دخلت على جوزى لقيته بيعيط

فضل أحمد واقف قدام الشركة بعد ما سلمى دخلت. كان شايف باب الشركة اتقفل وراها… لكن حاسس إن باب تاني هو اللي اتقفل في وشه. ركب عربيته… وماعرفش يتحرك. افتكر اليوم اللي رجع فيه البيت يعيط على حب قديم. وافتكر هي وهي قاعدة جنبه. ولا سألت. ولا اتهمت. ولا جرحته. كانت كل همها تحتويه. وهو… ولا مرة سأل نفسه وقتها: “مين هيحتويها هي؟” لأول مرة… حس بالخجل من نفسه. … من اليوم ده… قرر إنه مش هيضغط عليها.

ولا هيقف تحت شغلها كل يوم. ولا هيغرقها بالمكالمات. قرر يثبت إنه اتغير بالفعل. مش بالكلام. بالتصرفات. رجع يزور والدته باستمرار. بدأ يهتم بشغله. سجل في دورة تدريبية كان مأجلها من سنين. رجع يصلي في المسجد بعد ما كان مقصر. ولما كان يخلص يومه… كان يفتح مفكرة صغيرة. ويكتب فيها. “النهارده افتكرت إن سلمى كانت دايمًا تقوللي اسمع قبل ما ترد.” “النهارده فهمت ليه كانت بتزعل لما كنت بقاطعها.” “النهارده لأول مرة غسلت المواعين… واكتشفت إنها كانت بتعمل مية حاجة وأنا فاكر إنها ما بتعملش حاجة.”

كل يوم… كان بيكتشف غلط جديد. … أما سلمى… فكانت حياتها بتتغير بسرعة. بعد ست شهور… المدير استدعاها لمكتبه. قال بابتسامة: “إنتِ بقى ليكي مكان مهم في الشركة.” ناولها قرار ترقية. وزيادة محترمة في المرتب. وقفت تبص للورقة وهي مش مصدقة. افتكرت أول يوم دخلت فيه الشركة. كانت خايفة. مكسورة. حاسسة إنها بدأت من الصفر. دلوقتي… هي اللي بقت تدرب الموظفين الجداد. خرجت من المكتب. وأول حد اتصلت بيه كان أبوها. قالت وهي بتضحك: “يا بابا…

اترقيت.” سمعت صوته وهو بيقول بفخر: “أنا كنت عارف إنك هتنجحي.” دموعها نزلت. لأنها لأول مرة تحس إنها واقفة على رجليها. … في مساء نفس اليوم… كانت نازلة من الشركة. اتفاجأت بأحمد واقف بعيد. مش قدام الباب. ولا مستني يعطلها. كان واقف على الرصيف المقابل. ولما شافها… رفع إيده بإشارة سلام فقط. من غير ما يقرب. ابتسمت ابتسامة خفيفة. وردت الإشارة. وكملت طريقها. أحمد ماجراش وراها. ابتسم لنفسه. وقال: “المرة دي… هحترم المسافة اللي هي عايزاها.”

… مرت أسابيع. وبدأت بينهم رسائل قليلة. كلها رسمية. “إزيك؟” “الحمد لله.” “ربنا يوفقك.” بس مع الوقت… الكلمات بدأت تبقى أطول. مرة بعتلها صورة للقطة اللي كانت بتأكلها. وكتب: “لسه مستنياكي كل يوم.” ابتسمت من غير ما تحس. وردت: “خلي بالك منها.” كان أول رد فيه دفء من شهور. … وفي يوم جمعة… رن موبايل سلمى. كان أحمد. ترددت. لكن ردت. قال بهدوء: “أنا عارف إنك ممكن ترفضي… بس باباكي قالي إن العربية عنده عطلت.

وأنا أصلحتها ورجعتهاله. ماحبتش يعرفك مني. لكن حسيت لازم تعرفي.” سكتت لحظة. وقالت: “شكرًا.” قال بسرعة: “مش مستني مقابل. أنا بس… بصلح اللي أقدر عليه.” قفلت المكالمة. لكن الجملة فضلت ترن في ودنها. “بصلح اللي أقدر عليه.” … بعد كام يوم… كانت الشركة عاملة احتفال بسيط بنجاح مشروع كبير. الكل كان موجود. وفجأة… دخل مندوب توصيل. شايل باقة ورد بيضاء. سأل: “الأستاذة سلمى؟” استغربت. استلمتها. فتحت الكارت. كان مكتوب بخط أحمد: “مش بعت ورد علشان أرجعك.

بعت ورد علشان أقول… أنا فخور بالست اللي قدرت تقف لوحدها. وأعتذر… لإني ماكنتش أول واحد يشجعها.” وقفت تقرأ الجملة أكتر من مرة. وزميلاتها كانوا بيبتسموا. لكن محدش عرف ليه دموعها نزلت. لأنها لأول مرة… تحس إن اعتذاره خارج من قلبه… مش من خوفه إنه يخسرها. وفي آخر اليوم… أمسكت هاتفها. وكتبت له رسالة قصيرة جدًا. “الورد وصل. شكرًا.” رد بعدها بثوانٍ: “الحمد لله إنه عجبك.” ولأول مرة منذ انفصالهما… استمر الحوار بينهما أكثر من ساعة.

ليس عن الماضي… ولا عن الرجوع… بل عن يومهما العادي… وكأنهما يتعلمان التعارف من جديد. لكن داخل قلب أحمد… كان قد اتخذ قرارًا لن يتراجع عنه. لن يطلب منها العودة… إلا في اليوم الذي تشعر فيه هي… أنها تختاره بإرادتها الكاملة… وليس بدافع الشفقة أو الحنين. الفصل الرابع مرت الشهور… والعلاقة بين أحمد وسلمى بقت مختلفة. مش زوج وزوجة. ومش غريبين. كان بينهم احترام هادئ… واتنين بيحاولوا يتعرفوا على بعض من جديد. أحمد بطل يسألها كل يوم:

“هنرجع إمتى؟” وبطل يلمح. ولا مرة ضغط عليها. كل اللي كان بيعمله… إنه يثبت في كل موقف إنه اتغير. وسلمى كانت ملاحظة. لكنها كانت خايفة. خايفة تكون الأيام الجميلة مجرد مرحلة… وبعدها يرجع كل شيء زي الأول. … في الشركة… بدأ اسم سلمى يكبر. وفي نهاية السنة… تم اختيارها لقيادة مشروع جديد مع شركة أجنبية. المدير قال قدام الموظفين: “النجاح ده سببه مجهود الأستاذة سلمى.” الكل سقف. وسلمى كانت مبتسمة. لكن في آخر القاعة… كان فيه شخص واقف بهدوء.

أحمد. كان جاي يسلم أوراق تخص شركته. وصادف التكريم. وقف يصفق لها بكل قوته. من غير ما يحاول يقرب. ولما عيونهم اتقابلت… ابتسم لها ابتسامة كلها فخر. ولف ومشي. سلمى فضلت تبص وراه. واستغربت. زمان… كان بيغير لو حد مدحها. دلوقتي… بقى أسعد واحد بنجاحها. … بعد كام يوم… اتصلت بيه. أول مرة هي اللي تتصل. أحمد رد بسرعة. لكن صوته كان هادي. “إزيك يا سلمى.” قالت: “فاضي بكرة؟” قلبه دق بعنف. لكن حاول يبان طبيعي.

“أيوه.” قالت: “نتغدى سوا.” سكت ثانيتين. وقال بابتسامة: “أكيد.” … تاني يوم… قابلها في مطعم صغير كانوا بيحبوه زمان. المكان نفسه. لكن الاتنين كانوا مختلفين. أحمد أول ما شافها… قام وقف. وسحب لها الكرسي. قالت وهي بتضحك: “أول مرة تعملها.” ابتسم وقال: “في حاجات كتير أول مرة أتعلمها.” قعدوا يتكلموا. مش عن المشاكل. عن الشغل. عن الكتب. عن السفر. عن أحلامهم. واكتشفوا إنهم لأول مرة… بيسمعوا بعض بجد. … بعد الغدا… خرجوا يتمشوا. وصلوا لحد كورنيش النيل.

وقفوا ساكتين. الهواء كان هادي. وفجأة أحمد قال: “عارفة أكتر حاجة ندمت عليها؟” بصتله. قال: “إني كنت فاكر إن الحب مجرد وجود. ماعرفتش إن الحب اهتمام. واحترام. وإن الإنسان اللي معاك… ممكن يضحك في وشك كل يوم… وهو من جواه بيتكسر.” نزلت سلمى عينيها. قالت: “وأنا كمان غلطت.” استغرب. “إنتِ؟” هزت رأسها. “كنت كل مرة أزعل… أسكت. وأقول هيفهم لوحده. لكن محدش بيقرأ اللي جوه القلوب.” فضلوا ساكتين شوية. وبعدين أحمد قال: “أنا مش هطلب منك ترجعي.”

بصتله باستغراب. كمل: “لأن لو رجعتي علشان أنا تعبت… يبقى مافيش فايدة. أنا مستني اليوم… اللي إنتِ بنفسك تقولي فيه إنك عايزة نبدأ من جديد.” ابتسمت. وكانت أول ابتسامة توصل لعينيها من شهور. … بعد أسبوع… كانت سلمى راجعة شقتها بالليل. وفجأة لقت صاحب العمارة واقف مستنيها. قال لها: “الإيجار هيزيد من الشهر الجاي.” الزيادة كانت كبيرة جدًا. لدرجة إنها بدأت تفكر تدور على مكان تاني. وفي نفس الأسبوع… تعرضت لوعكة صحية بسيطة بسبب الإرهاق.

دخلت المستشفى ساعات للمحاليل. وماحدش عرف. إلا أبوها. لكن أبوها… قلق. واتصل بأحمد. رغم إن سلمى كانت موصياه مايتدخلش. أحمد ساب كل اللي في إيده. وجري على المستشفى. ولما وصل… وقف بعيد عن باب الأوضة. رفض يدخل من غير إذنها. الأب خرج وشافه. قال: “ادخل.” أحمد هز رأسه. “لو هي موافقة.” الأب دخل سألها. قال: “أحمد بره.” سكتت سلمى لحظة. وقالت بهدوء: “خليه يدخل.” دخل أحمد. كان شايل كيس فيه فاكهة. وزجاجة مية. وأدوية ناقصة.

أول ما شافها… وشه اتغير. قال بصوت مخنوق: “سلامتك.” قالتها بابتسامة هادئة: “الله يسلمك.” ماعاتبهاش. ولا سألها ليه ماقالتلوش. كل اللي عمله… إنه قعد على الكرسي جنبها. وقعد يقشر لها تفاحة. ويقطعها قطع صغيرة. زي ما كانت هي بتعمل معاه… لما كان بيتعب. بصت لإيده. وبعدين بصت لوشه. وافتكرت يوم كان منهار بسبب حب قديم… وهي اللي كانت بتمسح دموعه. النهارده… الأدوار اتبدلت. ولأول مرة منذ انفصالهما… شعرت أن الرجل الجالس أمامها… لم يعد هو نفس أحمد الذي تركته قبل عام.

لكنه أيضًا… لم يكن قد استعادها بعد. الفصل الخامس خرجت سلمى من المستشفى بعد يومين. كانت صحتها أحسن. لكن اللي فضل يشغل بالها… مش التعب. كان تصرف أحمد. دخل… اطمن عليها. جاب لها الدوا. قعد جنبها ساعات. ولما نامت من تأثير العلاج… استأذن أبوها ومشي. من غير ما يصحيها. ولا حتى يسيب رسالة. كأنه كان بيعمل واجبه… مش بيشتري بيه رجوعها. وده بالذات… هو اللي هز قلبها. … رجعت شقتها. وبدأت حياتها تمشي من جديد.

انت في الصفحة 2 من 7 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
22