جوزى قالى انه هيتجوز عليا

دخلت. بصت حواليها. الشقة الصغيرة… بقت فيها روح. كل واحد عامل حاجة بإيده. رسمة متعلقة على الحيطة. زرعة صغيرة على الشباك. ولعبة مترتبة في مكانها. حست لأول مرة… إن البيت مش بمساحته. البيت… بالراحة اللي فيه. … بعد أسبوع… استلمت أول مرتب. مسكت الظرف بإيديها. وعينيها دمعت. افتكرت اليوم اللي أحمد قالها فيه: “إنتِ من غيري ملكيش قيمة.” ابتسمت. وهمست لنفسها: “الحمد لله… طلع ليا قيمة… بس أنا اللي كنت ناسية.” اشترت للولاد هدوم جديدة.

وجابت لكل واحد اللعبة اللي كان نفسه فيها. أما هي… فاشترت لنفسها فستانًا بسيطًا. وقفت قدام المراية. وقالت وهي بتبتسم: “أهو يا مريم… رجعتي تفتكري نفسك.” وفي نفس الليلة… رن جرس الباب. فتحت. اتجمدت مكانها. لأن أحمد… كان واقف قدامها. وشه مرهق. ودقنه طالعة. وعينيه مليانين ندم. بصلها ثواني طويلة… وقال بصوت مكسور: “مريم… ممكن نتكلم خمس دقايق؟” هي ما ردتش. لكن ولادها خرجوا من وراها. وأول ما شافوه… جروا عليه وهم بيصرخوا: “بابا!” أما مريم…

فوقفت مكانها… تعرف إن اللحظة دي… هتحدد شكل حياتهم كلهم. لكنها كانت عارفة حاجة واحدة بس… إن مريم اللي خرجت من البيت من أسبوع… مش هي نفس مريم اللي واقفة دلوقتي قدامه. الجزء التالي الولاد جريوا على أحمد… الصغير رمى نفسه في حضنه. وقال بفرحة: “بابا… إنت جيت!” أحمد حضنه بقوة. وعنيه دمعت. باسهم واحد واحد. وسألهم: “عاملين إيه يا حبايب بابا؟” الكبير رد بابتسامة: “إحنا كويسين.” لكن وهو بيقولها… كان باصص على أمه. كأنه مستني منها إشارة.

مريم فضلت واقفة عند الباب. ملامحها هادية. ولا فيها غضب. ولا ضعف. قالت بهدوء: “الولاد يدخلوا جوه.” الكبير فهم. مسك إيد إخواته. وقال: “يلا نسيب بابا وماما يتكلموا.” أول ما الباب اتقفل… فضل أحمد واقف شوية. مش عارف يبدأ منين. قال أخيرًا: “أنا غلطت.” مريم ردت بسرعة: “عارفة.” سكت. كان مستنيها تعيط. أو تعاتبه. أو حتى تشتمه. لكن هدوءها… كان أصعب من أي كلام. قال: “أنا خسرت كل حاجة.” ردت وهي باصة له: “لأ… إنت خسرت الناس اللي كانت بتحبك بجد.”

نزل برأسه. وقال: “البنت سابتني.” مريم ما اتغيرش وشها. ولا حتى سألت مين السبب. قالت: “وده المفروض يهمني؟” اتلخبط. وقال: “أنا افتكرت إني هكون سعيد.” “بس لما دخلت البيت ولقيته فاضي…” “ولما صحيت ومحدش كان بيحضر الفطار…” “ولما رجعت من الشغل ومحدش استناني…” “عرفت قيمة اللي ضيعته.” ابتسمت ابتسامة صغيرة. لكنها ما كانتش شماتة. قالت: “أحمد… إنت فاكر إن المشكلة كانت في الفطار؟” “ولا في الغسيل؟” “ولا في ترتيب البيت؟” هز راسه بالنفي. قالت وهي لأول مرة يبان الوجع في صوتها:

“المشكلة… إنك كسرتني.” “كسرت الست اللي وقفت جنبك من أول جنيه.” “كسرت أم ولادك.” “كسرت ثقتها في نفسها.” “ولما قلتلي إنك هتتجوز… ما فكرتش ثانية واحدة أنا هنام إزاي.” “ولا هصحى إزاي.” “ولا ولادك هيشوفوا أمهم وهي بتنهار.” أحمد دموعه نزلت. وقال: “سامحيني.” مريم بصتله. وقالت بهدوء: “أنا سامحتك بيني وبين ربنا.” “علشان أعرف أكمل حياتي.” “لكن التسامح… مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول.” سكت. ولأول مرة… فهم معنى الجملة دي. قال بصوت مكسور:

“يعني… مستحيل ترجعي؟” مريم أخدت نفس طويل. وقالت: “أنا دلوقتي عندي بيت.” “وعندي شغل.” “وعندي راحة نفسية.” “وربنا كرمني بقوة كنت فاكرة إني فقدتها.” “قولي… إيه اللي هيخليني أرجع لنفس الوجع؟” ما عرفش يرد. فضل ساكت. لأن مفيش إجابة. بعد شوية… قال: “أنا مش جاي أضغط عليكي.” “أنا جاي أطلب فرصة أصلح علاقتي بولادي.” مريم لأول مرة… هزت راسها بالموافقة. وقالت: “دول ولادك.” “وعمري ما همنعهم عن أبوهم.” “بس…” رفع عينه بسرعة. قالت بحزم: “أي زيارة…

تبقى باتفاق.” “مفيش مشاكل قدامهم.” “ومفيش كلام عليا.” “ولو يوم حسيت إن وجودك بيأذيهم…” “هوقف كل حاجة.” قال بسرعة: “أوعدك.” خرج أحمد من الشقة. لكن قبل ما ينزل السلم… لف وبص ناحية الباب. كان نفسه الباب يتفتح. وكان نفسه مريم تناديه. لكن الباب فضل مقفول. أما مريم… قفلت الباب بهدوء. وسندت ضهرها عليه. ونزلت دموعها لأول مرة… مش دموع قهر. لكن دموع نهاية. كانت عارفة… إن أصعب قرار في حياتها… خدته بالفعل. وإن اللي جاي…

هيكون بداية حياة جديدة ليها ولولادها. مر شهر… وبعدين اتنين. وحياة مريم بدأت تتغير حتة حتة. كانت بتصحى الفجر. تصلي. تحضر فطار الولاد. تنزل شغلها. وترجع آخر النهار تعبانة… لكن راضية. كل آخر شهر… كانت تمسك مرتبها. وتحط جزء للمصاريف. وجزء للادخار. وتبتسم. لأنها لأول مرة… حاسة إن تعبها بيرجع لها. أما أحمد… فكان ملتزم بمواعيد زيارة الولاد. كل يوم جمعة. ييجي في معاده. ياخدهم النادي. أو السينما. أو يخرجهم يتمشوا. وفي آخر اليوم… يرجعهم بنفسه.

في البداية… الولاد كانوا فرحانين. لكن مع الوقت… بدأوا يسألوه. ابنه الكبير قال وهو راجع معاه في العربية: “بابا…” رد أحمد: “نعم يا بطل.” قال الولد: “إنت ليه كسرت قلب ماما؟” السؤال نزل عليه كالصاعقة. ماعرفش يرد. قال الولد وهو باصص من الشباك: “أنا كنت بصحى بالليل… وأسمعها بتعيط.” “كنت بعمل نفسي نايم.” “بس كنت سامع كل حاجة.” أحمد وقف العربية على جنب. وحط إيده على وشه. ولأول مرة… اكتشف إن ولاده كانوا شايفين كل حاجة.

وإنهم اتوجعوا… أكتر ما كان متخيل. قال بصوت مخنوق: “أنا غلطت يا حبيبي.” الولد هز راسه. وقال: “إحنا بنحبك.” “بس أوعى تزعل ماما تاني.” … في نفس الأسبوع… مدير الشركة نادى على مريم. أول ما دخلت مكتبه… ابتسم. وقال: “في خبر حلو.” استغربت. قال: “إحنا متابعين شغلك من أول يوم.” “وأثبتِّي إنك تستحقي أكتر.” “قررنا نثبتك في الوظيفة…” “وكمان فيه زيادة في المرتب.” مريم اتفاجئت. وقالت: “بجد؟” ابتسم المدير. وقال: “وده مش كل حاجة.” “إحنا هنرشحك لدورة تدريبية…”

“ولو نجحتي فيها…” “هتبقي مشرفة على القسم كله.” خرجت من المكتب. وكان نفسها تجري. اتصلت بسلمى. وقالت وهي بتضحك: “فاكرة لما قولتيلي الشطارة مبتضيعش؟” ضحكت سلمى. وقالت: “كنت عارفة.” … وفي مساء نفس اليوم… كانت مريم راجعة البيت. ولقت عربية فخمة واقفة قدام العمارة. استغربت. أول ما طلعت… لقيت ست كبيرة مستنياها عند باب الشقة. كانت والدة أحمد. أول ما شافتها… قامت وقفت. وقالت بصوت واطي: “مريم…” مريم ردت باحترام: “اتفضلي.” دخلت الست. بصت حواليها.

الشقة صغيرة. لكن نضيفة. والولاد بيضحكوا. فيه دفا. قعدت شوية ساكتة. وبعدين قالت: “أنا جيت أعتذر.” مريم رفعت عينيها. ماتكلمتش. كملت حماتها وهي دموعها نازلة: “فاكرة يوم ما كلمتيني؟” “وقلتلك استحملي؟” “أنا ظلمتك.” “افتكرت إني بحافظ على بيت ابني.” “لكن الحقيقة…” “أنا ساعدته يهده.” سكتت لحظة. وقالت: “كل يوم بشوفه…” “عرفت إنه مش خسر زوجة وبس.” “ده خسر الإنسانة الوحيدة اللي كانت بتحبه من غير مصلحة.” مريم أخدت نفس طويل. وقالت بهدوء: “الاعتذار شجاعة.” “وأنا مقدرة إنك جيتي.”

“لكن اللي حصل…” “كان أكبر من كلمة آسفة.” هزت الست رأسها. وقالت: “عارفة.” “وعشان كده…” “أنا مش جاية أرجعك له.” “أنا جاية أقولك…” “إني فخورة بيكي.” “وفخورة بالطريقة اللي ربيتي بيها ولادك.” خرجت والدة أحمد… وهي ماسكة دموعها. أما مريم… فوقفت عند الشباك تبص عليها وهي ماشية. وحست إن بابًا قديمًا اتقفل أخيرًا. لكنها ماكنتش تعرف… إن بعد يومين… هيوصلها اتصال من رقم غريب… والخبر اللي هتسمعه… هيفتح قدامها بابًا جديدًا… هيغيّر مستقبلها ومستقبل ولادها بالكامل.

بعد يومين… كان الموبايل بيرن. رقم غريب. مريم بصت للشاشة شوية… وبعدين ردت. “ألو.” جالها صوت راجل هادي. “حضرتك الأستاذة مريم؟” قالت باستغراب: “أيوه.” قال: “مع حضرتك المهندس خالد منصور… المدير التنفيذي لشركة النور للتطوير.” استغربت أكتر. وقالت: “تحت أمرك.” رد بابتسامة كانت باينة في صوته: “إحنا تابعنا شغلك في الدورة التدريبية اللي حضرتك حضرتيها الأسبوع اللي فات.” “والتقارير كلها كانت ممتازة.” سكت لحظة… وقال: “وعندنا عرض شغل ليكي.” مريم افتكرت إنه مجرد عرض عادي.

قالت: “وظيفة إيه؟” رد: “مديرة الإدارة المالية في فرعنا الجديد.” شهقت. وقالت بسرعة: “بس أنا لسه جديدة في شغلي.” قال: “وده اللي عجبنا.” “إحنا بندور على الكفاءة.” “مش عدد السنين.”

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
22