رجعت سلمى البيت بعد مقابلتها مع أحمد. قفلت الباب بهدوء. وقعدت على الكنبة. قدامها ورقة عرض السفر. وجنبها الكتاب اللي أهداهولها في عيد ميلادها. فضلت ساعات تبص للاتنين. وقالت لنفسها: “أنا بقيت قوية… بس ليه أول مرة أحس إن القوة مش معناها أمشي؟” كانت فاكرة إنها لو شافت أحمد يتوسل علشان ما تسافرش… هترفضه وتمشي. لكن اللي حصل كان العكس. هو بنفسه شجعها. وقال لها تحقق حلمها. وده خلاها تشوفه بشكل جديد. … تاني يوم.
دخلت مكتب أستاذ حازم. قال لها: “ها… خدتي قرارك؟” ابتسمت وقالت: “ممكن آخد يومين كمان؟” ابتسم. “أكيد.” خرجت وهي لسه محتارة. … في نفس الوقت… أحمد كان بيدور على شقة أصغر. قرر يبيع الشقة الكبيرة اللي كانوا عايشين فيها. مش لأنه محتاج فلوس. لكن لأنه كل ركن فيها بقى وجع. دخل أوضة النوم. فتح الدولاب. ولقى علبة صغيرة ورا الرف. استغرب. فتحها. لقى فيها عشرات الورق المطوي. كل ورقة بتاريخ. فتح أول واحدة. كان مكتوب فيها:
“النهارده أحمد خد أول مكافأة في شغله. كان فرحان أوي. ربنا يديم فرحته.” فتح التانية. “النهارده اتخانق مع مديره. رجع متضايق. فضلت أضحكه لحد ما نام.” فتح التالتة. “النهارده عيد جوازنا الأول. يمكن هو نسي. بس أنا مش زعلانة. أكيد مشغول.” كل ورقة… كانت ذكرى. وكل ذكرى… كانت دعوة حلوة ليه. ولا ورقة فيها شكوى. ولا لوم. ولا كلمة وحشة. آخر ورقة كانت قبل ما تمشي بأسبوع. “حاسّة إن أحمد بعيد عني. يمكن أنا مقصرة.
هحاول أقرب منه أكتر.” أحمد وقع على ركبته. وحط الورق على صدره. وقال وهو بيبكي: “لا… إنتِ ماكنتيش مقصرة. أنا اللي كنت أعمى.” … في الليل. كتب لها رسالة. وقعد يبص فيها. “لقيت ورقك. سامحيني.” فضل ماسك الموبايل. وبعدين قفل الشاشة. وما بعتش الرسالة. قال لنفسه: “الاعتذار الحقيقي… مش كلمة.” … بعد يومين. كان أبو سلمى تعبان شوية. راحت تزوره. وأثناء ما هي بتحضر له الشاي. قال لها: “إنتِ لسه بتحبيه.” ابتسمت بحزن. “يمكن.” قال:
“وهو؟” ردت من غير تفكير: “هو اتغير.” سألها: “طيب إيه اللي مانعك؟” سكتت. وبعدين قالت: “خايفة.” الأب ابتسم. “الخوف طبيعي. لكن الإنسان بيتحاسب على اللي بيعمله. مش على اللي عمله من سنة.” … في اليوم الأخير قبل الرد على الشركة. سلمى طلبت تقابل أحمد. راح قبل المعاد بنص ساعة. كالعادة. ولما وصلت. قالت: “أنا لسه ماخدتش قرار السفر.” هز رأسه. “أي قرار هتاخديه… أنا هدعمك.” ابتسمت. وقالت: “حتى لو معناه إننا عمرنا ما هنرجع؟” بص في عينيها.
وقال بصوت ثابت: “لو ده هيخليكي سعيدة… أيوه.” نزلت دمعة من عينها. وقالت: “إنت زمان… كنت هتقوللي اقعدي. دلوقتي بتقوللي روحي.” ابتسم وقال: “زمان كنت بحب نفسي وأنا معاكي. دلوقتي… بقيت بحبك إنتِ.” سكتت. ولأول مرة… هي اللي مدت إيديها. مسكت إيده. وقالت بهدوء: “أنا طول الفترة اللي فاتت… كنت مستنية أشوف الراجل اللي اتجوزته من الأول. يمكن… دلوقتي بدأ يظهر.” قلب أحمد دق بقوة. لكنه ما شدش إيديها. ولا استغل اللحظة. اكتفى إنه يبتسم.
وقال: “أنا لسه قدامي كتير أتعلمه.” ضحكت وسط دموعها. وقالت: “وأنا لسه قدامي شوية خوف أتغلب عليه.” مشوا سوا في الشارع. من غير ما يمسكوا إيد بعض. لكن لأول مرة من سنة كاملة… كان الطريق بينهم… أقصر من أي وقت فات. وفي نهاية اليوم… رجعت سلمى البيت. فتحت اللابتوب. ودخلت على رسالة الشركة. إيدها وقفت فوق زر الرد. قرار واحد… هيغير مستقبلها كله. لكنها لم تضغط على أي شيء بعد. لأنها أرادت أن تتأكد هذه المرة…
أن القرار الذي ستتخذه… لن يكون بدافع الهروب… ولا بدافع الحنين… بل لأنها أصبحت تعرف بالضبط… ماذا تريد من حياتها. الفصل السابع فضلت سلمى قاعدة قدام شاشة اللابتوب أكتر من ساعة. المؤشر واقف عند خانة الرد. مرة تقرب بإيدها. وترجع تبعدها. في الآخر قفلت الجهاز. وقالت لنفسها: “أنا طول عمري باخد قرارات وأنا مكسورة… المرة دي هقرر وأنا مرتاحة.” في صباح اليوم التالي… راحت الشركة بدري. استأذنت تدخل مكتب أستاذ حازم. ابتسم أول ما شافها.
وقال: “أخيرًا قررتي؟” هزت رأسها. وقالت بهدوء: “أيوه.” ابتسم وقال: “مبروك.” لكنها فاجأته. قالت: “أنا هعتذر عن السفر.” استغرب جدًا. “ليه؟” ابتسمت. “مش علشان حد. ولا علشان جوزي. ولا علشان أهلي. أنا اكتشفت إن النجاح مش معناه أهرب من المكان اللي اتوجعت فيه. النجاح الحقيقي… إني أبقى قوية وأنا هنا.” فضل يبصلها ثواني. وبعدين ابتسم. وقال: “بصراحة… أنا كنت متوقع ده.” استغربت. “إزاي؟” ضحك وقال: “لأن الإنسان اللي بيروح مكان جديد هروبًا… بيفضل شايل وجعه معاه.
أما إنتِ… واضح إنك خلاص بقيتي مستعدة تفتحي صفحة جديدة.” ثم مد لها ملفًا آخر. “في منصب جديد في الفرع الرئيسي هنا في القاهرة… والمرتب قريب جدًا من مرتب دبي. كنا مستنيين قرارك.” اتسعت عيناها. وقالت بدهشة: “بجد؟” ابتسم. “إنتِ تستحقي أكتر.” خرجت من المكتب وهي حاسة إن ربنا بيعوضها… لكن المرة دي… من غير ما تضطر تسيب كل حاجة. … في نفس اليوم… كان أحمد في شغله. الموبايل رن. كان والد سلمى. رد بسرعة.
قلق. “خير يا عمي؟” ضحك الرجل. وقال: “خير يا ابني. بس كنت عايز أشرب معاك قهوة لو فاضي.” بعد ساعة… كانوا قاعدين في قهوة هادئة. الأب بص لأحمد طويلًا. وقال: “أنا كنت زعلان منك.” أحمد نزل رأسه. “ومن حقك.” قال الرجل: “لكن خلال السنة اللي فاتت… ولا مرة سمعتك اتكلمت عنها وحش. ولا مرة حاولت تضغط عليها. ولا مرة لعبت دور الضحية. وده خلاني أحترمك.” سكت شوية. وبعدين كمل. “بنتي لسه بتحبك.” أحمد رفع رأسه بسرعة.
لكن الأب رفع إيده. “استنى. حبها ليك مش معناه إنها هترجع. هي رجعت تثق في نفسها بصعوبة. ولو جرحتها تاني… هتكسرها.” دموع أحمد لمعت. وقال: “والله… لو رجعتلي… هعتبرها نعمة كل يوم. ولو ما رجعتش… هفضل أدعيلها بالسعادة.” ابتسم الأب لأول مرة. وقال: “عشان كده… يمكن يبقى ليك فرصة.” … بعد أسبوع… كانت ذكرى زواجهم. اليوم اللي كل سنة كانوا بيحتفلوا بيه. سلمى كانت عارفة التاريخ. وأحمد أكيد فاكره. لكن ولا واحد منهم بعت للتاني رسالة.
في المساء… رن جرس باب شقة سلمى. فتحت. ولقت بنت صغيرة واقفة. معاها أصيص ياسمين أبيض. قالت البنت بابتسامة: “واحد قالي أوصله لحضرتك.” وأجرت. سلمى بصت حواليها. ما لقتش حد. لكنها عرفت. دخلت الأصيص. ولقت كارت صغير. “زمان كنت بجيبلك ورد… وبيذبل بعد كام يوم. المرة دي… جبتلك حاجة تعيش. زي الأمنيات الحلوة.” مافيش اسم. لكن الخط… كان خط أحمد. ابتسمت. وحطت الأصيص جنب الشباك. وفي نفس اللحظة… بعتت له أول رسالة من قلبها. “شكرًا…
كان أجمل هدية.” أحمد قرأ الرسالة. وقلبه كان هيقف. لأنه لأول مرة… الرسالة ماكانتش رسمية. رد بهدوء: “فرحت إنه عجبك.” بعدها بدقائق… وصلته رسالة تانية. “فاضي بكرة؟” ابتسم من غير ما يحس. وكتب: “لو هتقوليلي بعد سنة كاملة… إنك عايزة نتغدى سوا… فأنا فاضي.” ضحكت وهي بتقرأ الرسالة. وردت: “لا… مش غدا.” استغرب. “أمال؟” كتبت: “تعالى اشرب قهوة عند بابا. هو اللي عازمك.” وقف أحمد من مكانه. وقرأ الرسالة خمس مرات. مش مصدق. لأن دعوة من والدها…
كان معناها شيء واحد. أن الباب… اللي اتقفل من سنة… بدأ يتفتح من جديد. لكن أحمد أقسم لنفسه… إنه حتى لو رجعت إليه سلمى… فلن يجعلها أبدًا تشعر… أنها كانت الاختيار الثاني. بل ستكون… الاختيار الوحيد… كل يوم… ولبقية عمره. الفصل الثامن اليوم التالي… أحمد ما عرفش ينام. فضل يبص في الساعة كل شوية. كل ما الوقت يقرب… قلبه يدق أسرع. كان خايف. مش من مقابلة سلمى. كان خايف من نفسه. خايف يبوظ كل اللي بناه بصبر سنة كاملة بكلمة مستعجلة.
قبل المعاد بربع ساعة… وقف قدام محل حلويات. افتكر إن والدها بيحب البسبوسة. ووالدتها كانت بتحب البيتي فور. ابتسم. وقال: “أول مرة أروح زيارة… وأفكر في أصحاب البيت قبل نفسي.” اشترى علبة كبيرة. وراح. … وقف قدام الباب. إيده اترددت وهي بتخبط. فتح والد سلمى بنفسه. ابتسم. وقال: “اتفضل يا أحمد.” دخل. كان البيت نفسه. لكن فيه تفاصيل اتغيرت. فيه مكتبة جديدة. ونباتات. وصور لسلمى وهي في حفلات تكريم بالشركة. وقف قدام صورة ليها وهي ماسكة شهادة تقدير.
ابتسم من قلبه. وقال: “ربنا يحفظها.” سمع صوتها وراه. “آمين.” لف بسرعة. كانت واقفة بفستان بسيط. من غير أي مبالغة. لكن أول ما شافها… افتكر ليه وقع في حبها من أول مرة.