مش علشان شكلها. علشان الراحة اللي كانت في وشها. … قعدوا كلهم يشربوا القهوة. والحديث كان عادي جدًا. الشغل. الجو. أخبار البلد. ولا حد فتح سيرة الماضي. بعد شوية… والدها قام. وقال: “أنا هطلع أصلي العصر.” ووالدتها قامت وراه. وسابوهم لوحدهم. كان واضح… إن ده مقصود. … سكتوا ثواني. وبعدين أحمد قال وهو بيبتسم: “القهوة لسه بنفس الطعم.” ضحكت. “لأ… أنا بقيت أحط سكر أقل.” ضحك. “حتى دي اتغيرت.” بصتله. وقالت: “كلنا اتغيرنا.” هز رأسه.
“الحمد لله.” … بعد شوية… قالت بهدوء: “فاكر يوم ما سيبت البيت؟” نزل رأسه. “كل يوم.” قالت: “أنا كنت فاكرة إنك هتكرهني.” استغرب. “أكرهك؟” قالت: “كنت سايبة كل حاجة… وماشية.” ابتسم بحزن. “أنا أول أسبوع كنت زعلان. الأسبوع التاني اشتقتلك. بعد شهر… اكتشفت إني أنا السبب.” سكتت. وسمعته يكمل. “عارفة أكتر حاجة كسرتني؟” هزت رأسها بالنفي. قال: “إنك حتى وإنتِ ماشية… حضرتيلي الفطار.” ابتسمت وسط دموعها. “كنت بحبك.” قال بصوت ثابت: “وأنا كنت غبي.” …
قامت بهدوء. وراحت ناحية المكتبة. طلعت ظرف قديم. رجعت حطته قدامه. استغرب. فتح الظرف. ولقى نفس الرسالة اللي كانت ساباها له يوم مشيت. لكن المرة دي… كان معاها ورقة جديدة. قرأها. “لما كتبت الرسالة الأولى… كنت شايفة إن نهاية جوازنا قربت. لكن النهارده… بعد سنة كاملة… اكتشفت إن النهاية الحقيقية… كانت نهاية النسخة القديمة مننا. أنا مش هقدر أنسى اللي حصل. ومش عايزة أنساه. لأنه علمني أحب نفسي. وعلمك تشوف قيمتي. ولو رجعنا… يبقى علشان إحنا بقينا شخصين مختلفين.
مش علشان إحنا اشتقنا للماضي.” أحمد كان بيقرأ… والدموع بتنزل من غير ما يحاول يخبيها. رفع رأسه. وقال: “يعني…” ابتسمت. وقالت: “يعني… أنا موافقة ندي نفسنا فرصة.” قام بسرعة. لكن وقف مكانه. افتكر كل اللي اتعلمه. وسألها بهدوء: “ينفع؟” فتحت دراعيها بابتسامة. “دلوقتي ينفع.” في اللحظة دي… قرب منها ببطء. وحضنها. حضن طويل. من غير كلام. ولا وعود كبيرة. ولا قسم. بس حضن… كان فيه اعتذار عن سنة كاملة. وكان فيه شكر… على إنها ما قفلتش الباب للأبد.
… لما والدها نزل من الصلاة… لقى الاتنين قاعدين جنب بعض. بيتكلموا. وبيضحكوا. مش ماسكين إيدين بعض. ولا بيحاولوا يمثلوا إن كل حاجة بقت تمام. لكن كان واضح إن بينهما سلامًا افتقداه طويلًا. ابتسم الأب في هدوء. وقال في نفسه: “الحب الحقيقي… مش اللي ما يعرفش الغلط. الحب الحقيقي… هو اللي يعرف يعترف بغلطه… ويتعلم منه… ويرجع يبني اللي اتكسر… حجرًا… حجرًا.” وانتهى ذلك اليوم… ليس بعودة زوجين إلى بيت واحد… بل بعودة قلبين… اختارا هذه المرة…
أن يبدأا من جديد. الفصل التاسع
رغم إن أحمد وسلمى قرروا يدوا لنفسهم فرصة جديدة…
إلا إنهم اتفقوا على حاجة من أول يوم.
مافيش رجوع للشقة.
مافيش استعجال.
ولا حد هيعتبر إن كل حاجة رجعت زي الأول.
قالت سلمى وهي بتبصله:
“أنا مش هرجع علشان حضن أو دمعتين.”
ابتسم أحمد.
وقال:
“وأنا مش مستعجل.
استنيت سنة…
وأقدر أستنى العمر كله لو ده هيطمن قلبك.”
…
بدأوا يخرجوا سوا مرة كل أسبوع.
مرة يشربوا قهوة.
مرة يتمشوا.
مرة يتغدوا.
كانوا بيتعرفوا على بعض كأنهم أول مرة يتقابلوا.
وفي كل مقابلة…
أحمد كان يكتشف حاجة جديدة فيها.
كانت بقت أقوى.
أهدى.
بقت عندها رأي واضح.
ولما يعجبهاش شيء…
بتقوله.
من غير خوف.
وفي مرة…
كانوا قاعدين في مطعم.
الجرسون جاب الطلب غلط.
أحمد كان هيقول:
“خلاص سيبه.”
لكن سلمى نادت الجرسون بابتسامة.
وقالت:
“معلش…
إحنا كنا طالبين حاجة تانية.”
ولما الجرسون اعتذر…
ابتسمت وقالت:
“ولا يهمك.”
بص لها أحمد.
وقال وهو بيضحك:
“زمان كنتِ هتسكتِ.”
قالت بثقة:
“زمان كنت بخاف أزعل أي حد.”
ابتسم.
“دلوقتي؟”
قالت وهي بتبص في عينيه:
“دلوقتي بقيت أعرف إن ليا حق.”
هز رأسه بإعجاب.
وقال:
“وأنا هفضل أفكرك بحقك طول العمر.”
…
بعد شهرين…
أحمد استأذن يطلع يشوف الشقة القديمة.
دخل لوحده.
كان لسه محتفظ بيها.
لكن كانت فاضية.
وقف في الصالة.
افتكر كل حاجة.
ضحكهم.
خناقهم.
أول سفرة.
أول رمضان.
أول عيد.
بعدين طلع موبايله.
واتصل بسلمى.
ردت.
قال لها:
“أنا في الشقة.”
سكتت.
قال:
“وجيت علشان آخد قرار.”
قلقت.
“خير؟”
ابتسم.
“هبيعها.”
استغربت.
“ليه؟”
قال:
“لأنها مليانة ذكريات حلوة ووحشة.
وأنا مش عايز حياتنا الجديدة تبدأ في مكان بيشهد على وجعك.”
سكتت طويلًا.
وقالت:
“إنت متأكد؟”
رد بثقة:
“البيت مش حيطان.
البيت…
هو الإنسان اللي معاك.”
…
بعد أسبوع…
اشترى شقة أصغر.
لكن أجمل.
وأول حاجة عملها…
إنه ما اختارش أي حاجة فيها.
استنى سلمى.
قال لها:
“لو في يوم وافقتي نعيش سوا تاني…
الشقة دي تتفرش على ذوقك.”
ضحكت.
وقالت:
“حتى لون الحيطة؟”
قال:
“حتى لون الحيطة.”
…
مرت شهور.
وفي يوم…
كانت الشركة عاملة حفل كبير.
سلمى كانت بتستلم جائزة أفضل مديرة مشروع.
طلعت على المسرح.
والكل سقف.
وأثناء نزولها…
واحدة من زميلاتها همست لها:
“جوزك واقف هناك من ساعة.”
لفتت.
شافت أحمد.
واقف آخر القاعة.
لابس بدلة بسيطة.
وبيسقف لها بكل فخر.
بعد الحفل…
قربت منه.
وقالت وهي بتضحك:
“إنت ما بتفوتش مناسبة ليا.”
ابتسم.
وقال:
“زمان كنت بشوفك مراتي.
دلوقتي…
بشوفك الإنسان اللي أنا فخور بيه.”
قالت وهي بتمزح:
“وده أحسن؟”
ابتسم.
“أحسن بكتير.”
…
بعدها بأيام…
كانت ماشية معاه في الشارع.
وفجأة…
وقفت.
قال:
“مالك؟”
طلعت من شنطتها مفتاح صغير.
حطته في إيده.
بص له باستغراب.
قال:
“ده مفتاح إيه؟”
ابتسمت.
وقالت:
“مفتاح شقتي.”
اتلخبط.
“ليه؟”
قالت:
“علشان تبطل تستأذن كل مرة تيجي توصلني.”
ابتسم.
لكن رجع لها المفتاح.
قال:
“لأ.”
استغربت.
“ليه؟”
قال بهدوء:
“اليوم اللي آخد فيه مفتاح بيتك…
يبقى يوم ما إنتِ بنفسك تقوليلي…
ارجع يا أحمد.”
سكتت.
وبعدين ضحكت.
وقالت:
“واضح إنك بقيت عنيد.”
ابتسم.
“لا…
بقيت أتعلم إن في حاجات غالية…
ما ينفعش نستعجلها.”
وفي تلك اللحظة…
شعرت سلمى أن الرجل الذي كانت تتمنى وجوده منذ بداية زواجهما…
يقف الآن أمامها بالفعل.
وللمرة الأولى…
بدأت هي تفكر بجدية…
أن الوقت ربما اقترب…
ليعودا إلى بيت واحد…
ولكن هذه المرة…
بقلبين جديدين تمامًا. مرت ثلاثة أشهر أخرى… وأحمد ما زال على وعده.
ولا مرة سألها: “هنرجع إمتى؟” ولا مرة لمح. كان كل ما يقابلها… يسألها عن شغلها. عن والدها. عن صحتها. ولو احتاجته… كان أول واحد يوصل. ولو ما احتاجتوش… كان يسيب لها مساحتها. وده بالذات… هو اللي خلاها تطمن. … في يوم جمعة… كانت سلمى قاعدة مع أمها في المطبخ. بيحضروا الغدا. الأم بصتلها وقالت: “إنتِ مبسوطة؟” ابتسمت. “أيوه.” قالت: “معاه؟” هزت رأسها. “لما بيكون موجود… بحس بالأمان.” ابتسمت الأم. “يبقى لسه بتحبيه.” ضحكت سلمى. وقالت:
“يمكن بحبه أكتر من الأول.” الأم سألتها: “طيب مستنية إيه؟” سكتت لحظة. وقالت: “مستنية أتأكد إن اللي رجعلي… مش أحمد اللي سابني أبكي لوحدي.” … في مساء نفس اليوم… أحمد كان بيقعد مع صاحبه عمر. عمر قال له وهو بيشرب الشاي: “إنت غريب.” ابتسم أحمد. “ليه؟” قال: “أي راجل مكانك كان زمانه ضغط عليها. أو زهق. أو قال خلاص.” ابتسم أحمد وهو بيبص لفنجان القهوة. وقال: “أنا اللي كسرت قلبها. يبقى أقل حاجة… إني أستنى لحد ما هي اللي تطمن.”
… بعد أسبوع… اتصلت سلمى. قالت: “فاضي النهارده؟” قال: “أيوه.” قالت: “تعالى معايا مكان.” استغرب. “فين؟” ضحكت. “لما تيجي هتعرف.” … ركب معاها العربية. فضلوا ساكتين. لحد ما وقفت قدام عمارة جديدة. نزلت. وقالته: “يلا.” طلعوا الدور الرابع. وقفت قدام باب. طلعت مفتاح. فتحت. دخل. كانت شقة فاضية. بس واسعة. وشبابيكها كلها على الشمس. بصلها باستغراب. “دي إيه؟” ابتسمت. وقالت: “اشتريتها.” اندهش. “إنتِ؟” هزت رأسها. “بقالي سنة بجمع. وخدت قرض بسيط. وده أول بيت أملكه باسمي.”
بصلها بفخر. وقال: “مبروك.” لفت تبص له. وقالت: “مش عايزة أرجع الشقة القديمة.” ابتسم. “وأنا بعتها.” ضحكت. “عرفت.” قال: “طيب؟” أخدت نفسًا عميقًا. وقالت: “أنا مش هرجع لبيت بدأ فيه وجعي.” سكت. واستناها تكمل. قالت وهي بتبتسم: “لكن… لو إحنا فعلًا هنبدأ من جديد… يبقى نبدأ في بيت جديد.” اتجمد مكانه. حاسس إنه مش مستوعب. قال بهدوء: “يعني…” ابتسمت. “يعني… لو لسه عايز تكمل معايا… يبقى البيت ده… هيبقى بيتنا.” فضل يبصلها ثواني طويلة. وكأنه خايف يكون بيحلم.
قال بصوت مخنوق: “إنتِ متأكدة؟” هزت رأسها. “المرة دي… أنا اللي بطلب.” قرب منها. وقال: “قبل ما أوافق…” ضحكت. “هتوافق بشروط؟” ابتسم. “أيوه.” قالت: “قول.” قال: “أول شرط… لو زعلتي مني… تقولي. ومتسكتيش.” ابتسمت. “موافقة.” قال: “وتاني شرط… لو أنا غلطت… ما تداريش عليا. وقفيني.” قالت: “موافقة.” قال: “وتالت شرط…” سكت لحظة. وبعدين قال: “تكملي شغلك. وأحلامك. وعمرك ما تسيبي حاجة بتحبيها علشاني.” الدموع نزلت من عينيها. وقالت: “وأنا عندي شرط واحد.” ابتسم. “إيه هو؟”
قالت وهي تمسك إيده: “لو في يوم حسيت إن قلبك راح لحد غيري… قولّي قبل ما يوجعني الصمت.” شد إيدها برفق. وبص في عينيها. وقال: “أنا ضيعت سنة كاملة… علشان أفهم إن الحب مش ذكرى قديمة… الحب هو الشخص اللي يفضل واقف جنبك… لما الدنيا كلها تمشي. وأنا مش هسمح لنفسي أوجعك تاني.” في تلك اللحظة… لم تكن هناك موسيقى. ولا ورد. ولا احتفال. ولا خاتم جديد. كان فيه شقة فاضية… وحيطان لسه من غير دهان…
لكنها كانت أجمل بداية… لأنها بُنيت هذه المرة… على الصراحة… والاحترام… والاختيار المتبادل. وبينما كانت الشمس تدخل من الشباك الواسع… وقفت سلمى بجواره… وشعرت أن البيت… لا يبدأ من الباب… بل من القلب الذي أصبح أخيرًا… يعرف كيف يحافظ عليها. الفصل الحادي عشر بعد أسبوعين… بدأوا يفرشوا الشقة الجديدة. كان كل يوم بعد الشغل… يتقابلوا هناك. مرة يختاروا لون الحيطان. ومرة يشتروا ستارة. ومرة يقعدوا على الأرض ياكلوا سندوتشات… وسط الكراتين. وفي كل مرة… كان أحمد يتعمد يسألها عن رأيها في أصغر التفاصيل.
“الكنبة دي ولا دي؟” “النجفة دي مناسبة؟” “المطبخ مفتوح أحسن ولا نقفله؟” في الأول… سلمى كانت تضحك. وتقول: “اختار إنت.” لكنه كان يرد بنفس الجملة كل مرة. “إحنا اللي هنعيش هنا… يبقى نختار سوا.” الكلمة دي… كانت بتعمل حاجة غريبة جواها. لأنها أول مرة تحس… إن رأيها مهم فعلًا. … في يوم… كانوا بيجمعوا ترابيزة السفرة.