جوزى بتعاــ,,ــطي ممنــ,,ــوعات

دخلت سرايا النيابة ورجلي بتخبط في بعضها، الحارس كان ممشيني في الممر الطويل وسط ناس أشكال وألوان، وعيالي سبتهم بره مع جارتي الطيبة اللي رضيت تقعد بيهم ساعتين. كل ما أقرب من أوضة وكيل النيابة، كنت بحس إن قلبي هيقف من الخوف، مش خوف على محمود، أنا قلبي مات من ناحيته، بس خوف من المجهول، وخوف على عيالي اللي ملهمش ذنب في كل اللي بيحصل ده. العسكري نده على اسمي: “سهام عبد الرحمن.. ادخلي”.

دخلت الأوضة، كانت مكتب كبير مليان ملفات، وورا المكتب قاعد وكيل النيابة، راجل وقور وعينه فيها نظرة ذكية ونافذة. وعلى جنب، كان محمود قاعد على كرسي خشبي، متبهدل، والكلابشات في إيده، ووشه في الأرض مش قادر يرفع عينه فيا. وفي زاوية المكتب، كانت ماكينتي السودا المحبوسة هي كمان، متغلفة ببلاستيك وعليها شريط أحمر مكتوب عليه “حرز”. وكيل النيابة بصلي بهدوء وقال: “اقعدي يا مدام سهام.. قوليلي أقوالك في اللي حصل، وجوزك أخد الماكينة دي منك إزاي؟”

بدأت أتكلم وصوتي بيترعش، حكيتله كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم.. حكيتله عن معاناتي مع شربه وممنوعاته، وعن الخاتم الذهب اللي بعته عشان أشتري الماكينة دي وأأكل منها عيالي، وحكيتله عن علقة امبارح وإزاي سرقها مني عافية وأنا بصرخ ونزل بيها في نص الليل. كنت بتكلم ودموعي بتنزل مغرقة وشي، ووكيل النيابة كان بيسمع بإنصات شديد وبيكتب ورايا.

لما خلصت كلامي، وكيل النيابة بصل لمحمود وقال بصوت حازم: “سمعت أقوال زوجتك يا محمود؟ أنت متهم بالاتجار في المواد المخدرة، وجلبها، وتفخيخ أدوات منزلية لإخفائها.. والتاجر اللي اتقبــ,,ـــــض عليه اعترف إنك شغال معاه بقالك سنة كاملة، مش مجرد ليلة واحدة زي ما قلت في الأول”.

محمود فجأة رفع راسه، وبدل ما ينكر أو يعتذر، بصلي بنظرة كلها غل وحقد، وصرخ بصوت غريب هز الأوضة: “لأ يا باشا! هي عارفة كل حاجة! دي بتتبلى عليا عشان تخلص مني وتاخد الشقة! الماكينة دي بتاعتها وهي اللي كانت بتساعدني نلضم البودرة جوة المــ,,ـــــوتور، وكانت بتاخد نصيبها من الفلوس وتصرفها على العيال وتجيب لبس وعمليات.. دي شريكتي في كل حاجة!” الدنيا اسودت في عيني، وصرخت بأعلى صوتي: “حرام عليك يا ظالم! اتقي الله! أنا أعمل كده؟ أنا اللي كنت بنام من غير عشا عشان العيال ياكلوا؟!”

وكيل النيابة خبط على المكتب بقوة وقال: “اسكت أنت وهو! محمود.. الكلام ده عليه دليل؟” محمود ضحك ضحكة صفرا وقال: “دليلي جوة بيتها يا باشا.. فتشوا الدولاب بتاعها، هتلاقوا كيس هيروين صغير أنا شيله هناك، وهي عارفة مكانه، ده غير الفلوس اللي كانت مخبياها تحت مرتبة السر,,ـــــير.. اسألوها منين جابت حق عملية بنتها وحق لبس عيالها والماكينة مبطلعش كل ده؟!”
الصدمة كانت أكبر من عقلي.. محمود مش بس ضيع نفسه وضيع لقمة عيشنا، ده كمان كان بيجرني معاه للسجــ,,ـــــن عشان يضمن إن لو هو غرق، أنا أغرق معاه وميبقاش ليا قومة تاني.

وكيل النيابة بصلي بنظرة غامضة، وندة على العسكري وقال: “هاتلي القوة.. وانزلوا فتشوا شقة المتهم فوراً، واجردوا كل حاجة فيها.. والمدام تفضل هنا لحد ما القوة ترجع!” قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني، السجــ,,ـــــن بقى قاب قوسين أو أدنى، ومحمود قاعد بيبصلي بشماتة مفيهاش أي رحمة، وأنا ماليش غير الدعاء: “يارب أنت عالم بحالي.. انصرني على اللي ظلــ,,ـــــمني”. فضلت قاعدة على أعصابي والساعات بتمر كأنها سنين، لحد ما الباب اتفتح ورجع العسكري ومعاه الشنطة اللي حرزوا فيها الحاجات اللي لقوها في الشقة!

حط العسكري الشنطة على مكتب وكيل النيابة، ودقات قلبي كانت مسموعة في الأوضة كلها. كنت حاسة إن حبل المشنقة بيتلف حوالين رقبتي، وعيني راحت على محمود اللي عدل قعدته وبانت على وشه ابتسامة انتصار خبيثة، وكأنه خلاص ضمن إنه هيسحبني معاه لظلــ,,ـــــمات السجــ,,ـــــن. وكيل النيابة فتح الشنطة ببطء شديد، وطلع منها كيس بلاستيك شفاف صغير جواه بودرة بيضا، ولفافة قماش قديمة مربوطة بخيط سميك. بص لمحمود وقال: “هو ده الكيس والفلوس اللي قلت عليهم؟”

محمود هز راسه بسرعة وشر في عينه: “أيوة يا باشا.. هي دي البضاعة اللي شايلاها معاها، ودي الفلوس اللي بتتحصل عليها من ورايا ومن ورا البيع وشغل الماكينة اللي مدارية وراه!” وكيل النيابة مسك لفافة القماش، وفك الخيط بالراحة، وفتحها.. وطلع منها رزمة فلوس، بس مكنتش فلوس كتير زي ما محمود متخيل، دي كانت فئات صغيرة؛ خمسات وعشرات وعشرين جنيهاً، كلها فلوس دبلانة ومهروسة من عرق الشقا. ومع الفلوس، وقعت ورقة كشكول صغيرة مكتوبة بخط إيد يترعش.

وكيل النيابة مسك الورقة وقراها بصوت عالي: “حساب عملية اللوز بتاعة سلمى.. باقيلها 200 جنيه للدكتور. جزمة أحمد الجديدة.. تم الدفع 150 جنيه وباقي 50 للمحل. توب القماش الأبيض لعروسة الحتة.. عربون 300 جنيه”. النيابة سكتت تماماً، ووكيل النيابة بص لمحمود بنظرة خلت ريق محمود ينشف، وبعدين بص للكيس الصغير اللي جواه البودرة البيضا، ومسكه بإيده وضغط عليه، وفجأة فتح الكيس وقرب صباعه منه، وبص للعسكري اللي جاب الشنطة وقال: “أنت لقيت الكيس ده فين بالضبط يا عسكري؟”

العسكري أدى التحية وقال: “يا فندم، لقيناه في قاع الدولاب تحت كراكيب قديمة ولبس شتوي مش مستعمل بقاله سنين، ومكنش متداري بذكاء يعني، كأنه محطوط على عجلة.. واللفافة دي كانت تحت مرتبة السر,,ـــــير”.
وكيل النيابة ابتسم ابتسامة سخرية، وبص لمحمود وقال: “بقى دي الفلوس اللي المدام مخبياها من تجارة الهيروين يا محمود؟ خمسات وعشرات مكتوب عليها حساب جزمة وعملية لوز؟ وكمان حاطط كيس البودرة في مكان هي مابتفتحهوش ومفتكرتش غير لما جيت تلبسها قض..ية؟

التحريات اللي جاتلي حالا من المباحث بتقول إنك دخلت الشقة بعد ما ضــ,,ـــــربت زوجتها ونزلت، بس رجعت تاني الفجر قبل ما البوليس يكبس على الوكر، ودخلت دقيقتين وخرجت.. كنت داخل تحط الكيس ده عشان تضمن تخلص منها لو اتمسكت، صح؟” محمود وشه اتقلب ألوان، وبدأ يتلعثم: “لأ.. لأ يا باشا، والله هي اللي..” وكيل النيابة خبط على المكتب بقوة زلزلت الأوضة: “اسكت! تهمة البلاغ الكاذب وتلفيق قض..ية لزوجتك هتتضاف لملف جناياتك.. المدام سهام بريئة مالهاش أي علاقة بنشاطك القذر، والورقة دي والفلوس دي أكبر دليل على شقاها وعرقها عشان تربي عيالك اللي أنت ضيعتهم!”

التفت ليا وكيل النيابة ونبرة صوته اتمحت منها القسوة تماماً وبقت كلها إنسانية: “مدام سهام.. أنتِ سبيله، اطلعي لعيالك وربيهم، وربنا يعينك عليهم”. دموعي نزلت زي المطر، بس المرة دي كانت دموع إرتياح ونصر من رب العباد. قمت وأنا مش مصدقة، بصيت لمحمود بنظرة احتقار وكسرة، وقلتله بقلب محروق: “حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. ربنا ينتقم منك”. وسبته وهو بيصرخ وبياخدوه العساكر على الحجز. خرجت من باب النيابة، أخدت عيالي في حــ,,ـــــضني وفضلنا نعيط في الشارع وسط الناس، كنت حاسة إني اتولدت من جديد، بس الفرحة مكملتش لما رجعت الحتة..

أول ما رجعت، لقيت جارتي الطيبة مستنياني ووشها ميريحش، وقالتلي بصوت واطي: “الحقي يا سهام.. أهل محمود عرفوا باللي حصل، وأخوه الكبير جايب رجالة وقاعدين على القهوة مستنيينك، وبيقولوا الشقة دي بتاعة أخوهم ومينفعش حُرمة تقعد فيها بعد ما حبس أخوهم، وهيجوا يرموكِ أنتِ وعيالك في الشارع بالليل!”

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2