في اللحظة دي، مصطفى ابتسم بكل برود وطلع فلاشة صغيرة من جيبه وقال للظابط: “اتفضل يا فندم، ده التسجيل الصوتي والفيديو لعم أحمد وهو بيستلم الكيس ده من شريف بيه امبارح بالليل، وبإذن مسبق وتحت إشراف اللواء رفعت من مباحث الأموال العامة ومكافحة المخدــ,,ـــــرات اللي كانوا منورين المكتب معايا لحد الفجر.” الظابط بَسم وقال: “تمام يا باشمهندس، إحنا بس كنا بنكمل الإجراء القانوني عشان الجر..يمة تبقى متلبسة بالكامل.” وفي نفس اللحظة بره الشركة، كان شريف قاعد في عربيتة والسيجار في بقه ومستني يشوف مصطفى خارج مكلبش، فجأة تلفونه رن برقم غريب، رد بلهفة: “أيوة.. هاه، خرجوا بيه؟”
جاءه صوت حاد وصارم جمد الدم في عروقه: “شريف بيه؟ معاك المقدم أحمد من مباحث تنفيذ الأحكام.. القوة محاصرة عربيتك دلوقتي، انزل وايديك فوق راسك، البلاغ الكيدى اللي عملته اتقلب بق..ضية جنائية كاملة الأركان: تزوير، رشوة، وجلب مواد مخدرة لتلفيق تهمة!”
شريف بص حواليه برعب لقى تلات عربيات شرطة قفلوا عليه الطريق، والكلبشات حددت إيديه في ثواني وسط ذهول المارة. دخلوا بيه مبنى الشركة وهو منكس الرأس، ومصطفى واقف في البلكونة الفخمة يبص عليه من فوق، نفس النظرة الهادية اللي مفيهاش شماتة، بس فيها هيبة المنتصر بالحق. شريف رفع عينه وجت في عين مصطفى، وحس بالكسرة الحقيقية.. الراجل اللي استصغره وقال عليه “فقير” دمره بذكائه وأصوله.
طبعاً الخبر لما انتشر، السوق كله اتهز، وصورة مصطفى بقت زي الذهب في عيون الكل؛ راجل نظيف، ذكي، ومبيلعبش. الحاج عبد الرحمن لما عرف باللي حصل وهو في فترة نقاهته، بكى من كتر الفخر وقال لولاده: “أنا لو مت النهاردة، هكون مطمن على شقا عمري والشركة في إيد الباشمهندس مصطفى.” مرت أسابيع، والأمور استقرت تماماً، ومصطفى كسب “مناقصة مدينة المرفأ” وحقق للشركة أرباح خيالية، وبقى اسمه يتكتب في الجرايد الاقتصادية. وعلشان يعوضني عن أيام النكد والخوف، حجزلي رحلة عمرة ليا وله، واشترى شقة فخمة جداً في كومباوند راقي في التجمع الخامس، وجابلي عربية صغيرة على قدي أسوقها.
قبل السفر بيومين، أمي كلمتني، وصوتها كان متهدج ومكسور، وقالتلي بلجلجة: “منال يا بنتي.. أنا عرفت إنكم مسافرين تعملوا عمرة.. ينفع.. ينفع آجي أشوفكم وأسلم على مصطفى قبل ما تسافروا؟” بصيت لمصطفى اللي كان قاعد جنبي بيقفل الشنط، وهز لي راسه بالموافقة وابتسم، فقلت لها: “تنوري يا أمي، إحنا مستنيينك.”
وجاءت أمي، ومعاها أختي نور وجوزها طارق. طارق دخل البيت وهو عينه في الأرض، مبقاش قادر حتى يرفع عينه في عين مصطفى، خصوصاً إن شغله كله دلوقتي في مقاولات الباطن قايم على موافقة وإمضاء من تحت إيد مصطفى! وأمي أول ما دخلت، فضلت تبص للصالة الواسعة والفرش المودرن الفخم بنظرات ذهول، بس المرة دي مكنش انبهار مادي، كان إحساس بالذنب.
أمي قعدت ومسكت إيد مصطفى، والدموع نزلت من عينها بجد لأول مرة، وقالت له قدام طارق ونور: “سامحني يا ابني.. أنا كنت ست جاهلة وبصيت تحت رجليا، وكنت فاكرة إن القرش هو اللي بيعمل راجل.. أنت طلعت سيد القوم بجد، بأخلاقك وأصلك، وصنت بنتي وعليت راسنا.. ادعيلي يا مصطفى في الحرم إن ربنا يسامحني على كل كلمة وجعتك بيها.” مصطفى طبطب على إيدها بكل ذوق وقال: “مسامحك من كل قلبي يا حماتي، وإنتِ مقامك مقام أمي، ومفيش ابن يشيل من أمه.. ادعيلنا أنتِ بس بالبركة.”
طارق وقف وبلع ريقه ومد إيده لمصطفى وقال بنبرة اعتذار حقيقية: “أنا اتعلمت منك كتير يا باشمهندس.. اتعلمت إن الرزق بتاع ربنا، وإن الأصول هي اللي بتدوم.. شكراً ليك على كل حاجة.” سافرنا وعملنا العمرة، ورجعنا وبدأنا حياتنا الجديدة في بيتنا الفخم، وحسيت إن الدنيا ضحكتلنا بعد صبر طويل.
وفي يوم، وإحنا قاعدين في البلكونة الكبيرة بنشرب قهوة في ليلة صيفية صافية، مصطفى كان ماسك لابتوب الشغل، وفجأة ملامحه اتغيرت تماماً وعينه وسعت وهو بيبص على الإيميل اللي جاله!
قام وقف وشه اتقلب وجاله ذهول ملوش مثيل، وبصلي وقال بصوت فيه رعشة قوية: “مش ممكن يا منال!.. مش ممكن! الأوراق دي لو صحيحة.. يبقى كل اللي إحنا فيه ده كوم.. واللي جاي كوم تاني خالص! العيلة كلها هتتقلب، وحق قديم بقاله عشرين سنة هيرجع لأصحابه!” وقفت مخضوضة وقلبي دق بسرعة: “في إيه يا مصطفى؟ أوراق إيه دي اللي هتقلب العيلة؟!” تفتكروا إيه السر القديم اللي مصطفى اكتشفه في حسابات وأوراق الشركة القديمة ويخص عيلتنا وأمي بالذات؟
## الجزء التاسع (وقبل الأخير) وقفت مكاني والضــ,,ـــــربات في قلبي زي الطبل، الأوراق دي لو صحيحة؟ وحق بقاله عشرين سنة؟ بصيت لمصطفى وأنا برتعش وقولتله: “حق إيه يا مصطفى؟ وعيلة مين اللي هتتقلب؟ وقعت قلبي في رجليا، اتكلم!” مصطفى أخد نفس عميق، وقعدني جنبه على الكنبة، ولف شاشة اللابتوب ناحيتي. كانت ملفات قديمة وممسوحة ضوئياً (Scanned)، وعليها شعار مجموعة المنشاوي من سنة 2006. بدأ يشاورلي على الأسماء وهو بيتكلم بصوت واطي ومليان ذهول:
“منال، أنا بقالي فترة بنبش في الأرشيف القديم بتاع الشركة، وتحديداً الحسابات المقفولة من عشرين سنة اللي شريف كان مسؤول عنها قبل ما يتطرد ويتحبس. كنت براجع تصفية أملاك وشراكات قديمة للحاج عبد الرحمن في بداياته.. ولفت نظري اسم شريك كان داخل معاه بأرض ومخازن ضخمة، الشريك ده اضحك عليه واتزور توقيعه وتم إشهار إفلاسه بتقرير مالي مضروب، وشريف هو اللي هندس اللعبة دي زمان عشان يخلو الجو له وللحاج عبد الرحمن.” دموعي نزلت من الخوف وقولتله: “طب وإحنا مالنا ومال الكلام ده يا مصطفى؟ إيه علاقتنا بنسيب أو شريك قديم؟”
مصطفى بص في عيني مباشرة وقال الكلمة اللي هزت كياني: “الشريك ده يبقى أبوكي يا منال.. عم ‘أحمد عبد التواب’ الله يرحمه!” الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، الدنيا لفت بيا ومبقتش سامعة غير طنين في ودني. أبويا؟ أبويا اللي مات من قهرته ومن جلطة مفاجئة لما كنت أنا وأختي نور لسه عيال صغيرة؟ أمي طول عمرها كانت بتقولنا إن أبويا دخل مشروع وخسر كل فلوسه ومات مديون، وإنها شافت الويل بسببه، وعشان كده بقت ست مادية وبتبص للقرش وبتعبد المظاهر، لأن فقرها بعد عز أبويا كسرها وخلاها تخاف من الزمن!
مصطفى كمل وهو عينه بتلمع بالحق: “أبوكي مخسرش فلوسه يا منال.. أبوكي اتسرق واتنهب! شريف زور تقارير العجز المالي وضغط على أبوكي وهو عيان، وخلّاه يمضي على تنازل عن حصته في الأرض اللي مبني عليها دلوقتي تلت أرباع أبراج المنشاوي في وسط البلد! والأوراق اللي قدامي دي هي الأصول الحقيقية قبل التزوير، شريف كان شايلها في خزنة سرية في مكتبه عشان يبتز بيها أولاد المنشاوي لو فكروا يطردوه.. والنهاردة الأوراق دي بقت في إيدي!”
مسكت في قميص مصطفى وأنا ببكي بانهيار: “يعني.. يعني أمي عندها حق؟ وأبويا مات مظلوم؟ وطارق اللي أمي شيفاه سيد الرجالة عشان غني، إحنا حقنا أكبر منه بمليون مرة؟” مصطفى ضمّني لصدـ,,ـــره وهو بيقول بحسم: “أبوكي مات مقهور، والحق مبيتمــ,,ـــــوتش بالتقادم. الأوراق دي ترجع لأمك وليكي ولأختك نور أرض وأملاك قيمتها الحالية تعدي مئات الملايين! بس في مشكلة واحدة يا منال.. وهتكون صدمة عمرنا كلنا.” رفعت راسي وتمسحت دموعي: “مشكلة إيه تاني يا مصطفى؟”
مصطفى بلع ريقه وبص للشاشة وقال: “عشان القض..ية دي تترفع والحق يرجع، لازم نثبت إن في طرف تاني كان عارف بالتزوير ومستفيد منه وساكت طول السنين دي.. والشخص ده هو اللي كان حلقة الوصل بين شريف وأبوكي زمان، وهو اللي أخد عمولة ملايين عشان يقنع أبوكي يوقع ويمــ,,ـــــوت بحسرته.. الشخص ده يبقى والد طارق جوز أختك نور! يعني حما أختك، وطارق نفسه طلع عايش ومكبر شركته بفلوس عمولة سرقة أبوكي!”