مو.ت ليلي، حكايات صافي هاني

قاعدة في محكمة الأسرة، في الشهر التامن، لوحدي بطولي. جوزي الملياردير قرب مني وهمس في ودني: “العربية النقل اللي حدفتك من على الطريق الشهر اللي فات دي مكانتش حادثة بالصدفة.. لو عافرتي معايا على الشقة، السواق الجاي مش هيغلط الغلطة دي”. دمي اتجمد في عروقي. في نفس اللحظة، حبيبته ضحكت باستهزاء، وزقتني وقعتني على الأرض، وشدت الفايل من إيدي بكل غل. بس بدل فواتير المستشفى، ورق سري ومتشطب عليه بالأسود اتطوح كله تحت رجل المستشار.. القاضي شاف الختم الرسمي عليه، ووشه اتخ.طف وبقى زي الأموات..

​على ما دخلت محكمة الأسرة الصبح، وأنا في الشهر التامن ومهدودة حيل، كنت فاكرة إن مفيش حاجة في الدنيا عاد ممكن تفاجئني. كنت متبتة في قلبي ومجهزة نفسي لكل الإهانات الممكنة، وبقول لنفسي هما كلمتين؛ هأقضي عدتي وأمضي على قسيمة الطلاق وأمشي. خسارة بيتي وعشرتي كانت بتوجع، بس على الأقل الكابوس ده كان لازم ينتهي. ​المحكمة كانت باردة وتجيب الكآبة. كنت ساندة ضهري اللي بيتقطع بإيد، وماسكة بالإيد التانية فايل ورق دبلان ومتبهدل. جوه الفايل ده كان فيه فواتير المستشفى، وصور السونار، وورق تاني شيلته وداريته عن العيون طول تمن شهور من العذاب.

​أنا مكانش في حيلى أجادل. ولا كنت بدور على انتقام. أنا كل اللي عايزاه أطلق وبس، والبيوت أسرار. ​قعدت على الكرسي لوحدي لأن المحامي بتاعي اتعطل فجأة وكلمني قال لي إنه اتأخر بسبب طلب غريب من محامين مراد بالليل. ​وفجأة باب القاعة اتفتح. ​مراد نصار دخل الأول. صاحب أكبر شركات التكنولوجيا في البلد والملياردير اللي مسمع في كل مكان. جوزي.. أبو ابني اللي في بطني. ​وكانت ماشية جنبه وواخدة راحتها.. فريدة. خطافة الرجالة.. اللي كانت متبتة في دراعه ومركبة على وشها ضحكة النصر، كأنها خلاص ضمنت كل حاجة في جيبها.

​مراد ساب إيدها وقرب ناحيتي. وطى براسه لحد ما بقى نفسه عند ودني. وقال بوشوشة ترعب: “إنتي فاكرة إن ليكي كلمة هنا؟ العربية النقل اللي حدفتك من على الطريق الشهر اللي فات دي مكانتش حادثة بالصدفة.. لو عافرتي معايا على شقة الزوجية، السواق الجاي هيخلص عليكي ومش هيغلط الغلطة دي”. ​الرعب جرى في عروقي وسم بدني. وقبل ما ألحق أنطق أو أستوعب، فريدة دخلت وسطنا. وقالت ببرود وغل: “إنتي أصلاً مكنتيش رابطاه غير بالعيّل ده”.

​حاولت أبعد عنها وأنا بترعش: “ابعدي عن ابني وماتجيبيش سيرته على لسانك”. ​وشها اتقلب وبان فيه غل الدنيا. هجمت عليا وراحت شادة الفايل من إيدي بكل عافية وغل. توازني اختل.. ولقيت نفسي مرزوعة على أرضية القاعة الناشفة، وكل همي في اللحظة دي إني أحاوط على بطني وأحمي الجنين بكل ما فيا من غريزة أم. ​الفايل اتقطع نصين. ورق المستشفيات والتحاليل اتطوح في كل حتة. ومعاهم.. مئات الورق اللي كان متشطب على كلامه بحبر أسود تقيل.

وفيه فايل أحمر فاقع اتزحلق على الأرض ووقف بالظبط عند رجين المستشار. ​القاعة كلها سكتت وصوت النفس انقطع. سيادة المستشار بص في الأرض بزهق واستعجال.. بس أول ما عينه جت على الختم الرسمي المحفور على أول صفحة.. الدم هرب من وشه وبقى شاحب زي الورقة. ما بصش لمراد خالص.. فضل متنح للورق وباصصلي، وإيده بدأت تترعش ببطء..

المستشار فضل متنح للورق الأحمر، الهوا في القاعة فجأة بقى تقيل ومفيش صوت طالع غير صوت تكتكة ساعة الحيطة اللي متعلقة ورا منصة القضاء. مراد كان واقّف حاطط إيده في جيبه ببرود، وعلى وشه الضحكة المستفزة بتاعة “أنا فوق القانون ومفيش حد يقدر يلمسني”، وفريدة جنبه بتعدل شعرها وتبصلي بقرف وهي مستنية القاضي ينطق بالحكم ويخلص الليلة. ​لكن الموقف اتقلب في ثانية.

​المستشار هاري بهجت، اللي معروف عنه إنه حديدي ومابيتزّزّش، قلع نظارة القراية بإيد بتترعش، وبص للورق تاني كأنه بيتأكد إنه مش بيحلم. الختم النسر اللي فوق الورق مكانش ختم مستشفى ولا شركة.. ده كان الختم السري لجهة سيادية عليا في البلد، وجنبه كلمة واحدة مكتوبة بخط عريض ومتحاطة باللون الأسود: (سري للغاية – يُحظر تداوله). ​القاضي رفع عينه وبصلي.. نظرته مكانتش نظرة عطف على ست غلبانة ومتبهدلة على الأرض، دي كانت نظرة رعب واحترام مبالغ فيه، كأنه بيبص لشخص ماسك في إيده قنبلة موقوتة.

​مراد لاحظ الهدوم المخطوفة والموقف الغريب، فخطى خطوتين لقدام وبدلع فلوسه وثقته العمياء قال: “سيادة المستشار.. إحنا جاهزين لإنهاء الإجراءات، والمدام زي ما سيادتك شايف بتحاول تعمل شو وتأخر الجلسة بورق مالوش لازمة، وأنا وقتي من دهب ومش فاضي للمسرحيات دي.” ​المستشار هاري ماردش عليه.. ولا حتى بصلوا. هو بس شاور للحاجب بصوت هادي ومكتوم: “اقفل باب القاعة.. وماتسمحش لأي مخلوق يدخل أو يخرج.. وماتخليش حد يرفع تليفون.” ​فريدة ضحكت بجهل وقالت بصوت واطي لمراد: “هو في إيه؟ هو القاضي كبر وخرف ولا إيه يا مراد؟”

لكن مراد ماردش.. ملامح وش مراد بدأت تتغير من البرود للقلق لما شاف وش القاضي قالب ميت لون. ​المستشار بصلي وأنا لسه على الأرض، وبصوت فيه نبرة رجاء قال: “يا مدام نادين.. قومي اشربي بؤ مية.. يابني هات كرسي بسرعة للمدام.” ​الحاجب جري وجابلي كرسي، وقفت بصعوبة وأنا ساندة بطني اللي كانت بتتحجر من الخوف والتعب، وقعدت وأنا بنهج. المستشار مسك الفايل الأحمر بايديه الاتنين وفرد الورق قدامه، وبدأ يقرا السطور اللي مش ممسوحة.. عينيه كانت بتتحرك بسرعة، وكل سطر بيقراه كان وشه بيصفر أكتر.

​الورق ده مكانش مجرد ورق طلاق.. طول التمن شهور اللي فاتوا، وأنا مستحملة إهانات مراد، وخيانته ليا مع فريدة، ومحاولاته إنه يرميني في الشارع وياخد مني كل حاجة.. مكانش عندي حل غير إني أدبش وراه. مراد مكانش مجرد ملياردير تكنولوجيا، مراد كان بيستخدم شركته وسيرفراته في نقل معلومات مشبوهة، وبيع داتا تخص أمن البلد لجهات بره، وتحويلات بنكية بمليارات بتدخل تحت بند “غسيل أموال” وتجارة مشبوهة.

​وأنا.. بذكائي كمبرمجة سابقة كنت شغالة معاه في نفس الشركة قبل ما نتجوز، قدرت أخترق السيرفر السري بتاعه اللي فاكر إن مفيش مخلوق يعرفه، وسحبت كل التقارير دي. وقبل الجلسة بأسبوع، لما العربية النقل حدفتني وكان هيقضي عليا وعلى ابني، عرفت إن حياتي مهددة، فبعت نسخة من الورق ده لجهة سيادية حساسة في البلد.. والورق اللي في الفايل الأحمر ده كان الرد الرسمي وبداية التحقيق المشفر اللي مفيش مخلوق في المحكمة يعرف عنه حاجة.. غير القاضي اللي فهم فوراً مين اللي ورا الورق ده.

​مراد صبره نفد، وخبط على مكتب المحامين بتوعه وقال بزعيق: “جرى إيه يا سيادة المستشار؟! هقعد أضيع وقتي هنا عشان شوية ورق زبالة رمتهم على الأرض؟ أنا عايز أطلق وأخلص، والشقة دي شقتي ومكتوبة باسم شركتي، والبت دي تطلع بره بيتي وبطولها!” ​المستشار هاري رفع عينه ببطء، وبص لمراد بنظرة مو.ت.. النظرة دي خلت مراد يبلع ريقه ويقف في مكانه. ​المستشار قال بصوت جهوري هز القاعة: “إخرس خالص يا مراد بيه!.. إنت متعرفش إنت واقف قدام مين.. ومتعرفش الورق ده فيه إيه.. إنت حسابك معايا مبقاش نفقة وشقة زوجية.. إنت حسابك بقا جنايات أمن دولة عليا!”

​مراد وشه اتقلب، وفريدة شهقت وحطت إيدها على بوقها. مراد حاول يداري ركبه اللي بتخبط في بعضها وقال بتلعثم: “أمن دولة إيه وسيادتك بتتكلم عن إيه؟ دي حتة بت صايعة كانت لمتها من الشارع، وعايزة تتبلى عليا عشان تاخد قرشين!” ​في اللحظة دي، المستشار مسك الختم وبص لمراد وقال: “الورق ده فيه تقرير رسمي صادر ومختوم.. بيكشف كل الحسابات السرية لشركتك.. وبيثبت إن حادثة العربية النقل اللي حصلت للمدام الشهر اللي فات كانت محاولة ق.تل عمد مع سبق الإصرار والترصد بتوجيه وتخطيط منك ومن الآنسة اللي جنبك!”

​فريدة صرخت: “أنا ماليش دعوة! هو اللي قالي لازم نخلص منها ومن اللي في بطنها عشان الشقة والشركة مايروحوش في النصيف!” ​مراد لف لفريدة واداها قلم على وشها وقعها الأرض وهو بيزعق: “اسكتي يا غبية!” ​المستشار هاري خبط بالشاكوش خبطة قوية هزت المنصة، ووقف على طوله بكل هيبة.. بص للحاجب وقال بنبرة آمرة مفيش فيها رجوع: “بلغ الأمن يقفلوا مخارج المحكمة فوراً.. واطلبلي قوة ترحيلات حالا.. الجلسة دي اتحولت من قض..ية طلاق.. لقض..ية جنائية كبرى.”

​مراد حس إن الأرض بتلف بيه، وبدأ يرجع لورا وعينه بتدور على الباب زي الفار المحبوس، وبصلي بغل وكأنه عايز ياكلني بستانه.. وأنا قعدت، حطيت إيدي على بطني، وأخدت أول نفس طويل ونظيف من تمن شهور.. ونظرتي ليه كانت بتقول كلمتين بس: “البيوت لها رب يحميها”. ​وفجأة.. صوت سرينات البوليس بدأت تسمع برا المحكمة، وباب القاعة انرزع بكل قوة ودخلوا رجال العمليات الخاصة..

السابقانت في الصفحة 1 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0