عزومة العيله. زهرة الربيع

## الجزء السادس نزلت كلمات مصطفى عليا كأنها صدمة، نزلت ورايا علامات استفهام وخوف حقيقي من اللي جاي. الحاج عبد الرحمن مش مجرد صاحب شغل لمصطفى، ده الراجل اللي ربنا جعله سبب في رد اعتباره ورفعتنا قدام الكل، وكان بمثابة أب روحي لمصطفى في السوق. لبس مصطفى بسرعة وخرجت معاه لحد باب الشقة وأنا بدعي: “طهر طريقك يا مصطفى، وربنا يطمنا عليه ويجعلك سبب في عونه.” نزل مصطفى وركب عربيته وطار على المستشفى الفخم اللي اتنقل فيه الحاج عبد الرحمن.

أول ما مصطفى وصل المستشفى ودخل الدور اللي فيه العناية المركزة، لقى الأجواء مشحونة ومتوترة جداً. كان واقف قدام باب العناية “شريف”، مدير المكتب القديم للحاج عبد الرحمن، ومعاه اتنين من المحاميين بتوع الشركة، وكانوا بيتكلموا بصوت واطي وبيرتبوا أوراق في إيديهم بشكل مريب يثير الشك والريبة. أول ما شريف لمح مصطفى جاي بخطواته السريعة، ملامحه اتقلبت وظهرت عليها علامات الضيق والارتباك، ووقف قدامه وحاول يمنعه وهو بيقول بنبرة حادة: “أهلاً يا باشمهندس مصطفى.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ الحاج عبد الرحمن في غيبوبة تامة والدكاترة مانعين الزيارة تماماً، ووجودك ملوش أي لزوم حالياً!”

مصطفى بص له بنظرة حاسمة ومداش له فرصة يسيطر على الموقف، وقال بصوت قوي وهادي: “وجودي هنا هو عين اللزوم يا شريف بيه. أنا المدير المالي والتنفيذي المسؤول ومراجع الحسابات الأول لمجموعة المنشاوي، وطالما الحاج في أزمة، يبقى أنا المسؤول الأول عن حماية مصالح الشركة ومتابعة حالته لحد ما أولاده يوصلوا من السفر بكرة الصبح.” التفت مصطفى للدكتور المسؤول اللي خرج من العناية، وسأله عن الحالة، الدكتور قاله: “الحاج عبد الرحمن اتعرض لجلطة مفاجئة في المخ، والوضع حالياً مستقر تحت الأجهزة، بس محتاجين هدوء تام ومفيش أي قرارات تتاخد لحد ما نشوف تأثير الجلطة لما يفوق.”

في اللحظة دي، مصطفى لمح شريف وهو بيحاول يداري ملف أسود تحت دراعه ويغمز للمحامي عشان يتحركوا. مصطفى بذكائه وخبرته السابقة مع شريف — اللي كان عارف إنه راجل طماع وبيدور على مصلحته — حس إن في مؤامرة بتتدبر في الضلمة مستغلة غياب الحاج عبد الرحمن وغيبوبته. خطى مصطفى خطوة لقدام، وبص للمحامي وقال بلهجة آمرة: “أستاذ حازم، إيه الورق اللي في إيدك ده؟ وإيه اللي يخلي محاميين الشركة الكبار واقفين قدام العناية المركزة بالليل ومعاهم عقود؟!”

شريف اتدخل بسرعة وبصوت مهزوز يحاول يداري بيه: “دي.. دي أوراق وموافقات عادية على مناقصة مدينة المرفأ اللي داخلين فيها الأسبوع الجاي، وكنا عايزين نخلصها!” مصطفى ابتسم ابتسامة ساخرة مليانة تحدي، وقال: “موافقات ومناقصات؟ والحاج في غيبوبة؟ أنت فاكرني مغفل يا شريف؟ المناقصة دي أوراقها كلها متقفل وممضي عندي في المكتب من يومين! الورق اللي في إيدكم ده إما عقود تنازل أو تفويضات بيع وشراء مستغلين فيها ظرف الراجل!”

المحامي وشه اصفّر وبدأ يتراجع لورا، وشريف لما لقى كدبته اتكشفت، بدأ صوته يعلى بغضب ويقول: “أنت مالك أنت؟ أنت مجرد موظف هنا يا مصطفى، ومتنساش نفسك! أنا مع الحاج عبد الرحمن من عشرين سنة، ومسؤول عن كل كبيرة وصغيرة، ومش حتة مهندس حسابات جاي من كام شهر هو اللي هيملي عليا شروطه ويفتش ورايا!” مصطفى وقف زي الجبل، ومتهزش من زعيق شريف، وطلع موبايله بكل هدوء واتصل برئيس أمن المستشفى، وفي نفس الوقت بعت رسالة لمدير أمن مجموعة المنشاوي يطلب منه فرض حراسة مشددة على مكاتب الإدارة العليا وخزائن الشركة فوراً لمنع خروج أي ملف.

بص مصطفى لشريف والمحامي وقالهم بكلمات قطعت الشك باليقين: “من عشرين سنة وأنت بتسرق من وراه ولما كشفتك زمان مشيت بكرامتي، بس المرة دي أنا مش همشي يا شريف.. المرة دي الحاج مأمنّي على ماله واسمه. الورق ده مش هيتمضي، وأي حركة غدر هتعملوها، البلاغ جاهز للنيابة العامة بتهمة التزوير واستغلال عجز المريض. ودلوقتي.. اتفضلوا برة الدور ده خالص، ومشوفش وشكم هنا لحد ما أولاد الحاج يوصلوا.”
الحرس بتوع المستشفى وصلوا، وشريف لقى نفسه في موقف مخزي ومفضوح قدام الدكاترة والممرضين، فأخد المحامي وجري وهو بيتوعد مصطفى وعينه مليانة غل وشر.

قعد مصطفى على الكرسي قدام باب العناية، وتعب الأيام كلها ظهر عليه، بس رفض يغمض عينيه أو يسيب المكان ثانية واحدة. فضل صاحي طول الليل يقرأ قرآن ويدعي للحاج عبد الرحمن بالشفاء، ويتابع بالتليفون مع حرس الشركة عشان يضمن إن مفيش ورقة واحدة تضيع. وعلى الساعة تمانية الصبح، الأبواب اتفتحت، ودخل “خالد” و”طارق”، ولاد الحاج عبد الرحمن اللي وصلوا من المطار عل طول وهما بيبكوا ومرعوبين على أبوهم. أول ما شافوا مصطفى قاعد وتعبان وعينيه حمرا من قلة النوم، جريوا عليه.

خالد حــ,,ـــــضن مصطفى وقال وهو بيعيط: “باشمهندس مصطفى! طمنا على بابا! وإيه اللي حصل؟” مصطفى هداهم وطمنهم إن الحالة استقرت، وحكى لهم بكل أمانة وبدون تجريح مبالغ فيه عن اللي شريف كان عايز يعمله بالليل وكيف إنه أمن الشركة والملفات لحين وصولهم.

خالد بص لأخوه وبص لمصطفى وعينيه مليانة دموع وامتنان ملوش حدود، وقال لمصطفى قدام دكاترة المستشفى كلهم: “أنا مش عارف أقولك إيه يا مصطفى.. بابا كان دايماً يقولنا ‘مصطفى ده هو السند والأمانة اللي في رقبتي’، والنهاردة أنت أثبت إنك فعلاً الراجل اللي يتشال على الراس.. شريف ده حسابه معايا عسير، ومن اللحظة دي يا مصطفى، أنت مش مجرد مدير حسابات.. أنت شريك معنا بقرار رسمي في إدارة المجموعة كلها!” وفي نفس اللحظة، خرج الدكتور من العناية وبشرهم: “الحمد لله، الجلطة كانت خفيفة وتأثيرها زال، والحاج عبد الرحمن بدأ يفوق وبيفتح عينيه ويقدر يتكلم!”

دخل مصطفى مع أولاد الحاج عبد الرحمن الأوضة، وأول ما الحاج فتح عينيه وشاف مصطفى واقف جنبه، ابتسم بتعب ومد إيده المرتعشة ومسك إيد مصطفى وضغط عليها براحة وكأنه بيقوله: “أنا عارف إنك صنتني يا بني.” طبعاً، الخبر ده لما وصلي البيت، قعدت أحمد ربنا وأبكي من الفرحة.. جوزي الغلبان اللي كانوا بيتريقوا عليه، النهاردة بقى الآمر والناهي في أكبر مجموعة شركات في البلد، وبقى شريك رسمي باسمه وأمانته!

لكن شريف، مدير المكتب المطرود، مكنش هيسكت على كسرته وفضيحته دي.. وبدأ يجهز لمصطفى فخ جديد، فخ خطير مش بس يضيع شغله، ده ممكن يودي مصطفى في داهية ويهدد حياته وسمعته بالكامل! تفتكروا شريف هيلعب بلعبة إيه المرة دي؟ ## الجزء السابع

رجع مصطفى البيت بعد يومين طوال قضاهم في المستشفى والشركة من غير ما تدوق عينه النوم. كان باين عليه التعب والإرهاق، بس ملامحه كان فيها راحة نفسية كبيرة ورضا ملوش حدود. أول ما دخل، اترمى في حــ,,ـــــضني وهو بيقول: “الحمد لله يا منال، ربنا نجى الحاج عبد الرحمن، والشركة بقت في أمان، وولاده طلعوا رجالة وولاد أصول وعرفوا مين حبيبهم ومين عدوهم.”

قعدت جنبه، وجبتله لقمة يأكلها، وكنت ببص له وإني مش مصدقة حجم الكرم اللي ربنا غرقنا فيه بسبب نية الراجل ده الصافية وأمانته. قالي إن خالد وطارق — أولاد الحاج عبد الرحمن — أصدـ,,ـــروا قرار رسمي بتعيينه “المدير التنفيذي العام لمجموعة المنشاوي” مع منحه نسبة من أرباح السنوية كشريك في الإدارة، وتم فصل شريف مدير المكتب القديم وإحالته للتحقيق بالشبهات والمخالفات المادية اللي ثبتت عليه.

طبعاً، الخبر لما وصل لأمي وأختي نور، الشقة عندهم اتقلبت فرحة وزغاريط، وأمي بقت تتصل بيا في اليوم تلات أربع مرات بس عشان تطمن عليا وتقولي: “شفتي يا منال؟ أنا دايماً كان قلبي حاسس إن مصطفى ده هيشرفنا ويرفع راسنا.. قوليلي يا بنتي، هو ناوي يشتري فيلا فين؟ عشان طارق جوز أختك يعرف سمسار كبير في التجمع!” كنت ببتسم وبجاوبها على قد السؤال، لأنني عرفت خلاص إن ود أمي بيزيد وينقص على حسب الرصيد اللي في البنك.

انت في الصفحة 4 من 7 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
20