقيته في جيب الجاكيت.
قلبي كان بيدق لدرجة حسيت إنه هيصحى عليه.
فتحت الدولاب…
وسحبت الملف بهدوء.

لكن قبل ما أفتحه…
سمعت صوته ورايا فجأة، وهو بيقول بنبرة خلت الدم يجمد في عروقي
بتدوري على إيه؟!اتجمدت في مكاني.
الملف كان لسه في إيدي، والمفتاح وقع على الأرض بصوت خفيف، لكن في اللحظة دي الصوت كان بالنسبالي زي انفجار.
لفيت ناحيته ببطء.
كان واقف عند باب الأوضة، باصصلي بنظرة عمري ما شفتها في عينه.
نظرة كلها شك… وغضب.
حاولت أتماسك وقلت بدور على الحقيقة.
قرب مني خطوة.
ومد إيده وقال هاتي الملف.
حضنته لصدرى وقلت مش قبل ما أعرف إيه اللي مستخبيه عني.

فضل يبصلي ثواني، وبعدها قال بنبرة هادية بشكل غريب صدقيني… لو فتحتيه دلوقتي، حياتنا كلها هتتغير.
ضحكت بمرارة.
هي لسه فيها حاجة تتغير؟
وفجأة…
مد إيده وخطف الملف من بين إيديا.
لكن وأنا بشده منه، ورقة وقعت على الأرض.
بصينا عليها أنا وهو في نفس اللحظة.
هو انحنى بسرعة عشان ياخدها، لكني كنت أسرع.
خدتها قبل ما يلمسها.
كانت صورة لعقد… وعليه اسم سلفتي.
لكن اللي شد انتباهي مش اسمها…
اللي شدني خانة تانية مكتوب فيها
تنازل…
قبل ما أكمل قراءة السطر، خطف الورقة مني ومزقها نصين.

صرخت فيه إنت بتخبي إيه؟!
قال بعصبية لأول مرة فيه حاجات لو عرفتيها دلوقتي هتبوظ كل حاجة!
قلت كل حاجة باظت من يوم ما خيرتني بين الجواز والطلاق.
خرج من الأوضة وسابني، لكنه نسي حاجة مهمة…
لما شد الورقة واتمزقت، جزء صغير منها وقع تحت السرير.
استنيت لحد ما خرج من البيت تاني يوم.
ونزلت على ركبي أفتش تحت السرير.
طلعت القصاصة الصغيرة.
كانت جزء من الورقة الممزقة.
وفيها كام كلمة بس…
…التنازل عن…
…نصيب…
…الورثة…
حسيت إن الموضوع مش مجرد جوازة خالص.
فيه ورث.

وفيه أوراق.
وفيه حاجة كبيرة مستخبية عني.
وفي نفس اليوم، وأنا بحاول أفهم، رن جرس الباب.
فتحت…
اتفاجئت براجل كبير في السن، لابس بدلة قديمة، وقال أول ما شافني
حضرتك مدام…؟
هزيت راسي.
بص حواليه يتأكد إن محدش سامع، وبعدين قال بصوت واطي
أنا كنت شغال عند والد جوزك… وجيت أحذرك قبل فوات الأوان… لأن الجوازة دي مش هدفها الأطفال زي ما قالولك…
واتلفت مرة تانية، وكمل بصوت مرتعش
هدفها حاجة أخطر بكتير…بصيتله وأنا حاسة إن رجليا مش شيلاني.
قلت بسرعة اتفضل… ادخل.

هز راسه برفض، وبص ناحية آخر الشارع كأنه خايف حد يشوفه.
قال بصوت واطي لا… لو شافوني واقف عندك هيعرفوا إني اتكلمت.
سألته بلهفة مين هما؟
رد بعد تردد اللي بيخططوا للجوازة.
الكلمة وقعت على قلبي تقيلة.
قلت يعني الموضوع متخطط له من زمان؟
هز راسه وقال من قبل ما أخو جوزه يتوفى حتى.
اتسعت عيني من الصدمة.
إيه؟! إنت بتقول إيه؟
قال بسرعة أنا مش معايا وقت… اسمعيني كويس. أبو جوزك جمع العيلة كلها من كام شهر، ومن يومها وهم بيدوروا على طريقة يخلوا كل حاجة تفضل جوه العيلة.

قلت بعصبية كل حاجة إيه؟
طلع ظرف أصفر قديم من تحت الجاكيت، وناولهولي.
الظرف ده احتفظت بيه من سنين… يمكن النهارده بس عرفت ليه.
خدته وأنا مستغربة.
كان مقفول بشمع أحمر قديم، ومكتوب عليه بخط إيد لا يُفتح إلا عند الضرورة.
قبل ما أسأله أي سؤال، سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
لف الراجل بسرعة، واتغير لون وشه.
قال وهو بيرجع خطوتين خبي الظرف… ومتقوليش لحد إنك شفتيني.
وجري في آخر الشارع.
وفي نفس اللحظة، نزل جوزي من العربية.

أول ما شافني واقفة على الباب، بص حواليه وسألني كان مين اللي واقف معاكي؟
حاولت أخبي ارتباكي وقلت حد سأل على عنوان.
فضل يبصلي ثواني طويلة… كأنه مش مصدق.
وفجأة قال افتحي شنطتك.
قلبي دق بعنف.
لأن الظرف كان لسه جواها.
قلت ليه؟
قال بنبرة حاسمة افتحيها.
مسكت الشنطة بإيدي الاتنين، وأنا حاسة إن لو شاف الظرف هيعرف كل حاجة.
وفي اللحظة دي بالذات…
رن تليفونه.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
كان المتصل… سلفتي.
رد بسرعة، وأول ما سمع صوتها قال بقلق إيه؟! إزاي خرج من عندكم؟!

سكت لحظة وهو بيسمعها، وبعدها بصلي نظرة مرعبة، وقال
خليكي مكانك… أنا جاي حالًا.
وركب العربية وانطلق بأقصى سرعة، وسابني واقفة قدام البيت، والظرف في شنطتي… وأنا لأول مرة أحس إن الراجل العجوز اللي سلمني الظرف بقى في خطر، وإن اللي مكتوب جواه ممكن يقلب حياة العيلة كلها. .. لكني لسه ماكنتش أعرف إن مجرد فتح الظرف هيكشف اسم شخص، محدش في البيت كان يتوقع أبدًا إنه يكون وراء كل اللي بيحصل فضلت واقفة أبص للعربية وهي بتختفي من آخر الشارع.
إيدي كانت ماسكة الشنطة بقوة، والظرف جواها كأنه نار.

دخلت البيت بسرعة وقفلت الباب، وسندت ضهري عليه.
كل حاجة جوايا كانت بتقولي افتحيه.
لكن في نفس الوقت كنت خايفة… خايفة أعرف حقيقة عمري ما هقدر أنساها.
بعد دقائق من التردد، كسرت ختم الشمع بحذر.
جوا الظرف كان فيه ورق قديم، وصورة عائلية باهتة، وخطاب مكتوب بخط إيد.
بدأت أقرأ.
إذا وصل الخطاب ده لحد من أولاد العيلة، يبقى اعرفوا إن فيه أمانة لازم تترد لصاحبها…
اتسعت عيني.
قلبت الصفحة بسرعة.
كان الكلام كله عن قطعة أرض كبيرة، وأسهم في شركة قديمة، وأسماء الورثة المستحقين.

لكن الغريب…
اسم أخو جوزي المتوفى كان متشطب عليه بخط أحمر.
وتحته ملاحظة بخط مختلف
في حالة زواج الأرملة من خارج العائلة، تنتقل حصتها القانونية…
وقبل ما أكمل السطر، سمعت صوت مفتاح الباب.
قفلت الورق بسرعة وحطيته تحت المخدة.
دخل جوزي وهو بيتنفس بسرعة، وكأنه راجع من خناقة.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2