عزومة العيله. زهرة الربيع

وقعت الكلمات عليا كأنها جبل اتهد فوق راسي. طارق؟ طارق وعيلته هما اللي سرقوا أبويا؟ طارق اللي أمي كانت بتعايرني بيه وبتقول عليه ‘النجم العالي’ وبتذل مصطفى بسببه، طلع هو وأبوه الحرامية اللي فقرونا ومــ,,ـــــوتوا أبويا من القهرة؟!

مصطفى قام وقف بكل شموخ وهيبة، ومسح على وشه وقال بنبرة الراجل الأصيل اللي ميرضاش بالظلــ,,ـــــم: “بكرة الصبح، أنا هطلب اجتماع عاجل في بيت مامتك.. هجيب مامتك، وأختك نور، وطارق. والمواجهة المرة دي مش هتبقى عن البدلة ولا عن المظاهر.. المواجهة دي هتبقى مواجهة دم وحق وعمر ضاع في الضلمة. هجيب حق حماتي وأبوكي الله يرحمه، حتى لو ههدم المعبد على دماغ الكل!”

نمت الليلة دي والدموع مغرقة مخدتي، مش مصدقة إن الغلبان اللي أمي قالتله ‘فقير القوم خادمهم’ هو اللي باقيله ساعات ويكون السبب في إنه يرجع عزة عيلتنا ويرد شرف أبويا الميت من عشرين سنة ويحط مناخير طارق وعيلته في التراب! وجاء الصباح.. صخرة المواجهة الكبرى بدأت تتحرك.. مصطفى اتصل بأمي وقالها: “يا حماتي، اجمعي نور وطارق في بيتك حالاً، أنا ومنال جايين في أمر حياة أو مــ,,ـــــوت.” دخلنا شقة أمي، والكل كان قاعد مستغرب ومتوتر. طارق كان بيبص لمصطفى بقلق، وأمي ونور وشوشهم صفرا.

مصطفى دخل بكل وقار، وحط الشنطة الجلد بتاعته على التربيزة، وبص لأمي وقال بصوت رجولي هز الحيطان: “جاهزة يا حماتي تعرفي مين اللي فقرِك ومــ,,ـــــوت جوزك الغالي ‘أحمد عبد التواب’ مقهور من عشرين سنة.. ومين اللي قاعد وسطنا النهاردة وبياكل من فلوس دم أبونا؟!” الكل اتسمر في مكانه، وطارق وشه اتقلب أبيض زي الكفن وبدأ يترعش.. ## الجزء العاشر (الأخير والحكمة) الكلمات نزلت على الصالة زي الصاعقة. أمي قامت وقفت وإيدها بترتعش على صدـ,,ـــرها، وبصت لمصطفى بعيون مليانة رعب وذهول وقالت بصوت متهدج: “أنت بتقول إيه يا مصطفى؟! أحمد جوزي؟ اللي مات بجلطته وفلسنا بسببه؟ ماله ومين اللي سرقه؟!”

مصطفى مبخلش عليهم بثانية واحدة من الحقيقة. فتح الشنطة الجلد، وطلع أصول المستندات والتقارير المالية الممسوحة ضوئيًا من أرشيف سنة 2006، وحطها قدام أمي على التربيزة. وبدأ يتكلم بصوت جهوري، واثق، وكل حرف فيه بيقطع زي السك..ينة: “جوزك مخسرش في مشروع يا حماتي. أحمد بيه عبد التواب اتعملت عليه مؤامرة دنيئة من شريف مدير المكتب القديم، وبمساعدة وتخطيط كامل من الحاج توفيق المنشاوي.. والد طارق اللي قاعد قدامنا ده!” نور أختي صرخت وقامت وقفت: “أنت بتخرف بتقول إيه يا مصطفى؟! أنت جاي تتبلى على حمايا وعلى جوزي عشان تنتقم من كلام زمان؟!”

مصطفى بص لنور بحسم وطلع ورقة تانية: “أنا مابخرفش يا نور، ولا بتبلى على حد. اتفضلي.. ده كشف حساب بنكي قديم ومقفل، صادر من النيابة ضمن التحقيقات الجديدة مع شريف، بيثبت تحويل مبلغ 3 مليون جنيه سنة 2006 — وده كان رقم فلكي وقتها — من حساب شريف لحساب والد طارق.. تحت بند ‘عمولة تخليص الأرض وفض الشراكة’. والد طارق أخد العمولة دي عشان كان الصديق المقرب لأبوكم، وهو اللي أقنعه وهو على فراش المرض إنه يمضي على ورق التنازل بحجة إنه بيحميه من الإفلاس والسجــ,,ـــــن، ومات أبوكم بقهرته وهو فاكر إن صاحبه بيساعده، وصاحبه كان بيقبــ,,ـــــض ثمن مــ,,ـــــوته!”

أمي لفت وشها وبصت لطارق بنظرة مرعبة، نظرة تجمع بين الذهول الشديد والغل اللي بقاله عشرين سنة مكبوت في قلبها. طارق كان قاعد على الكرسي، وشه بقى أبيض زي الكفن، عرق غزير بينزل من جبهته، وإيديه كانت بترتعش لدرجة إنه مقدرش يرفع عينه يبص لأي حد في الصالة.

مصطفى خطى خطوة ناحية طارق، وبص له بعين كلها هيبة وقال: “والدك مات يا طارق وشال ذنبه في قبــ,,ـــــره، وأنت كبرت شركتك وبقيت ‘النجم العالي’ بفلوس الحرام والعمولة اللي سرقتوها من شقا الراجل الغلبان ده ومــ,,ـــــوتوه مقهور، وجاي النهاردة تتنـ,,ـــــطط بفلوسك على بناته، وتعايرني أنا بالفقر! أنت وأبوك عشتوا في خير أحمد عبد التواب اللي حرمتوا بناته من ورثه!”
في اللحظة دي، طارق انهار تماماً، واترمى على ركبه قدام أمي وهو بيبكي ويقول بلجلجة: “سامحيني يا حماتي.. أنا.. أنا مكنش ليا ذنب، أنا عرفت الموضوع ده بالصدفة من أبويا قبل ما يمــ,,ـــــوت بكام سنة..

وكنت خايف أتكلم عشان البرستيج وعشان الفلوس والشركة متضيعش.. سامحيني يا نور، والله أنا بحبكم ومش عايز أذيكوا!” نور أختي بكت بانهيار وبصت لجوزها بقرف وصدمة، وحست إن الطاووس المنفوخ اللي كانت بتتفاخر بيه قدام الدنيا كلها طلع مجرد ابن حرامي عايش على قهر أبوها.

أمي قعدت على الكرسي وهي مذهولة ومبقتش قادرة تنطق، بكت بدموع حارة، دموع ندم على عشرين سنة عاشتهم بتظلــ,,ـــــم في ذكرى جوزها الميت، وبتبص للمظاهر والفلوس اللي طلعت في الآخر مغموسة في دم وظلــ,,ـــــم وعمر أبو عيالها. لفت وشها وبصت لمصطفى، الراجل اللي كانت بتعايره وبتقوله ‘فقير القوم خادمهم’، ولقته هو الجبل اللي واقف بيجيب حقها وحق بناتها ومستعد يقلب الدنيا عشان يرجع لهم كرامتهم.

مصطفى بص لطارق وقال بحسم: “قوم يا طارق، شيل دموعك دي.. الأوراق دي هتروح لبكرة الصبح للإدارة القانونية لمجموعة المنشاوي وللنيابة العامة لإعادة فتح القض..ية واسترداد الحصص والأرض اللي تمنها النهاردة يعدي مئات الملايين. ومن بكرة، شراكة شركتك مع مجموعتنا ملغية، وهتورد كل قرش أخدته بالباطل.. والحق هيرجع لأصحابه بالكامل والآصول والقانون.” خرج طارق ونور وهما مكسورين، والكسرة المرة دي كانت أبدية ومفيهاش رجوع.

أمي قامت من مكانها، ومشت بخطوات تقيلة لحد ما وصلت لمصطفى، ونزلت على إيده تبوسها وهي بتبكي بحــ,,ـــــرقة وبتقول: “بوس إيدك يا بني سامحني.. سامحني يا مصطفى.. أنا اللي كنت فقيرة وعمية، فقيرة أدب وأخلاق ودين.. وأنت اللي طلعت سيد القوم كلهم بأصلك ورجولتك.. أنت اللي رجعت حق أحمد ورجعت هيبتنا بعد ما كنا عايشين في الذل والكدب.” مصطفى شد إيده بسرعة وباس رأسها وقال بحنان وأصل ملوش مثيل: “عفا الله عما سلف يا أمي، إحنا ولاد النهاردة.. وأنا معملتش غير الواجب اللي يمليه عليا ديني وأصلي تجاه مراتي وتجاهكم.. ارفعي راسك، حقكم رجع، ومفيش مخلوق هيقدر يستصغركم تاني.”

### الحكمة من القصة: وعشنا من بعد اليوم ده في عزة ورفعة، ورجعت الأملاك والحقوق كاملة لينا، وأمي ا تبدلت تماماً وبقت ست زاهدة وعرفت إن القيمة مش في الجيب. وتعلمنا من الحكاية دي حِكم عظيمة تعيش معانا العمر كله: 1. **المظاهر كدابة وبير طير:** قيمة البني آدم عمرها ما كانت بفلوسه ولا بعربيته ولا ببدلته الغالية؛ الفلوس بتروح وتيجي في ثانية، لكن اللي بيبقى هو المعدن الأصيل، الدين، والأخلاق، والرجولة اللي بتظهر وقت الشدة.

2. **”خادم القوم سيدهم”:** الكلمة الطيبة والخدمة والتواضع مش قلة حيلة ولا ضعف، بالعكس.. دي قمة الشموخ والرفعة اللي ربنا بيكافئ صاحبها في الدنيا والآخرة وبيعلي مراتبها فوق الكل. 3. **الحق مابيمــ,,ـــــوتش:** لو طال الزمان والظلــ,,ـــــم عاش لعشرين أو تلاتين سنة، مسير الحق يظهر والباطل ينكشف، والفلوس اللي بتتبني على قهر الناس وظلــ,,ـــــمهم بتبقى نــ,,ـــــار تحــ,,ـــــرق صاحبها في الآخر ولو بعد حين.

4. **اشتري الراجل ومتبصيش لجيبه:** البنت لما تيجي تتجوز، لازم تبص للإنسان اللي هيصونها ويخاف ربنا فيها؛ لأن الراجل الأصيل لو ربنا وسعها عليه هيكرمها، ولو ضاقت بيه هيشيلها في عينيه ويحمي كرامتها، مش زي اللي منفوخ على الفاضي وأي ريح بتهده.

انت في الصفحة 7 من 7 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
20