مو.ت ليلي، حكايات صافي هاني

رجال العمليات الخاصة دخلوا القاعة بخطوات سريعة ومنتظمة، السلا..ح في إيديهم وصوت البيادات على الأرض كان بيرج المكان. القائد بتاعهم خطى لقدام وعينه على مراد، وبكل حزم طلع كارنيه رسمي وبص للمستشار هاري وقال: “تمام يا فندم، إحنا مستلمين أمر تحرك فوري من النيابة الكلية بناءً على الإخطار السيادي المرفق في الفايل الأحمر.” ​مراد كان واقف في مكانه مذهول، وشه اللي كان دايماً بيفيض بالثقة والغرور بقى لونه أزرق زي الأموات، وجسمه كله بيترعش. فريدة كانت لسه واقعة على الأرض مكان القلم اللي أكلته من مراد، وبتعيط بانهيار وهي بتصرخ:

“والله ما عملت حاجة! هو اللي قالي أنا هخلص من نادين واللي في بطنها عشان نعيش في شقة الزمالك ومحدش يقاسمنا في الملايين! أنا ماليش ذنب يا باشا!” ​مراد لف لها وبص لها بنظرة غل عميا، ورجع بص للقائد وبدأ يزعق بهستيريا: “إنتوا مجانين؟! إنتوا عارفين أنا مين؟! أنا مراد نصار! أنا شركتي بتدير شبكات تكنولوجيا لوزارات في البلد! أنا بكلمة مني هقعدكم كلكم في بيوتكم! إوعى إيدك دي يا عسكري منك له!”

​قائد القوة ماردش عليه باللسان، وبكل برود أشار للعساكر.. في ثانية كان فيه اتنين أمناء شرطة مكلبشين إيدين مراد ورا ضهره. صوت “تكة” الكلبش وهي بتقفل على إيده كانت بمثابة إعلان نهاية إمبراطورية مراد نصار. ​المستشار هاري بهجت وقف وبص لمراد بنظرة احتقار شديدة، وخبط بالشاكوش خبطة أخيرة وقال: “مراد نصار.. فريدة زاهر.. تأجيل الدعوى الشق المدني (الطلاق والنفقة) لحين الفصل في الجناية رقم 4122 أمن دولة عليا طوارئ.. محاولة ق.تل عمد، وتخابر، وغسيل أموال. تُرفع الجلسة!”

​القاضي ساب المنصة ودخل غرفته فوراً وهو واخد معاه الفايل الأحمر كأنه شايل قنبلة. ​العساكر شدوا مراد وفريدة بره القاعة وسط صراخ فريدة وعياطها اللي مالي الممر، ومراد وهو ماشي اتلفت ورا وبصلي.. عينه كانت مليانة شر، وحقد، وكسرة لأول مرة في حياته. أنا فضلت قاعدة على الكرسي، حاطة إيدي الاتنين على بطني الكبيرة، وحسيت بنبض ابني بيتحرك جوة وكأنه بيطمني ويقولي: “خلاص يا أمي.. ربنا نصرنا”. ​في اللحظة دي، باب القاعة اتفتح ودخل منه المحامي بتاعي، أستاذ مصطفى، وكان بينهج ووشه عرقان ومتبهدل. أول ما شافني جري عليا وقال بنهجة:

“حمد الله على السلامة يا مدام نادين! أنا أسف جداً.. محامين مراد حبسوني في مكتبهم وقفلوا عليا الباب بحجة إننا بنراجع العقود، وخدوا مني تليفوني.. أنا لسه هربان منهم حالا! إيه اللي حصل؟ مراد فين؟” ​بصيت لأستاذ مصطفى وابتسمت ابتسامة هادية، الابتسامة اللي غابت عن وشي من تمن شهور، ووقفت بالراحة وأنا سانده نفسي وقلت له: “خلاص يا أستاذ مصطفى.. المحكمة خلصت، ومراد مشي.. بس مش على بيته.”

​خرجت من باب القاعة بخطوات بطيئة بس ثابتة، لأول مرة مكنتش حاسة إن ضهري مكسور أو إني خايفة من الهوا الطاير. المحكمة من برة كانت مقلوبة، الصحفيين وكاميرات القنوات بدأت تتجمع بعد ما شموا خبر إن فيه قوة خاصة قبضت على الملياردير الشهير من قلب محكمة الأسرة. ​وأنا نازلة على سلم المحكمة، الهوا الساقع خبط في وشي، وفجأة تليفوني اللي في الشنطة رن برقم غريب.. رقم مش متسجل ومكتوب عليه (رقم خاص). ​وقفت في نص السلم، وفتحت الخط وأنا قلبي دق بسرعة.. سمعت صوت راجل وقور وهادي جداً، صوت فيه هيبة تخلي الركب تخبط، قال بنبرة واثقة:

“مدام نادين؟” قلت بتلعثم: “أيوه.. مين معايا؟” ​الراجل سكت ثانية، وبعدها قال بصوت واطي: “إحنا استلمنا الفايل الأحمر، والبلد مابتنساش اللي بيحميها.. مراد نصار خلاص انتهى، وشقتك وحقوقك هترجعلك لحد عندك بالقانون وبكرة الصبح.. بس فيه حاجة تانية إنتي متعرفيهاش يا مدام نادين.. التقرير اللي إنتي سحبتيه من سيرفر مراد، مكانش مراد شغال فيه لوحده.. الفايل ده فيه اسم ‘الحوت الأكبر’ اللي مراد كان شغال لحسابه.. والاسم ده.. يبقى أبوكي اللي إنتي فاكرة إنه مات من عشر سنين!”

​الخط قطع.. والتليفون شاشته اسودت تماماً.. وأنا رجلي خانتني ووقعت على سلم المحكمة والصدمة شلت لساني..الصدمة لجمت لساني، والتليفون وقع من إيدي على السلم، وصوته وهو بيتفشخ على الرخام مكانش أعلى من صوت ض.ربات قلبي اللي كانت زي الطبل. المحكمة حواليا كانت بتغلي؛ صحفيين بيجروا، وعساكر بتتحرك، وصوت سرينات البوليس بيبعد، وأنا واقفة في ملكوت تاني خالص.. الهوا طار من صدري ومبقتش عارفة أتنفس. ​أبويا؟

أبويا الحاج “صلاح غانم”؟ الراجل الطيب اللي كان شغال محاسب بسيط في هيئة حكومية، ومات بسكتة قلبية من عشر سنين ودفنته بإيدي وعزيت فيه والمنطقة كلها كانت بتعيط عليه؟ إزاي يبقى هو “الحوت الأكبر”؟ وإزاي يكون عايش؟ ​”مدام نادين! يا مدام نادين وحدي الله.. إنتي هتولدي ولا إيه؟!” ​صوت أستاذ مصطفى المحامي جابني من أخر الدنيا وهو بيسندني بكل عافيته قبل ما أقع على السلم. بصيت له ووشي غرقان عرق، وبلعت ريقي بصعوبة وقلت له بصوت مخنوق:

“أنا.. أنا عايزة أمشي من هنا يا أستاذ مصطفى.. خدني على مستشفى.. بطني بتتجمع عليا.” ​فعلاً، المحامي وقف تاكسي بالعافية من وسط الزحمة، وطول الطريق وأنا حاطة إيدي على بطني اللي كانت بتحجر بشكل مش طبيعي، الوجع المرادي مكانش وجع خوف من مراد، ده كان وجع صدمة بتهد جبال. كنت بكلم ابني في سري وبقوله: “استحمل يا حبيبي.. استحمل يا سندي، مابقاش لينا في الدنيا دي غير بعض، شكلنا طلعنا في غابة.” ​أول ما وصلنا المستشفى، الدكاترة جروا عليا ودخلت غرفه الطوارئ فورا. علقوا لي محاليل وحقن لتهدئة الطلق المبكر، والدكتور بص لأستاذ مصطفى وبصلي وقال بنبرة تحذير:

“المدام تعرضت لصدمة عصبية شديدة، والضغط عالي جداً وده خطر على الجنين.. لازم راحة تامة ومفيش أي انفعال، إحنا في الأسبوع الأول من الشهر التامن والولادة دلوقتي هتبقى خطر.” ​فضلت راقدة على السرير وعيني في السقف، والمحاليل بتمشي في عروقي ببطء.. عدى ساعتين والتالتة، والليل بدأ ليله يليل، وأستاذ مصطفى كان قاعد برة بيخلص إجراءات الدخول. القوضة كانت هادية ومفيش فيها غير صوت جهاز نبض الجنين.. “تِك.. تِك.. تِك”.

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0