وفجأة.. الباب اتفتح براحة. أنا افتكرت الممرضة داخلة تغير المحلول، فملفتش وشي.. بس الصوت اللي اتكلم مكانش صوت الممرضة. ”كنت عارف إنك ذكية وهتوصل السيرفر يا نادين.. بس مكنتش أتخيل إنك هترمي جوزك لرماة السهام بالسرعة دي.” الصوت ده.. الصوت ده أنا عارفاه كويس.. نبرته، بحته، الطريقة اللي بينطق بيها الحروف. ده مش الصوت اللي كلمني في التليفون.. ده الصوت اللي كنت بنام على حكاياته وأنا عيلة صغيرة! لفيت راسي ببطء شديد، ورعب الدنيا كله اتجمع في عيني..
واقف عند الباب راجل طول بعرض، شعر شايب بالكامل، لابس بدلة شيك جداً سودة، وحاطط منديل حرير في جيبه.. ملامحه هي هي ملامح أبويا، بس منزوع منها الطيبة.. ملامح قاسية، باردة، وعينيه لمعتها تخوف. صرخت بصوت مكتوم وكأني شفت شبح: “بابا؟! إنت.. إنت عايش؟ إزاي؟ والتربة اللي زرتها ألف مرة؟ والجنازة؟” أبويا قفل الباب وراه بالمفتاح تكة واحدة، وخطى خطوات هادية لغاية ما وقف جنب السرير، وبص لبطني الكبيرة، وابتسم ابتسامة باردة مفيش فيها أي مشاعر أبوة وقال:
“الجنازة دي كانت تمن حريتي يا نادين.. صلاح غانم المحاسب الغلبان كان لازم يمو.ت، عشان ‘الحوت’ يتولد في السوق برة.. مراد اللي إنتي حبستيه ده، مكانش أكتر من عيل شغال عندي، واجهة بلمع بيها فلوسي وبنقل من خلال شركته المعلومات.. بس الغبي طمع، وافتكر إنه لما يتجوزك هيمسكني من إيدي اللي بتوجعني، ولما لقاكي بتنبشي وراه حب يخلص منك.” دموعي نزلت زي المطر، مكنتش قادرة أستوعب إن الراجل اللي علمني الصلاة، واللي كان بيخاف عليا من الهوا، واقف قدامي دلوقتي بيتكلم عن الملايين والتخابر بكل برود..
قلت له وأنا بترعش: “إنت إيه؟ إنت مين؟ إنت مش أبويا.. أبويا مات شبعان مو.ت.. إنت واحد مجرم!” ملامحه اتقلبت في ثانية للغل، وقرب وشه مني وقال بصوت فحيح زي التعابين: “أنا أبوكي اللي الفايل الأحمر اللي إنتي سلمتيه للحكومة فيه رقبتي! الورق اللي مع القاضي فيه عمليات تحويل باسم شركتي القديمة في سويسرا اللي مفيش مخلوق يعرفها غيري أنا ومراد.. والنسخة اللي مع الجهاز السيادي لو اتفكت شفرتها، أنا مش هشوف الشمس تاني!”
حاولت أمد إيدي لزرار الاستدعاء بتاع الممرضين، بس هو كان أسرع مني.. مسك إيدي بكل عافية وضغط عليها لحد ما حسيت إن عضمي هيتكسر، وقال وعينيه بتطق شرار: “الشفرة بتاعة الفايل ده.. إنتي الوحيدة اللي عارفاها لأنك إنتي اللي سحبتي الداتا وعملتي لها حماية برقم سري ميعرفهوش الجن الأزرق.. مراد محبوس، والجهة اللي كلمتك هتحميكي طول ما إنتي معاكي المفتاح.. بس أنا مش هسيب رقبتي تحت رحمة حد.. حتى لو كانت بنتي!”
وفجأة.. طلع من جيب جيليه البدلة سرنجة صغيرة فيها سائل شفاف.. وبصلي بنظرة مو.ت وقال: “قدامك دقيقة واحدة يا نادين.. تفتحي تليفونك وتديني باسورد الشفرة وفك الحجب.. يا إما الحقنة دي هتدخل في المحلول.. وهتم.تي إنتي واللي في بطنك بسكتة قلبية فورا.. وزي ما دفنت صلاح غانم من عشر سنين.. هيدفنوا نادين صلاح بكره.. ومحدش هيشك في حاجة لأنك أصلاً جاية المستشفى بجلطة وضغط عالي!” أبويا كان بيقرب السرنجة من بلاستر المحلول اللي في إيدي، وأنا ببص لبطني وبمو.ت في الثاينة ألف مرة، وصوت جهاز النبض بدأ يسرع “تك-تك-تك-تك” وكأن ابني بيصرخ جوه..
عيني جت في عين الراجل اللي واقف قدامي.. الراجل اللي كنت في يوم من الأيام بستخبى في ح.ضنه من خيالي، ودلوقتي ماسكلي سرنجة المو.ت بد.م بارد. جهاز نبض الجنين كان صوته عالي وبيصفر في القوضة “تك-تك-تك-تك” كأنه إنذار بحريق. بلعت ريقي، وحسيت بريق ناشف كأنه تراب. كنت لازم أكسب وقت.. أي وقت.. عشان ابني اللي ملوش ذنب يشوف النور. قلت له بصوت متقطع وأنا بنهج: “حاضر.. حاضر يا بابا.. هقولك.. بس شيل البتاعة دي من المحلول.. أنا مش قادرة أتنفس.”
أبويا رجع خطوة لورا، وعينيه لسه مثبتة عليا بجمود مفيش فيه ذرة رحمة، وقال وهو بيشاور بالسرنجة: “اخلصي يا نادين.. الباسورد إيه؟ وبسرعة عشان وقتي ومكاني هنا مش أمان.” شاورمتله بإيدي اللي بتترعش على الشنطة بتاعتي اللي كانت مرمية على الكرسي جنب السرير، وقلت له: “التليفون التاني.. التليفون الصغير اللي في جيب الشنطة الجواني.. هو ده اللي عليه البرنامج وفك الشفرة.. الباسورد بتاعه مكتوب في نوتة صغيرة معاه.”
أبويا لف بوشه ثانية واحدة بس عشان يمد إيده يجيب الشنطة من على الكرسي.. وفي الثواني دي، وبكل عافية وغل وفي لحظة ذهول وغريزة أم بتدافع عن ضناها، مديت إيدي الشمال وشديت خرطوم المحلول بكل قوتي من إيدي.. الكانيولا اتخلعت والدم طرطش على الملاية البيضا، وفي نفس اللحظة رزعت كف إيدي على زرار استدعاء الممرضين وعملت عليه قفلة وفضلت دايسة عليه ومصرختش بأي كلام.. أنا صرخت صرخة واحدة هزت حيطان المستشفى:
“آآآآآآآآه.. بولددددددد! الحقوووووووني!” أبويا اتلفت ليا ووشه اتخ.طف، والسرنجة كانت لسه في إيده، لقا الباب فجأة بيتهز وصوت خطوات ممرضات ودكاترة جايين جري في الممر بعد ما جرس الطوارئ ض.رب برة. في ثانية، وقبل ما حد يفتح الباب بالمفتاح الاحتياطي، أبويا حط السرنجة في جيبه، وبصلي بنظرة أخيرة كلها وعيد وشر، وقال بصوت فحيح: “والله ما هسيبك يا نادين.. ولو برقبتي!” ولف بسرعة البرق وفتح شباك القوضة اللي كان بيبص على جنينة المستشفى في الدور الأرضي، ونط منه واختفى وسط ضلمة الشجر..
في نفس اللحظة، باب القوضة اتفتح ودخل الدكتور ومعاه أستاذ مصطفى واتنين ممرضات، شافوا المنظر؛ الدم مغرق السرير، والكانيولا مقطوعة، وأنا بنهج وبصرخ وماسكة بطني وبترعش من راسي لرجلي. الدكتور جري عليا: “في إيه يا مدام؟ إيه اللي حصل؟ ومين قفل الباب؟!” أستاذ مصطفى كان بيبص حواليه بذهول ويقول: “أنا كنت سامع صوت جوة! في حد كان هنا؟” مكنتش قادرة أنطق باسم أبويا.. الصدمة كانت أكبر من عقلي، بس كل اللي قلته وأنا بعيط وبنهج:
“الحقني يا دكتور.. ابني بيضيع.. أنا بولد فعلاً.. الطلق حامي!” الدكتور حط إيده على بطني لقاها متحجرة زي الحجر، وبص للممرضة بزعيق: “الضغط ٢٠٠/١٢٠! دي حالة تسمم حمل حاد و انفصال مبكر في المشيمة! جهزوا قوضة العمليات حالا.. حالة طوارئ قصوى.. قيصري فوراً!”