جوزى قالى بمنتهى الهدوء

كلنا بصينا لها.
قالت وهي بتمسح دموعها
الشخص اللي خطف الفلاشة… هو نفسه اللي كان بيراقب البيت من أسبوع.
جوزي اتفاجئ وقال
عرفتي منين؟
ردت لأني شفته.
سكتت ثواني، ثم كملت
كان بيقف كل يوم بالعربية البيضا آخر الشارع… ولما سألت كريم مين ده، قالي متشغليش بالك.
لفيت ناحية جوزي.
الكلام ده صحيح؟
اتردد قبل ما يرد.
وقال …كان فاكرينه تبع شركة تأمين.
الحاج سالم ابتسم بسخرية.
ولا شركة تأمين… ولا غيره.
ثم طلع من جيبه مفتاحًا صغيرًا جدًا، وقال
في حاجة أنا مأجلها من سنين.

بصيتله باستغراب.
قال فيه خزنة قديمة في بيت والد جوزك… محدش فتحها من يوم وفاة صاحبها.
حمايا اتغير وشه وقال بعصبية
الخزنة دي فاضية.
رد الحاج سالم بسرعة
لو كانت فاضية… كنت رميت مفتاحها من زمان.
ساد صمت ثقيل.
الحاج سالم حط المفتاح في كف إيدي، وقال
اللي جواها هو آخر دليل.
جوزي قرب بسرعة وقال
اديني المفتاح.
لكن الحاج سالم رجع خطوة وقال
المفتاح ده أمانة… وهي صاحبة الحق إنها تفتحه.
قبل ما حد يتكلم، سمعنا صوت موبايل الحاج سالم.
رد، وسكت وهو بيسمع.

بعد ثوانٍ، شحب وجهه.
قفل المكالمة، وبص لنا جميعًا، وقال بصوت منخفض
الخزنة… حد سبقنا وفتحها من أقل من ساعة.
وفي اللحظة نفسها، وصل على موبايل الحاج سالم صورة من رقم مجهول…
فتحها، فاتجمد مكانه.
مدلي الموبايل من غير ما يتكلم.
بصيت في الصورة…
ولقيت باب الخزنة مفتوحًا على آخره…
وفي وسطها ورقة واحدة فقط، مكتوب عليها بخط كبير
تأخرتوا…وقفت أبص للصورة، وحسيت إن كل حاجة ضاعت.
لكن الحاج سالم ابتسم لأول مرة.
قلتله باستغراب بتبتسم ليه؟

قال بهدوء لأن اللي دخل الخزنة افتكر إن الدليل الوحيد كان فيها… وهو ميعرفش إن صاحب الوصية كان أذكى من كده.
فتح جيب الجاكيت، وطلع ظرفًا صغيرًا مختومًا.
وقال دي النسخة الأخيرة… احتفظت بيها بناءً على طلب المرحوم، ومحدش كان يعرف بوجودها.
فتح الظرف قدام الضابط.
كان فيه الوصية الأصلية، ورسالة بخط المرحوم.
بدأ الضابط يقرأ
أوصي ألا يُجبر أحد على الزواج حفاظًا على مال أو ميراث، وأي محاولة لاستغلال وفـ,ـاة ابني للضغط على أرملته أو على أي فرد من العائلة تُعد مخالفة لوصيتي.

أم أولادي هي صاحبة القرار في حياتها، وحقوق أحفادي محفوظة بالقانون، ولا يملك أحد التصرف فيها.
ساد صمت طويل.
حمايا نزل بعينيه في الأرض.
وجوزي كان واقف، مش قادر ينطق.
بصيتله وقلت
يعني كل اللي عملته… كان باختيارك.
ما ردش.
سلفتي انفجرت في البكاء وقالت
أنا كنت فاكرة إني بحمي ولادي… وطلعوا بيستغلوا خوفي.
قرب منها الضابط وقال
متقلقيش… حقوق ولادك محفوظة، ومحدش يقدر يجبرك على أي جواز.
الحاج سالم سلّم الوصية للضابط، وقال
دلوقتي الحقيقة بقت في إيد القانون.

خرج حمايا من البيت من غير ما يبص لحد.
أما جوزي، فقرب مني وقال بصوت مكسور
سامحيني… كنت فاكر إني بعمل الصح.
بصيتله بهدوء، والدموع في عيني.
وقلت
الصح عمره ما يبدأ بتهديد، ولا بابتزاز، ولا بكسر قلب إنسانة وقفت جنبك سنين.
سكت، وعرف إن مفيش كلام هيصلح اللي اتكسر.
بعد أسابيع، أنهينا إجراءات الطلاق بهدوء.
سلفتي رفضت فكرة الجواز نهائيًا، وبدأت تعتمد على نفسها، وأخدت حق ولادها كامل تحت إشراف المحكمة.
أما أنا…
رجعت أبني حياتي من جديد.

كان صعب أبدأ من الصفر، لكني اكتشفت إن النهاية اللي كنت بخاف منها، كانت في الحقيقة بداية لحياة أهدى وأكرم.
وبعد شهور، وأنا ماشية في الشارع، قابلت الحاج سالم.
ابتسم وقال
عارفة أكبر درس في اللي حصل؟
ابتسمت وسألته إيه هو؟
قال
الشرع عمره ما كان سبب الظلم… اللي بيظلم هو الإنسان لما يستخدم الدين علشان يبرر رغباته.
هزيت رأسي وأنا حاسة إن الحمل اللي كان فوق قلبي أخيرًا اتشال.
ومشيت وأنا متأكدة إن الكرامة، مهما كان ثمنها، عمرها ما كانت خسارة… بل كانت أعظم مكسب في حياتي.
تمت.

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2