والتانية ردت: “دي كانت ست محترمة… استحملت كتير.” الكلام وصل لأهله. أمه اتصلت بيه. وقالت بعصبية: “يعني إيه مراتك سابت البيت؟” قال بضيق: “هي اللي مشت.” قالت: “وأولادك؟” سكت. لأنه لأول مرة… افتكر إن البيت بقى فاضي. مفيش حد بيصحّي الولاد. مفيش حد بيذاكر لهم. مفيش صوت ضحكتهم. حتى لعبهم… اختفت. أما أنا… فكنت بلف على مدارس قريبة من الشقة الجديدة. علشان أنقل الولاد. مديرة المدرسة سألتني: “الأب هييجي يمضي؟” ابتسمت بهدوء. وقلت: “لو استنيته…
ولادي هيضيع مستقبلهم.” كانت أول مرة… أنطق الجملة دي… وأحس إني قوية. بعد الضهر… روحت مكتب محامي. حكيتله كل حاجة. قرأ عقد الجواز. وسألني: “إنتِ عايزة إيه؟” قلت من غير تردد: “أنا مش جاية أعيط. ولا جاية أرجعه. أنا جاية أعرف حقوق ولادي… وأضمن مستقبلهم.” ابتسم المحامي. وقال: “أخيرًا… بدأتي تفكري بعقلك.” وفي الناحية التانية… كان أحمد قاعد في أوضة نومه لوحده. بيبص على السرير الفاضي. ولأول مرة من سنين… اكتشف إن البيت اللي كان مليان حياة…
بقى ساكت. لكن اللي ماكانش يعرفه… إن المفاجأة الأكبر… كانت مستنياه بعد أقل من أربع وعشرين ساعة. لأن الشخص اللي كان فاكر إنها هتفضل مستحملة طول عمرها… كان على موعد مع خبر… هيقلب حياته كلها. تاني يوم الصبح… كان أحمد لسه صاحي… وعيونه باينة عليها السهر. موبايله رن. بص للشاشة. لقى الرقم بتاع البنك. رد بضيق: “ألو.” الموظف قال باحترام: “صباح الخير يا أستاذ أحمد… حضرتك عندك قسط متأخر، ولو ما اتسدّدش خلال أيام هتبدأ الإجراءات القانونية.”
اتعصب وقال: “أكيد في غلطة… القسط بيتخصم كل شهر.” رد الموظف: “الخصم كان بيتم من الحساب اللي حضرتك حددته… لكن الحساب بقاله يومين مافيهوش رصيد كافي.” قفل المكالمة وهو مستغرب. فتح التطبيق. اتفاجئ إن الرصيد قليل جدًا. فضل يقلب في المعاملات. وافتكر إن مريم كانت هي اللي بتنظم كل مصاريف البيت. هي اللي كانت بتدفع الأقساط في مواعيدها. وهي اللي كانت بتوفر من مصروف البيت علشان عمره ما يتزنق. لكن عمره ما شكرها. ولا حتى سألها كانت بتعمل ده إزاي.
في نفس الوقت… خطيبته الجديدة كلمته. وقالت بدلع: “حبيبي… خلصت حجز القاعة؟” قال بضيق: “لسه.” قالت: “طب الشبكة؟” قال: “مش دلوقتي.” استغربت من طريقته. وقالت: “مالك؟” رد بعصبية: “قلتلك مش دلوقتي.” وقفلت وهي متضايقة. أما مريم… فكانت قاعدة مع ولادها على سفرة صغيرة. بيفطروا فول وجبنة. الأكل بسيط. لكن الضحك كان مالي المكان. ابنها الصغير قال: “ماما… هنا أحلى من البيت الكبير.” ابتسمت وسألته: “ليه يا حبيبي؟” قال وهو بيضحك: “علشان محدش بيزعق.” الكلمة دخلت قلبها.
لكنها خبت وجعها بابتسامة. بعد الفطار… رنت عليها صاحبتها القديمة “سلمى”. أول ما سمعت صوتها قالت: “إنتِ كويسة؟” ردت مريم: “أول مرة من سنين… أقدر أقول أيوه.” سلمى سكتت شوية… وبعدين قالت: “أنا عندي عرض شغل ليكي.” استغربت. “شغل إيه؟” قالت: “الشركة اللي بشتغل فيها محتاجة مديرة حسابات… وأنا فاكرة إنك كنتِ شاطرة جدًا قبل الجواز.” مريم اتنهدت. قالت: “بقالى خمس سنين بعيدة عن الشغل.” سلمى ردت بثقة: “الشطارة عمرها ما بتضيع.” قفلت المكالمة… وقلبها لأول مرة يحس إن فيه باب بيتفتح.
في الناحية التانية… أحمد كان رايح يقابل خطيبته. أول ما قعدوا… قالت له: “بالمناسبة… بعد الجواز أنا مش هقعد في شقتك.” استغرب. “ليه؟” قالت وهي بتشرب العصير: “الشقة قديمة… وأنا متعودة على مستوى معين.” سألها: “يعني عايزة إيه؟” ابتسمت وقالت بمنتهى البساطة: “نبيع الشقة… ونشتري فيلا.” بصلها في صدمة. وقال: “أبيع الشقة؟” قالت: “طبعًا… هو إحنا هنعيش في المكان اللي كانت عايشة فيه مراتك؟” في اللحظة دي… افتكر كل ركن في البيت. وافتكر إن مريم هي اللي كانت مصممة المطبخ.
وهي اللي اختارت العفش. وهي اللي دفعت من شقاها في حاجات كتير… من غير ما تطلب منه كلمة شكر. لكن الأوان… كان بدأ يفوته. ولسه… ماكانش يعرف إن مريم في اليوم التالي… هتعمل خطوة… هتخليه يفهم لأول مرة… إن الست اللي كان فاكرها ضعيفة… كانت طول عمرها أقوى مما تخيل. اليوم اللي بعده… لبست مريم هدوم بسيطة. وسابت الولاد مع صاحبتها سلمى ساعتين. وراحت الشركة. وقفت قدام المبنى… واتنهدت. آخر مرة دخلت المكان ده… كانت قبل جوازها بخمس سنين.
وقت ما أحمد قالها: “إحنا مش محتاجين شغلك… اقعدي في البيت وريحي دماغك.” ويومها… استقالت. افتكرته بيحافظ عليها. لكن بعد السنين… اكتشفت إنه كان بيبعدها عن أي استقلال. دخلت الشركة. الموظفين القدامى بصوا لها باستغراب. واحدة منهم قامت حضنتها. وقالت: “مريم؟! إنتي بجد؟” ابتسمت وقالت: “رجعت أدور على نفسي.” دخلت مقابلة العمل. مدير الشركة بص في سيرتها. وقال: “آخر خبرة ليكي من خمس سنين.” هزت راسها. وقال بهدوء: “ودي نقطة ضدك.” مريم ابتسمت. وقالت بثقة:
“صح… بس خلال الخمس سنين دول… أنا كنت بدير بيت كامل… وبنظم مصاريفه… وبربي تلات أطفال… ومن غير ما أغرق في الديون.” المدير سكت. وبعدين ابتسم. وقال: “واضح إن الخبرة العملية لسه موجودة.” قعدوا أكتر من ساعة. وفي آخر المقابلة… مد إيده يصافحها. وقال: “مبروك يا أستاذة مريم… تقدري تستلمي شغلك من أول الأسبوع الجاي.” وقفت مكانها… مش مصدقة. أول مرتب. أول بداية جديدة. أول مرة تحس… إنها واقفة على رجليها. خرجت من الشركة… وأول حد كلمته…
كان ولادها. قالت وهي بتضحك: “جهزوا نفسكم… النهارده هنتغدى برة.” الأطفال صرخوا من الفرحة. وفي الناحية التانية… كان أحمد قاعد مع خطيبته في محل دهب. البياع حط قدامهم كذا طقم. البنت اختارت أغلى واحد. وقالت: “ده عاجبني.” سأل أحمد عن السعر. أول ما سمع الرقم… شهق. وقال: “غالي أوي.” ردت ببرود: “هو أنا هلبس أي حاجة؟” قال: “ممكن نشوف حاجة أقل.” اتغير وشها. وقالت: “يعني مع مراتك الأولى كنت كريم… ومعايا بتحاسب؟” فضل ساكت. لأن الحقيقة…
إن مريم عمرها ما طلبت شبكة غالية. ولا شنطة ماركة. ولا سفريات. كانت كل أمنيتها… بيت هادي. ورجل يحترمها. خرج من المحل وهو مخنوق. أول ما ركب عربيته… شاف صورة قديمة على شاشة الموبايل. هو… ومريم… وأولادهم… في أول رحلة ليهم. كانوا كلهم بيضحكوا. فضل يبص للصورة شوية… وبعدين قفل الشاشة بسرعة. كأنه بيهرب من إحساس بدأ يطارده. إحساس… إنه هو اللي ضيع عيلته بإيده. أما مريم… فكانت قاعدة وسط ولادها في مطعم بسيط. كل واحد بيحكيلها نفسه يبقى إيه لما يكبر.
الكبير قال: “أنا هبقى دكتور.” والتاني قال: “أنا هبقى مهندس.” أما الصغير… فحضنها وقال: “وأنا… هشتغل أي شغل… بس أوعدك أخليكي مبسوطة يا ماما.” الكلمة دي… كسرت قلبها من كتر ما فرحتها. حضنته بقوة. وقالت وهي بتحاول تمنع دموعها: “إنتوا مش محتاجين تعملوا حاجة غير إنكم تكبروا كويس… وساعتها هكون أسعد أم في الدنيا.” وفي نفس اللحظة… كان هاتف أحمد بيرن. المتصل… المأذون. رد بسرعة. لكن أول جملة سمعها… خلت ملامحه تتغير تمامًا. وقال بدهشة:
“إيه؟ يعني هي رافضة تكمل الجواز؟!” وسكت… لأن اللي سمعه بعد كده… كان بداية صدمة جديدة… يتبع أحمد اتجمد مكانه… وقال للمأذون: “إزاي يعني رافضة؟” رد المأذون بهدوء: “الآنسة اتصلت من نص ساعة… وقالت إن الفرح متلغي.” أحمد قام وقف. وقال بعصبية: “أكيد في سوء تفاهم.” رد المأذون: “دي قالتها بنفسها… وقالت إنها هتبعت حد يسترد المقدم.” وقفل الخط. أحمد حس إن الأرض بتميل بيه. ركب عربيته بأقصى سرعة. ووصل عند بيت خطيبته. خبط الباب بعنف.
فتحت له أمها. وقالت ببرود: “اتفضل.” دخل وهو بيدور عليها. لقاها قاعدة في الصالون… بكل هدوء. قال بغضب: “إيه اللي سمعته ده؟” رفعت عينيها ناحيته. وقالت: “صح.” “أنا لغيت الجواز.” اتصدم. وقال: “ليه؟” ابتسمت ابتسامة خفيفة. وقالت: “أنا كنت فاكرة إنك راجل مرتاح.” “لكن من ساعة ما مراتك مشيت… وأنت كل يوم في مشكلة.” “مرة البنك.” “ومرة أقساط.” “ومرة حضانة الولاد.” “ومرة مصاريف.” “وأنا مش داخلة أتجوز وجع دماغ.” بصلها بعدم تصديق. وقال: “يعني إنتي سيباني علشان الفلوس؟”
ردت من غير كسوف: “أنا عمري ما قلت إني هعيش حياة أقل من اللي متعودة عليها.” “وأهو… كل واحد بيدور على مصلحته.” الكلمة دي… رجعتله مشهد قديم. لما مريم قالتله وهي بتعيط: “أنا كل اللي طالبه إنك تحافظ على بيتنا.” وقتها… هو اللي اختار مصلحته. خرج من البيت… وهو مش شايف قدامه. أول مرة… يحس إنه خسر. مش الجواز الجديد بس… لا… خسر احترامه لنفسه. … في الناحية التانية… كانت مريم خلصت أول يوم تدريب في الشغل.
رجعت البيت. ولقت ولادها مستنينها على الباب. أول ما شافوها… جروا عليها. الصغير حضن رجلها. وقال: “وحشتينا يا ماما.” ضحكت وهي شايلة الشنط. وقالت: “ده أنا غبت كام ساعة بس.” الكبير قال بفخر: “إحنا رتبنا البيت.”