لكن كل ما تمسك كوب القهوة الصبح… تفتكر أحمد وهو بيقشر لها التفاحة. وتضحك لوحدها. وتقول: “هو اتغير فعلًا… ولا أنا اللي بقيت بشوفه بعين مختلفة؟” وكان السؤال يفضل من غير إجابة. … أما أحمد… فكان كل يوم يحارب نفسه. كان نفسه يتصل. يسألها. يسمع صوتها. لكن كل مرة كان يفتكر وعده. “مش هضغط عليها.” وفي مرة… كتب رسالة طويلة. “وحشتيني… وأتمنى نرجع…” قرأها. وبعدين مسحها كلها. وبعت بدلها: “أتمنى تكوني بقيتي أحسن.” وصلها الرد بعد ساعة.
“الحمد لله… بقيت كويسة.” ابتسم. وقال لنفسه: “كفاية عليا إنها كويسة.” … بعد شهر. كان عيد ميلاد سلمى. أول عيد ميلاد بعيد عنه. صحيت الصبح. فتحت باب الشقة. ولقت علبة صغيرة قدام الباب. من غير اسم. دخلت. فتحتها. كان فيها كتاب كانت نفسها تشتريه من سنتين. وكان أحمد فاكر. وفي أول صفحة… ورقة صغيرة. مكتوب فيها: “كل سنة وإنتِ أقوى… وأشجع… وأسعد. مش مستني منك حاجة. أنا بس حبيت أفتكر حلم صغير… إنتِ قلتيه من زمان.”
مافيش قلب مرسوم. ولا كلمة “بحبك”. ولا حتى اسمه. لكنها كانت عارفة. قعدت تحتضن الكتاب. ودموعها نزلت. لأن فيه حد… لسه فاكر تفاصيل صغيرة عنها… بعد كل اللي حصل. … في نفس الأسبوع… أستاذ حازم استدعاها. قال: “في فرصة كبيرة. الشركة عايزة تبعت حد فرع دبي سنة كاملة.” سلمى اتجمدت. فرصة عمرها. ترقية. راتب أكبر بكتير. مستقبل جديد. لكن معناها… إنها هتسافر. بعيد. يمكن من غير رجعة. قال لها: “فكري كويس. وعرفيني آخر الأسبوع.” خرجت من المكتب.
وقلبها متلخبط. أول حد فكرت تكلمه… كان أحمد. لكنها وقفت. وقالت لنفسها: “لا… لازم أتعلم أخد قراراتي بنفسي.” … في المقابل… أحمد عرف بالصدفة. واحد صاحبه في نفس الشركة قال له: “مراتك السابقة تقريبًا مسافرة دبي.” الجملة نزلت عليه كالصاعقة. رجع البيت. وقعد ساعات يبص لصورتهم القديمة. المرة دي… ماكانش خايف يخسرها. هو كان خسرها بالفعل. لكن كان خايف… إنها تبعد للدرجة اللي مايبقاش فيه فرصة حتى للبداية من جديد. قضى الليل كله يفكر. هل يروح يكلمها؟
ولا يسيبها تختار؟ وفي الفجر… أخذ قراره. لو كانت بتحلم بالسفر… هو آخر واحد من حقه يمنعها. حتى لو كان الثمن… إنها تخرج من حياته إلى الأبد. … بعد يومين… اتصلت به سلمى. قالت بهدوء: “ممكن أشوفك؟” رد فورًا: “في أي وقت.” اتقابلوا في نفس الكافيه الصغير. قعدت قدامه. وشكلها كان متردد. قال بابتسامة: “في حاجة شاغلة بالك.” هزت رأسها. وقالت: “جالي عرض شغل في دبي.” ابتسم. رغم إن قلبه كان بيتقطع. وقال: “مبروك. إنتِ تستحقيه.”
بصتله باستغراب. كانت مستنية يقول: “ماتسافريش.” أو: “ارجعيلي.” لكن ولا كلمة. قال بهدوء: “طول عمرك تستحقي أفضل فرصة.” سألته بصوت منخفض: “ولو سافرت؟” ابتسم ابتسامة فيها وجع. وقال: “هزعل… أكيد هزعل. لكن عمري ما هطلب منك تتنازلي عن حلمك علشان خاطري. أنا عملت كده قبل كده… لما خليتك تسيبي شغلك. ومش هكرر نفس الغلط.” سلمى فضلت تبص له في صمت. لأول مرة… تشوفه بيحط مصلحتها… قبل رغبته هو. ولأول مرة منذ انفصالهما… بدأ قلبها يهمس لها بشيء كانت تحاول إسكاته منذ شهور.
ربما… ما زالت تحبه. لكنها لم تقل شيئًا. واكتفت بالنظر إليه طويلًا… بينما كان أحمد يبتسم لها… ويخفي دموعه بصعوبة. يتبع