الدنيا اسودت في عيني تاني، وحسيت إن الفرحة بتستخسر تقعد في بيتي حتى لساعة واحدة. بصيت لعيالي اللي كانوا ماسكــ,,ـــــين في ديل جلابيتي، ووشوشهم لسه صفرا من رعب المحكمة والنيابة، وقلت في بالي: “يارب، أنا لسه خارجة من ظلــ,,ـــــمات السجــ,,ـــــن، يطلعوا لي دول منين؟” أخدت عيالي وطلعت السلم ورجلي بتقلبني. دخلت الشقة وقفلت الباب بالترباس والمفتاح، وسندت ضهري عليه وأنا بنهج. الشقة كانت هادية هدوء يقبــ,,ـــــض الصدـ,,ـــر، ومكان الماكينة الفاضي كان زي الجرح المفتوح في نص الصالة.
مكملناش ساعتين بعد العصر، وسمعت صوت دبة رجالة تقيلة على السلم. قلبي انقبــ,,ـــــض وعيالي جريوا استخبوا ورا ضهري. الدب وصل لحد باب شقتي، وفجأة الباب اترج برزعة قوية لدرجة إن الخشب قدم وبدأ يقشر. صوت “أشرف” أخو محمود الكبير زلزل الممر بره، وهو بيصرخ بغل: “افتحي يا سهام! افتحي بدل ما نكسر الباب على دماغك ودماغ عيالك!” بلعت ريقي ورحت وقفت ورا الباب من غير ما أفتح، وقلت بصوت عالي بحاول أبينه قوي: “عايز إيه يا أشرف؟ وأخوك في السجــ,,ـــــن بسبب عمايله وقرفه، جايب رجالة وجاي على حُرمة وعيالها في بيتها؟”
أشرف رد بضحكة استفزازية وسخرية: ” بيتها؟ بيت مين يا أم عيال؟ الشقة دي شقة أخويا، ومكتوبة باسمه، وإحنا أولى بورثنا.. أخويا داخل سجــ,,ـــــن مؤبد ومش طالع منه، وإحنا مش هنسيب شقتنا لواحدة حبست أخونا وضيعت اسمه في الوحل! معاكي لحد الصبح، تلمي هلاهيلك أنتِ وعيالك وتغوري من هنا، وإلا هنيجي نرمي حاجتك في الشارع والحتة كلها تتفرج عليكي!” سمعت صوت خطواتهم وهي نازلة وبتضحك، وقعدت على الأرض ألطم على وشي. أروح فين بالثلاث عيال؟ وأهلي اللي قالوا لي “اقفلي بقك واقعدي في بيتك” مستحيل يستقبلوني بثلاث عيال ومصاريف تقطم الظهر.
طول الليل منمتش، وفضلت باصة للسقف وبدعي والدموع مابتجفش. وقبل الفجر، قمت وفتحت الدولاب، وطلعت عقد الشقة اللي محمود كان مخبيه وسط ورقة قديم، كنت عايزة أشوف هل فعلاً الشقة باسمه مية في المية وأنا ماليش حق فيها؟ فتحت العقد القديم المقشر، وبدأت أقرا السطور المكتوبة بخط باهت.. وفجأة عيني برقت، وقلبي دق بسرعة جنونية وأنا بقرا بند من البنود.. العقد مكنش باسم محمود لوحده! العقد كان مكتوب باسم “محمود عبد الرحمن” وباسم “والدتي الله يرحمها” كضامن ومشارك بالثلثين، لأنها هي اللي كانت دافعة خلو الرِّجل والمقدم من دهبها عشان تجوزني!
وفي قاع العقد، كان فيه تنازل رسمي وموثق من أمي ليا قبل ما تمــ,,ـــــوت عن نصيبها في الشقة!
الصبح طلع، والشمس بدأت تدخل من الشباك، وسمعت تاني خبط أشرف ورجالته على الباب، وصوته وهو بيقول: “المهلة خلصت يا سهام.. افتحي هاتي المفاتيح وغوري من هنا!”
فتحت الباب المرة دي على وسعه، ووقفت بصلابة عمري ما حسيت بيها في حياتي، وبصيت في عين أشرف اللي كان معاه عتلة حديد، وقلتله وأنا رافعة العقد في وشه: “وريني بقى هتطردني إزاي من ملكي يا أشرف؟ الشقة دي ثلثينها باسمي بورث أمي، وأخوك ملوش غير الثلث.. ولو ملمتش رجالتك ونزلت حالا، أنا هطلب لك النجدة اللي لسه لامة أخوك امبارح، وهعملك قض..ية تهجم وعدم تعرض بالورق والمستندات دي!”
أشرف وشه اتخطف وبص للورق وبص للرجالة اللي معاه، والغل كان هيطلع من عينه.. بس الصدمة الحقيقية مكنتش في عقد الشقة، الصدمة كانت في المحامي اللي أشرف جابه معاه، واللي بص للعقد وقال لأشرف بصوت واطي سمعته بوضوح: “الكلام ده صح يا أشرف، والست دي معاها حق.. بس فيه مصيبة تانية أنت متعرفهاش في العقد ده، محمود كان ماضي على وصل أمانة كضمان للشقة لتاجر المخدــ,,ـــــرات، والتاجر رفع القضي..ة والشقة دي محجوز عليها ومباعة في المزاد العلني من أسبوع!”
“المزاد العلني؟ محجوز عليها ومباعة؟” الكلمة نزلت على دماغي زي حجر تقيل هد الباقي من حيلتي. الورق اللي كنت ماسكاه في إيدي وحاسة إنه طوق النجاة، فجأة حسيت إنه حتة قماشة دايبة ميتسندش عليها. أشرف وشه جاب ألوان وبص للمحامي بذهول وصرخ: “أنت بتقول إيه يا أستاذ؟ شقة إيه اللي اتباعت؟ ده ورثنا! محمود إزاي يعمل كده من ورايا؟”
المحامي رد ببرود: “أخوك عشان يسحب بضاعة من التاجر ومكنش معاه سيولة، مضى على وصولات أمانة ورهن الشقة كضمان. ولما التاجر حس إن البوليس بيراقبهم من فترة، كان مأمن نفسه ورفع الوصولات دي، وخد حكم غيابي بالحجز، والشقة دخلت مزاد علني واتباعت من أسبوع واحد بس لشخص دفع تمنها كاش.. يعني الشقة دي مبقتش بتاعتكم ولا بتاعتها.”
أشرف بصلي بغل، ورغم إنه خسر الشقة، بس شماتته فيا كانت أكبر من زعله على ورثه، تف على الأرض وقال: “أشبعي بيها بقى.. خلي الحكومة تيجي ترميكي أنتِ وعيالك في الشارع، وأنا ماليش دعوة بالخرابة دي تاني!” وسابني ونزل هو ورجالته وهو بيشتم في محمود وفي اليوم اللي عرفوني فيه. قفلت الباب وسندت عليه وأنا بنهار.. قعدت على الأرض أضم عيالي وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتآمرت عليا. بعد يومين بالظبط، الباب خبط، بس المرة دي مكنش أشرف.. ده كان مُحضر من المحكمة ومعاه قوة من القسم عشان ينفذ قرار الإخلاء وتسليم الشقة للمالك الجديد.