عزومة العيله. زهرة الربيع

مصطفى بص لي وابتسم، وبص للحاج عبد الرحمن وقال بكل وقار: “الله يكرمك يا حاج، الشرف ليا.. ونتكلم في التفاصيل بكرة إن شاء الله.” الحاج عبد الرحمن ضحك وطبطب على ظهره، والتفت لمدير الفندق وقال بصوت جهوري: “انقلوا بوفيه التربيزة الرئيسية كله هنا، أنا هقعد الليلة دي مع مصطفى حبيبي، والشغل الباقي ده مش مهم!”

قعد الحاج عبد الرحمن مع مصطفى يتسامروا ويضحكوا، وطارق واقف بعيد مش عارف يدخل وسطهم ولا عارف يقعد فين، وأمي وأختي نور قاعدين في مكانهم ميتين من القهر والصدمة، وعينيهم مش قادرة تيجي في عيني من كتر الكسوف والخزي بعد ما افتكروا إنهم هيذلونا بالبدلة والفندق، فجاءت لهم الصفعة التانية أقوى وأشد من الأولى بكتير! ## الجزء الرابع

انتهت الحفلة والحاج عبد الرحمن مش عايز يسيب مصطفى، وكل شوية يلتفت لطارق ويقوله: “أنت محظوظ يا طارق إنك صهر الراجل ده، ده مكسب لأي حد يقرب منه!” وطارق كان بيهز راسه بابتسامة صفرا باهتة ووشه جايب ألوان، وأمي وأختي نور قاعدين زي اللي على رؤوسهم الطير، الخزي كان باين في عنيهم لدرجة إنهم مقدروش يقفوا يسلموا علينا وإحنا ماشيين. في التاكسي وإحنا راجعين، كنت حاسة إني طايرة في السما من الفرحة، مسكت إيد مصطفى وقولتله وعيني بتلمع: “أنت كنت مخبي عليا كل ده يا مصطفى؟ الحاج عبد الرحمن المنشاوي بنفسه بيلف وراك وعايزك بالاسم؟!”

بص لي وابتسم ابتسامته الهادية الرزينة وقال: “يا منال يا حبيبتي، أنا عمري ما حبيت المظاهر ولا الفشخرة، لما سبت شركته زمان كان بسبب خلاف مع مدير مكتبه اللي كان بيسرق من وراه ولما كشفته ضايقني، ففضلت أمشي بكرامتي وأشتغل في مكان بسيط براتب على القدي ولا إني أقبل أكون في مكان مش مرتاح فيه. والنهاردة ربنا أراد يظهر الحق ويرد لي اعتباري قدام أهلك من غير ما أطلب.”

بستانس الفرحة دي، مصطفى بدأ من تاني يوم يستعد لمنصبه الجديد كمدير قطاع الحسابات والمراجعة في مجموعة المنشاوي. استلم مكتبه الفخم، والعربية الـ SUV السوداء اللي الحاج عبد الرحمن خصصهاله بسواح خاص، وبدأ وضعه المادي يتغير تماماً في أيام معدودة، بس طبعه متبدلش؛ فضل هو هو مصطفى الحنين الطيب المتواضع. طبعاً الخبر لف العيلة كلها زي النــ,,ـــــار في الهشيم. خيلاني وخالاتي اللي كانوا بيبصوا لمصطفى بنظرة شفقة، بقوا يتصلوا بيه ويسألوا عليه ويطلبوا منه خدمات ووساطات لشغل ولادهم عند المنشاوي! ومصطفى، بأصله ونظافة قلبه، مكنش بيرد حد؛ كان بيساعد الكل وكأن مفيش أي حاجة حصلت زمان.

أما أمي؟ أمي قعدت أسبوعين بحالهم متصلتش بيا، كانت هتمــ,,ـــــوت من الكسوف وبترتب أوراقها ومش عارفة تواجهنا إزاي بعد كل الإهانات اللي وجهتها لمصطفى. لحد ما في يوم، لقيت موبايلي بيرن.. وكانت أمي! صوتها مكنش فيه النبرة العالية الجهورية بتاعت زمان، كان صوتها واطي، هادي، وفيها نبرة إحراج واضحة جداً: “أيوة يا منال.. عامله إيه يا بنتي؟ وإيه أخبار جوزك مصطفى؟” رديت بوقار: “الحمد لله يا أمي، مصطفى في نعمة كبيرة وشغله الجديد واخد كل وقته.”

سكتت شوية وقالت بلجلجة: “طب يا بنتي.. أنا.. أنا كنت عايزة أعزمكم عندي يوم الجمعة الجاية.. أنتِ ومصطفى، وأختك نور وطارق برضه جايين.. وعايزاكم تيجوا ضروري.” فهمت عل طول إن أمي بتحاول تلطف الجو وتصلح اللي انكسر، فقولتلها: “هقول لمصطفى يا أمي، ولو وقته سمح هنيجي إن شاء الله.” لما قولت لمصطفى، كان رده صدمة ليا: “لازم نروح يا منال، دي مامتك مهما كان، والرسول ﷺ أوصانا بصلة الرحم، وإحنا مش بتوع خصام ولا شيل في القلوب.”

وجاء يوم الجمعة. وصلنا لبيت أمي، بس المرة دي الوضع كان مختلف تماماً من عتبة الباب! أول ما ركبنا وظهرت عربية مصطفى الفخمة والسواق نازل يفتحله الباب، لقيت أمي واقفة في البلكونة بتبص بنظرات كلها ذهول وفخر داري.
نزلنا ودخلنا الشقة، وأول ما الباب اتفتح، لقيت أمي بتستقبل مصطفى بالترحاب والأحضان، وبتقوله بنبرة مبالغ فيها من الود: “يا مرحب يا باشمهندس مصطفى! نور البيت يا بني، خطوة عزيزة والله!” مصطفى سلم عليها بكل أدب وباس إيدها وقالها: “البيت منور بأصحابه يا حماتي.”

دخلنا الصالة، ولقينا طارق ونور قاعدين. طارق المرة دي مكنش حاطط رجل على رجل ولا منفوخ، كان قاعد لِمم نفسه ووشه متوتر، لأن شركته الصغيرة مقارنة بمجموعة المنشاوي اللي بيحركها مصطفى تعتبر ولا حاجة! وأختي نور كانت بتبص على شنطتي وساعتي الجديدة بنظرات فضول مكسورة بالغيرة. قعدنا، وأمي بدأت تتكلم وتمدح في مصطفى قدام طارق ونور: “والله يا مصطفى أنا طول عمري وعارفة إنك راجل وأصيل، وبقول لمنال من أول يوم جوازكم إنك واد ناصح ومستقبلك كبير، ربنا يفتحها عليك كمان وكمان يا بني!”

أنا بصيت لأمي بذهول من قدرتها على قلب الكلام، ومصطفى ابتسم هادي ومردش غير بكلمة: “الحمد لله يا حماتي، كله بفضل دعواتك.”

وعلى وقت الغدا، السفرة كانت مليانة من خيرات ربنا، وأمي كانت عمالة تحط الأكل قدام مصطفى وتسيب طارق خالص! وفجأة، وإحنا بناكل، طارق حب يفتح سيرة الشغل عشان يداري على حجمه الصغير قدام مصطفى، فقال بنبرة بيحاول يبين فيها إنه فاهم: “باشمهندس مصطفى، أنا كنت بسمع إن الحاج عبد الرحمن المنشاوي ناوي يدخل مناقصة مدينة المرفأ الجديدة الأسبوع الجاي.. يا ترى الكلام ده صحيح؟ أصل أنا كنت بفكر أدخل معاهم كsub-contractor (مقاول باطن) في توريد السيراميك، ولو تقدر تلمحلي عن الأسعار أو تفتحلي سكة مع الحاج عبد الرحمن يبقى كرم كبير منك!”

القاعدة كلها سكتت، وأمي ونور بصوا لمصطفى ومنتظرين رده؛ طارق المنفوخ بقاله سنين، النهاردة بيطلب واسطة ومساعدة من مصطفى “الموظف الغلبان” بتاع زمان! مصطفى ساب الشوكة من إيده، وبص لطارق بنظرة قوية، كلها ثقة ومهنية، وقال بلهجة حاسمة صدمت طارق وهزت القاعة كلها من تاني… ## الجزء الخامس مصطفى ساب الشوكة من إيده، وبص لطارق بنظرة قوية، كلها ثقة ومهنية، وقال بلهجة حاسمة صدمت طارق وهزت الصالة كلها:

“والله يا طارق، بالنسبة لمناقصة مدينة المرفأ، فدي أسرار شركة وميزانيات دولة، ومستحيل تطلع برة مكتب المراجعة والتدقيق بتاعي لأي مخلوق، حتى لو كان نسيبي وأخو مراتي.. الأمانة في الشغل مفيهاش مجاملات، والحاج عبد الرحمن مأمنيش على ماله عشان أخون الثقة دي في لِمة عيلة.” طارق وشه جاب ألوان، وبقى يبلع في ريقه وصدمته كانت واضحة، الكلمة نزلت عليه كأنها قلم فوقه وعرف ملامحه وحجمه الطبيعي. مصطفى مكملش دقيقة وسكت، بل بالعكس، كمل كلامه بكل هدوء وذكاء عشان ميكسرش كبرياء الراجل بالكامل قدام مراته وحماته:

“لكن.. بما إنك دخلت البيوت من أبوابها وبتطلب مساعدة في الشغل علنًا، فمجموعتنا بتدعم دايماً الشركات الشابة والملتزمة. قدم ورق شركتك، وسابقة أعمالك، وعرض أسعارك بشكل رسمي للمكتب عندي بكره الصبح.. وأنا بنفسي هراجع الملف، وإذا لقيت إن جودتكم مطابقة للمواصفات وأسعاركم منافسة، هعرض الملف على الحاج عبد الرحمن وهزكّيك عنده.. بس كله بالآصول والعدل، عشان قرشك يبقى حلال وربنا يباركلك فيه.” طارق حس بنوع من الراحة الممزوجة بالخجل، وهز رأسه بسرعة وقال بصوت واطي: “طبعاً يا باشمهندس.. طبعاً، الأصول أصول، وبكرة الصبح هيكون ورق الشركة كله عندك في المكتب.. تسلم يا بو أصيل.”

أمي كانت قاعدة بتسمع، وعينها بتلمع بانبهار حقيقي بمصطفى وطريقته. الست اللي كانت من كام أسبوع بتعايره بلقمته وبتقول عليه “فقير القوم خادمهم”، بقت قاعدة تتأمل في هيبته ورجولته وطريقة كلامه اللي فيها حسم وأدب في نفس الوقت. لفت وجهها لنور أختي الكبيرة، وقالتلها بصوت مسموع: “شوفي يا نور، اتعلمي من الباشمهندس مصطفى.. الراجل راجل في كلامه وأمانته، ربنا يحميك يا بني ويزيدك من نعيمه.”

نور أختي هزت رأسها وهي كاتمة غيظها وغيظ جوزها اللي اتكشف حجمه الحقيقي، ومبقتش عارفة تبص لي إزاي، وأنا كنت قاعدة حاطة رجلي على رجل، باكل بكل هدوء والابتسامة مش مفارقة وشي، حاسة بفخر ملوش أول من آخر بالراجل اللي اخترته واشتريته بأخلاقه لما الكل كان باصص لجيبه. بعد الغدا، قعدنا نشرب الشاي، والجو بقى ألطف بكتير، وبدأ طارق يتكلم مع مصطفى بأسلوب فيه احترام زايد، ويسأله عن رأيه في السوق والاقتصاد، ومصطفى بيجاوبه بكل ثقافة ورزانة.

وقبل ما نمشي، أمي أخذتني على جنب في المطبخ وهي بتغسل الكوبايات، وبصت لي وعينها مليانة ندم حقيقي، وقالتلي بصوت واطي: “سامحيني يا منال يا بنتي.. أنا كان عمري قصير ونظرتي تحت رجليا.. مصطفى جوزك ده طلع دهب صافي، وأنا اللي كنت مغمية عيني بالمظاهر الكدابة.. ده راجل بجد، واعرفي إنك أحسن واحدة في أخواتك اتجوزت، ربنا يسعدكم يا بنتي.” حسيت إن قلبي صفي من ناحية أمي، وقولتلها: “حصل خير يا أمي، ومصطفى عمره ما شال منك، ومسير الأيام تثبتلك إن قيمة الراجل في أفعاله مش في فلوسه.”

رجعنا بيتنا، والأيام بدأت تمر سريعة، ومصطفى بقى اسمه بيتردد في السوق كله كامتداد للحاج عبد الرحمن المنشاوي. طارق قدم ورقه ومصطفى ساعده فعلاً ووافقوا على شركته كأحد مقاولي الباطن بعد ما عدلوا في جودة الشغل، وطارق بقى بيعمل لمصطفى ألف حساب في أي مجلس. وفي يوم، وإحنا قاعدين في ليلة شتوية هادية بنشرب سحلب، تليفون مصطفى رن، وكان الرقم غريب.. مصطفى رد، وملامحه اتقلبت فجأة من الهدوء للجدية والتركيز الشديد، وبقى يقول: “أيوة يا فندم.. تمام.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. طب أنا جاي حالاً!”

قفل مصطفى الخط وقام بسرعة، ووشه متغير تماماً، سألته بخوف: “في إيه يا مصطفى؟ خضيتني!” بص لي وقال وهو بيقفل زراير جاكيته بسرعة: “الحاج عبد الرحمن المنشاوي اتعرض لأزمة صحية شديدة ونقلوه المستشفى في العناية المركزة، وولاده بره البلد ومحدش معاهم هناك غير مدير مكتبه القديم.. أنا لازم أروح فوراً، الحاج مأمنّي على كل حاجة ومينفعش أسيبه في محنة زي دي!” نزلت الكلمات عليا كأنها صدمة.. الحاج عبد الرحمن اللي فتح لمصطفى طاقة القدر في العناية المركزة؟! ومصطفى هو اللي رايح يتولى المسؤولية؟ تفتكروا إيه اللي هيحصل في المستشفى، والشركة الكبيرة دي مصيرها إيه في غياب صاحبها؟

انت في الصفحة 3 من 7 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
20