السرير بدأ يتحرك بيا بسرعة في ممرات المستشفى، كشافات السقف كانت بتجري فوق عيني وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني. أستاذ مصطفى كان بيجري جنب السرير وبيقولي: “جمدي قلبك يا مدام نادين.. ربنا معاكي.. ادعي.. ادعي!” غمضت عيني وبدأت أدعي وأنا دمي بيتصفى: “يا رب.. يا رب ماليش غيرك.. احمي ابني.. اخرجني منها على خير.. أنا مليش ذنب في قرفهم ده كله.” دخلوني قوضة العمليات.. البرد أرعش جسمي، وبدأوا يركبوا أجهزة تانية، ودكتور التخدير جه بسرعة وحط الماسك على وشي وقال: “خدي نفس عميق يا مدام.. خدي نفس..”
بدأت أغيب عن الوعي بالتدريج.. وآخر حاجة سمعتها قبل ما عيني تقفل خالص.. كانت صوت دكتور النسا وهو بيزعق: “بسرعة.. النبض بتاع الجنين بينزل.. إحنا بنفقد الواد! اخلصوا!” الضلمة حلت.. ومبقاش فيه غير السكوت..وسط الضلمة الكاحلة والسكوت اللي مكنتش سامعة فيه حتى صوت نفسي، بدأت تظهر قدامي ملامح وشوش كتيرة.. وش مراد وهو مكلبش وبيتوعدلي، ووش فريدة وهي بتصرخ، ووش أبويا بنظرته الباردة والسرنجة في إيده. كنت حاسة إني عايمة في بحر ملوش آخر، وروحي بتتسحب مني لفوق، بس فيه حاجة واحدة كانت بتشدني وتثبتني في الأرض.. صوت خافت جداً، جاي من بعيد، كأنه عياط طفل صغير بيبكي ويستجير بيا.
فجأة، جالي صدمة فوق تني، وفتحت عيني بسرعة وأنا بآخد نفس طويل ومكتوم كأني كنت بغرق وبطلع لوش المية. الكشافات الكبيرة بتاعة قوضة العمليات كانت لسه فوق راسي، بس الإضاءة كانت هادية، وصوت الأجهزة حواليا كان منتظم وبيعلي وينزل براحة.. “تب.. تب.. تب”. التفت برقبتي اللي كانت تقيلة ومش قادرة أحركها، لقيت دكتور النسا واقف جنب السرير بيغسل إيده، وأول ما شافني فتحت عيني، ابتسم ابتسامة صافية وقال بنبرة مريحة:
“حمد الله على سلامتك يا بطلة.. ألف حمد الله على سلامتك يا مدام نادين. عدينا المحنة بفضل الله.” دموعي نزلت من جنين عيني على المخدة، وبصوت مبحوح ومقطوع قلت له: “ابني.. يا دكتور.. ابني جرى له إيه؟” الدكتور قرب مني وطبطب على كتفي وقال: “الحمد لله، لحقناه في آخر دقيقة. الولد كان الحبل السري لافف حولين رقبته بسبب الانفعال والضغط العالي، بس بفضل ربنا القيصري السريع أنقذه. هو حالياً في الحضّانة عشان نضمن تنفسه لأنه مولود في أول التامن، بس حالته مستقرة وزي الفل.. سميتيه إيه؟”
بصيت للسقف وأنا ببتسم من وسط دموعي وقلت: “يوسف.. سميته يوسف.. عشان ربنا يخرجه من غيابات الجب اللي إحنا فيه.” بعدها بنص ساعة، نقلوني قوضة الإفاقة، ومنها لقوضتي العادية. أستاذ مصطفى المحامي كان واقف برة، وأول ما سمحوا له بالدخول، دخل ووشه باين عليه التعب والخوف، بس أول ما شافني ابتسم وقال: “مبروك يا مدام نادين، يتربى في عزك يا رب. أنا طمنتوني عليكي وعلى المولود.” هزيت راسي بشكر، بس ملامح وشي رجعت تتطفي تاني لما افتكرت الكابوس. بصيت لأستاذ مصطفى وقلت له بصوت واطي:
“مصطفى.. الشباك.. الراجل اللي كان هنا..” أستاذ مصطفى قرب من السرير واتكلم بصوت هامس جداً وعينيه بتلتفت حواليه: “مدام نادين.. إنتي مكنتيش بتهتري قبل العمليات. البوليس جه وعاين القوضة، ولقوا فعلاً آثار جزمة على سور الشباك وبرة في الجنينة، ولقوا سرنجة وقعت منه وهو بينط وسط الشجر.. والمفاجأة إنهم لما حللوا المادة اللي فيها، لقوها مادة بتوقف عضلة القلب في ثواني ومابتظهرش في التشريح العادي! البوليس قالب الدنيا، والجهة السيادية اللي كلمتك في التليفون عرفت باللي حصل، وحالياً فيه حراسة مشددة من مديرية الأمن واقفة برة باب القوضة وعلى باب المستشفى.. مفيش نملة تقدر تدخل هنا.”
أخدت نفس طويل وحسيت بأمان مؤقت، بس الخوف من “الحوت” لسه عايش جوايا. عدى يومين.. وفي اليوم الثالث، بدأت أتحرك وأقف على رجلي. رحت زرت يوسف في الحضّانة، وقفت ورا الزجاج وبصيت لجسمه الصغير وهو نايم جوة الجهاز، خيوط وخراطيم صغيرة واصلة بجسمه، بس كان بيتحرك وبيقفل إيده الصغيرة.. في اللحظة دي حطيت إيدي على الزجاج وقلت له في سري: “أنا هحميك يا يوسف.. هحميك بروحي من كل الشر ده.”
وأنا راجعة لقوضتي، لقيت ظابط شرطة برتبة كبيرة واقف مستنيني مع أستاذ مصطفى. الظابط اتطمن عليا بكل أدب، وبعدها طلع تابلت صغير وقاللي: “مدام نادين.. إحنا قبضنا على شبكة كبيرة من المساعدين بتوع مراد نصار، وفيه معلومات مؤكدة إن ‘صلاح غانم’ اللي هو والدك، بيحاول يهرب برة البلد بمركب صيد من ناحية دمياط. بس هو مش هيقدر يتحرك من غير ما يفك الشفرة اللي معاكي، لأن كل أرصدته وفلوسه برة وجوة البلد اجمّدت ومبقاش معاه مليم يتنفس بيه.. الشفرة دي هي الأكسجين بتاعه.”
بصيت للظابط وقلت بثبات مكنتش أعرف إنه جوايا: “أنا جاهزة أفك الشفرة وأسلمكم كل الداتا.. بس بشرط.” الظابط قال: “أؤمري يا فندم.” قلت له: “تضمنوا ليا إن ابني يخرج من المستشفى دي على مكان أمان، ومحدش يعرف طريقي أنا وهو.. أنا مش عايزة فلوس، ولا عايزة شقة، ولا عايزة ورث.. أنا عايزة أعيش وأربي ابني في سلام.” الظابط هز راسه وقال: “ده حقك، والبلد هتأمنك وتأمن ابنك.” بالفعل، فتحت التليفون الصغير، وكتبت الباسورد السري وفكيت الحجب عن الملفات المتبقية.. وفي ثواني، كانت الأجهزة الأمنية بتتحرك على الأرض بناءً على الإحداثيات والأسماء والتحويلات اللي ظهرت كاملة من غير أي شطب بالأسود.
بعدها بيومين، ويوسف حالته بقت تسمح بالخروج.. شيلته بين إيديا لأول مرة، كان خفيف زي الريشة بس كان الدنيا كلها بالنسبة لي. لبسته ولفيته في بطانية دافية، وأستاذ مصطفى كان مجهزلي ورق قسيمة الطلاق الغيابي اللي المستشار هاري بهجت أمضاها وأصدرها رسمياً بناءً على الحيثيات الجديدة وقانون العقوبات.. أنا مبقتش مدام مراد نصار.. أنا رجعت نادين.. نادين وبس. وأنا خارجة من باب المستشفى، في الفجرية، الجو كان هادي، وعربية حراسة كانت مستنيانا عشان تنقلنا لمكان جديد تحت اسم جديد وحياة جديدة.
وقبل ما أركب العربية، التفت لأستاذ مصطفى وقلت له: “شكراً يا مصطفى.. على كل حاجة.” مصطفى ابتسم وقال: “تروحي بالسلامة يا مدام نادين.. وربنا يباركلك في يوسف.” ركبت العربية، وح.ضنت ابني بكل قوتي، والعربية بدأت تتحرك وسط شوارع القاهرة الفاضية.. وفجأة تليفون الظابط اللي راكب جنب السواق رن، سمعت صوت العسكري على اللاسلكي وهو بيقول بلهفة: “يا فندم.. تمام يا فندم.. تم ضبط المتهم ‘صلاح غانم’ على رصيف ميناء دمياط قبل ما يركب المركب بدقائق.. وبحوزته جواز سفر مزور.. المتهم في ايدينا حالياً وجاري ترحيله لنيابة أمن الدولة العليا!”
الظابط قفل الخط، وبصلي في المراية وابتسم وقال: “مبروك يا فندم.. الكابوس انتهى رسمي.. والحوت وقع في الشبكة.” غمضت عيني، ودموع الارتياح والفرج نزلت على وش يوسف الصغير اللي كان نايم في ح.ضني ومطمن.. أخيراً الشمس طلعت.. وأخيراً الحق رجع لأصحابه.. والبيوت اللي اتهدت بالظلم، ربنا سبحانه وتعالى عمرها بالعدل ونصرة المظلوم.