مو.ت ليلي، حكايات صافي هاني

تسمرت في مكاني، والنَفَس هرب من صدري تماماً. المنجل في إيد ندى كان بيلمع مع أول خيوط الشمس اللي بدأت تطلع. الطفلة البريئة اللي جريت وح.ضنتني في المستشفى، والضحية اللي بكيت عليها، طلعت جزء من اللعبة.. أو يمكن العيشة في الضلمة تحت الأرض مع مجرمين زي حسن وعبد الستار حولتها لمسخ حقيقي. ​”ندى.. أنتِ لسه صغيرة.. متخليش المجرمين دول يضيعوا آخر حتة نظيفة جواكِ!” قولت لها وأنا برجع لورا بالراحة على ركبي، وإيدي متبتة على الأجندة والصور اللي كشفت كل حاجة.

​البنت ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة طفولية بس تخوف، وقالت وهي بتاخد خطوة لقدام: “صغيرة؟ أنا عشت ست سنين في جحر تحت الأرض، باكل من إيد حسن وأسمع كلام عبد الستار وهو بيقولي إني هبقى هانم لما أسافر برة.. طارق بوظ كل حاجة لما حفر هنا إمبارح وشاف الصندوق.. كان لازم حسن يخلص عليه.. وكان لازم اللعبة تنتهي بسيناريو يبعد العين عن عبد الستار برة مصر.. بس حسن غبي، ضيعنا وضيع نفسه!”

​رفعت المنجل وبقت على بعد خطوتين مني، وعينيها كانت مليانة غل غريب، كأنها بتنتقم من الدنيا كلها فيا. “لو عبد الستار وحسن وقعوا، أنا مش هسيبك تودي الورق ده للشرطة وتضيعي فرصتي الوحيدة إني أخرج من الفقر ده!” ​وقبل ما البنت تاخد خطوتها الأخيرة وتهجم عليا بالمنجل… ​الجنينة اتملت فجأة بصوت “سحبة أجزاء سلا..ح” قوية ورا ضهر ندى. ​”إرمي اللي في إيدك يا بت!! إرميه حالا!”

​بصيت برعب ورا ندى، لقيت الظابط الكبير بتاع النجدة واقف ومعاه اتنين عساكر، والمسد..سات متوجهة عليها! الظابط مكانش غبي، وممشيش من المستشفى لما سيبتها وجريت، كان مراقبني وعارف إن فيه حلقة مفقودة في القصة وجِه ورايا. ​ندى أول ما شافت السلا..ح، المنجل وقع من إيدها الصغيره على التراب، ورجعت تعيط وتترعش وتتحول في ثانية لطفلة مرعوبة من جديد، ورفعت إيديها وهي بتصرخ: “أنا ماليش ذنب.. هما اللي قالولي أعمل كده! هما اللي هددوني!”

​العساكر جريوا عليها وكلبشوها، والظابط قرب مني ومد إيده عشان يقومني من الطين. أخد مني الأجندة والصور وبص فيهم، وعينيه وسعت من الذهول: “الله أكبر.. يعني البنت ليلى لسه عايشة؟ الشحنة مسافرتش من ست سنين؟” ​هزيت راسي والدموع مغرقة وشي: “عبد الستار باع بنتي برة مصر يا فندم.. الأجندة دي فيها التواريخ، والأسماء، والبلد اللي ليلى فيها.. أرجوك رجعلي بنتي!” ​الظابط حط إيده على كتفي وقالي بثقة: “قض..ية عبد الستار وحسن كده بقت قض..ية دولية وتجارة بشر.. والإنتربول هيتحرك قبل ما الشمس تغيب.. بنتك هترجع يا أم طارق، طالما لسه فيها النَفس.”

​بعد ساعة، كنت قاعدة في المستشفى جنب سرير طارق.. ابني فتح عينيه ببطء بعد ما فاق من البنج، وبصلي بتعب، وشافني ماسكة في إيدي الصورة الحقيقية لأخته ليلى. ​ابتسم بتعب وقال بصوت ضعيف: “عرفتي الحقيقة يا أمي؟” مسكت إيده وبستها وأنا بعيط من الفرحة: “عرفت يا قلب أمك.. وأختك هترجع.. بفضلك أنت بعد ربنا.”

​بصيت من شباك الأوضة على الجنينة اللي برة المستشفى.. الكابوس الطويل اللي بدأ من ست سنين كان خلاص بيلملم أوراقه.. الخيط اتمسك، والعدالة جاية.. ورحلة تدويري على ليلى الحقيقية في بلاد برة، يادوب كانت بتبدأ.مرت تلات شهور على ليلة الجنينة المرعبة. تلات شهور والدنيا مهدتش في البلد ولا في أجهزة الأمن والإنتربول الدولي اللي قلبوا الدنيا بعد ما استلموا الأجندة والصور.

​طارق ابني جرح دراعه خف، والحمد لله، العمليات نجحت ورجع يحرك إيده تاني، بس ملامحه مابقتش ملامح طفل.. بقى راجل وقف في وش المو.ت عشان يحمي أهله. أما البنت “ندى”، فالنيابة أودعتها في دار رعاية تابعة لوزارة التضامن تحت إشراف نفسي مكثف، بعد ما اتضح إنها ضحية غسيل مخ ومرض نفسي من قعدة الضلمة والخوف. الحاج عبد الستار وعم حسن صدر ضدهم حكم تاريخي بالإعدام بعد ما اعترفوا بكل القضايا القديمة والشبكة الدولية اللي كانوا شغالين معاها.

​وفي يوم جمعة، الجو كان خريف دافي، كنت قاعدة أنا وطارق في الصالة، وباصين من الشباك على الجنينة بتاعتنا. الجنينة اللي نظفناها من كل أثر لعم حسن، وزرعنا في نصها شجرة زيتون كبيرة ترمز للسلام والبداية الجديدة. ​وفجأة.. تليفوني رن. ​كان رقم غريب، برمز دولي من برة مصر. قلبي دق بسرعة وعروق إيدي اتشنجت وأنا بفتح السبيكر. ​”ألو.. أم طارق معايا؟” الصوت كان صوت الظابط المسؤول عن القض..ية من قِبل الإنتربول المصري.

​”أيوه يا فندم! أنا معاك.. طمني أرجوك، فيه أخبار؟” صليت في سري ومسكت إيد طارق اللي ضغط على إيدي بقوة. ​الظابط أخد نفس طويل، وسمعت صوت ابتسامة في نبرته: “جهزي نفسك يا أم طارق.. إحنا وصلنا للبيت في العاصمة الأوروبية اللي ليلى كانت فيه. الناس اللي كانوا شاريينها هربوا أول ما حسوا بالخطر وسابوا البيت، بس القوة المداهمة لقت ليلى جوة.. ليلى الحقيقية.”

​الدموع نزلت من عيني زي الشلال، وطارق وقف على حيله وهو مش مصدق. الظابط كمل: “البنت معانا دلوقتي في السفارة المصرية، وهي على أول طيارة جاية القاهرة بكره الفجر.. بس يا أم طارق، عاوزك تكوني صابرة.. البنت عاشت ست سنين بلغة تانية، وعادات ثانية، ومصدومة.. ومحتاجة ح.ضنك عشان تفهم إنها رجعت لبيتها ولأهلها.” ​قفلنا الخط، ومبقاش فيه مكان للدموع في البيت، بقى فيه حركة وسعادة مبروقة بالصلاة والدعاء. قضينا الليلة كلها بنرتب أوضتها القديمة، وبنجهز الهدوم اللي هتقابلها بيها.

​يوم السبت الساعة ستة الصبح، كنا واقفين في صالة الوصول بمطار القاهرة. طارق كان لابس أحسن هدوم عنده، وماسك في إيده وردة “عباد شمس” واحدة طبيعية، جابها مخصوص عشان يستقبلها بيها. ​الباب بتاع صالة الوصول اتفتح.. وبدأ الناس يخرجوا. ​وقفت على أطراف صوابعي وقلبي هيقف.. لحد ما ظهرت. ​كانت ماشية جنب موظفة من السفارة المصرية. بنت عندها اتناشر سنة، ممشوقة، شعرها ناعم وجميل، ولابسة فستان هادي.. ملامحها كانت ليلى.. ليلى بتاعتي من غير شامات، عيونها الواسعة اللي شبه عيون طارق بالظبط. البنت كانت بتبص حواليها بخوف وزهو، كأنها مش مستوعبة الزحمة ولا المكان.

​طارق أول ما شافها، مِش قدر يمسك نفسه، طلع يجري وسط الناس وهو بيصرخ بأعلى صوته: “لييييييلى!” ​البنت اتخضت ووقفت، وطارق وصل عندها ونزل على ركبه وبسط لها وردة عباد الشمس وهو بيبكي. ليلى بصت للوردة.. وفجأة، ملامح الخوف اللي في وشها بدأت تتفكك.. النور الأصفر بتاع الوردة لمس حاجة مدفونة في ذاكرتها من ست سنين.. حاجة عم حسن وعبد الستار مقدروش يمسحوها من قلبها. ​شفايفها اتهزت، ودموعها نزلت، وبنبرة مكسرة وفيها لكنة غريبة بس واضحة، نطقت أول كلمة عربي من ست سنين:

“طا.. طارق؟” ​رمت نفسها في ح.ضنه، وطارق قفل عليها بإيديه والوردة متبتة في صوابعهم. جريت عليهم وضميتهم هما الاتنين لصدري، وأنا برفع راسي للسما وبقول: “الحمد لله يا رب.. قضاؤك عدل، وحقنا رجع.”

​الكابوس اللي بدأ بوردة مقطوعة في جنينة ضلمة، انتهى بوردة بتفتح من جديد في ح.ضن عيلتنا.. والمرة دي، مفيش أي قوة في الدنيا هتقدر تسيب إيدينا عن بعض تاني.اللحظة دي في صالة الوصول بمطار القاهرة كانت كفيلة تمسح وجع ست سنين كاملة. الناس في المطار وقفوا يتفرجوا علينا والدموع في عينيهم، مكنوش عارفين القصة بالكامل، بس مشهد أم وأخ بيترِموا في ح.ضن بنت غايبة من سنين كان كفيل يهز الحجر.

​ليلى كانت بتعيط وتتكلم بكلام متلخبط، نصّه عربي مكسر من ذكريات طفولتها، ونصّه التاني لغة أجنبية متعلمتهاش برضاها. شلت راسها من ح.ضني وبصيت في وشها.. العيون هي هي، نفس النظرة اللي تاهت مني عند الترعة وهي عندها ست سنين. طارق مسح دموعه وادالها وردة عباد الشمس، ليلى مسكتها بأيد بتترعش وشمّتها، والابتسامة ظهرت على وشها وسط الدموع. ​رجعنا البيت.. البلد كلها كانت واقفة مستنيانا على أول السكة. زغاريد وجيران بتبكي من الفرحة، والكل مش مصدق إن الحق ظهر، وإن الشيطان عبد الستار وأعوانه انتهوا للأبد.

​دخلنا بيتنا، الحتة اللي ليلى اتخ.طفت منها. في الأول كانت خايفة ومتوجسة، بتتحرك ببطء وبتتفرج على الجدران كأنها بتسترجع شريط ذكريات قديم وممسوح. طارق مسبش إيدها ولا ثانية، خادها من إيدها وطلع بيها على الجنينة. ​الجنينة كانت هادية، النور بتاع الضهرية منور شجرة الزيتون الجديدة اللي زرعناها مكان الورد المتدمر. ليلى وقفت في النص، وبصت للأرض اللي شهدت كل العذاب ده، وأخدت نفس طويل كأنها بتطرد كل الرعب اللي عاشته برة مصر.

​”هنا يا ليلى..” طارق قالها بصوت حنين وهو بيشاور على الأرض: “هنا كنت بزرعلك كل سنة.. والورد كان بيطلع عشان يقولي إنك لسه عايشة.” ​ليلى بصت لطارق، وبعربي تقيل بس طالع من قلبها قالت: “أنا.. أنا كنت بشوف الورد ده في حلمي يا طارق.. مكانتش أعرف إنه حقيقي.. كنت فاكرة إني لوحدي.” ​قربت منهم وح.ضنتهم هما الاتنين تحت شمس العصر الدافية. ​مرت الأيام والشهور، وليلى بدأت ترجع لحياتها الطبيعية بالتدريج. دخلت جلسات تأهيل نفسي، وبدأت تتعلم لغتها ودينها من جديد، ورجعت ضحكتها القديمة تملا البيت والحي كله. طارق بقى هو ضهرها وسندها، ومبقاش يفارقها أبدًا.

​وفي يوم من أيام الربيع اللي بعده، صحيت الصبح بدري على صوت حركة في الجنينة. بصيت من الشباك، ولقيت طارق وليلى واقفين سوا، ماسكين الفأس الصغيرة وبيقلبوا التربة. طارق فتح كيس صغير، وطلع منه بذور.. بذور عباد الشمس. ​بصوا لبعض وابتسموا، ونزلوا على ركبهم يحطوا البذور في الأرض سوا. ​المرة دي، الورد مش هيتزرع عشان يفتكروا بيه غايب.. المرة دي الورد هيطلع عشان يعلن نصر الحقيقة، ويقول للدنيا كلها إن الأمل وعوض ربنا دايماً بييجوا بعد أشد العتمة.. وإن إيد العيلة اللي اتمسكت ببعض بالحق، مفيش أي قوة في الدنيا هتقدر تفرقها تاني.

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0