حاولت أصرخ، أعيط، أوريهم عقد أمي وتنازلها، بس المُحضر قالي بجمود: “يا مدام أنا عبد المأمور، معايا حكم محكمة واجب النفاذ، الورق ده تروحي تشتكي بيه في المحكمة، لكن دلوقتي لازم تخلي الشقة.” في أقل من ساعة، كنت في الشارع. أنا وثلاث عيال، وكام شنطة فيهم هدومنا وبطانيتين. وقفت على ناصية الشارع والناس بتبصلي بصعبانية، بس محدش قادر يتدخل. كرامتي مسمحتليش أروح لأهلي اللي باعوني أول مرة وقالولي “استحملي وملكِش غير بيت جوزك”.
جارتي “أم حسين”، ست أصيلة من ريحة الزمن القديم، شافتني وأنا قاعدة على الرصيف وعيالي نايمين على رجلي من التعب. جاتلي ودموعها في عينها وقالتلي: “قومي يا سهام، السطوح عندي فيه أوضة مقفولة بكراكيب، هننضفها وتستري فيها أنتِ والعيال لحد ما ربنا يفرجها.. الشارع ميرحمش يا بنتي.” طلعت الأوضة، كانت عبارة عن أربع حيطان أسمنت وسقف صاج، برد بالليل وحر بالنهار، بس كانت أرحم من نظرات الناس. نيمت عيالي على الأرض، وبصيت للسما من شق في السقف وقلت: “يارب، أنا اتقفلت في وشي كل البيبان، مبقاش ليا غير بابك.. انصرني ولو بعد حين.”
تاني يوم الصبح، عرفت إني لازم أتحرك، مفيش وقت للحزن والعيال جعانة. رحت المحكمة أسأل على أي محامي غلبان يمسكلي قض..ية الشقة بعقد أمي، وربنا وقعني في محامي شاب اسمه “أحمد”، لسه في بداية طريقه بس وشه فيه قبول وخير. حكيتله الحكاية كلها، ووريته العقد. أحمد اتعاطف معايا جداً وقالي: “يا مدام سهام، محمود ملوش غير الثلث، مكنش ينفع يرهن الشقة كلها، المزاد ده باطل قانوناً.. بس إحنا محتاجين نجيب ملف القض..ية ونشوف مين اللي اشترى الشقة عشان نرفع عليه قض..ية بطلان بيع.”
سابني وقالي استنيه في كافتيريا المحكمة. فضلت قاعدة على أعصابي، بدعي ربنا إنها تفرج وأقدر أرجع حقي وحق عيالي، وأعرف مين الشخص المجهول اللي اشترى شقانا في المزاد السري ده. بعد ساعتين، لقيت الأستاذ أحمد راجع من بعيد، بس وشه مكنش مبشر بالخير خالص. خطواته كانت تقيلة، وماسك في إيده ملف ورق وعينه بتهرب من عيني. قرب مني وقعد على الكرسي وهو بياخد نفس عميق، وقالي بصوت واطي ومتردد: “يا مدام سهام.. أنا جبت ملف المزاد، وعرفت مين اللي رسا عليه المزاد واشترى الشقة ودفع تمنها كاش للتاجر…”
قلبي دق بسرعة وقولتله بلهفة: “مين يا أستاذ أحمد؟ مين اللي خد شقانا وشقا أمي؟” المحامي حط الورقة قدامي، وشاور بصابعه على اسم المشتري، وقالي جملة خلت الدم يهرب من عروقي وأحس إن روحي بتطلع من مكاني:
“اللي اشترى الشقة واستغل ظروف جوزك عشان ياخدها بتراب الفلوس.. هو…” المحامي حط الورقة قدامي، وشاور بصابعه على اسم المشتري، وقالي جملة خلت الدم يهرب من عروقي وأحس إن روحي بتطلع من مكاني: “اللي اشترى الشقة واستغل ظروف جوزك عشان ياخدها بتراب الفلوس.. هو أبوكي!”
الصدمة شلت لساني، والكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. أبويا؟ أبويا اللي رحتله أول جوازي ودموعي على خدي فكسر بخاطري وقالي “مالك وماله طالما مكفيكي اقفلي بقك”؟! أبويا اللي استخسر فيا الأمان والاستقرار، يروح من ورايا يدفع فلوس كاش لتاجر مخدــ,,ـــــرات عشان يشتري الشقة اللي طردوني منها؟!
قمت من مكاني زي المجنونة، وأخذت عيالي في إيدي وجريت على بيت أهلي. وصلت هناك وفتحت الباب بقوة، لقيت أبويا قاعد بيشرب الشاي في هدوء وكأن مفيش حاجة حصلت. رميت الورقة في وشه وصرخت بدموع قاهرة: “ليه يا بابا؟ ليه تعمل فيا كده؟ بقى تشتري شقتي من تاجر مخدــ,,ـــــرات وترضى إن المحضر يرميني أنا وعيالك في الشارع عشان تاخدها؟ أنت أبويا ولا عدوي؟”
أبويا بص للورقة، وأخد نفس طويل، وهز راسه بهدوء غريب، وقام وقف وقرب مني وطبطب على كتفي لأول مرة من سنين. قال بصوت هادي وفيه ندم داراه لسنات: “اقعدي يا بنتي واسمعيني.. أنا لو كنت وقفت معاكي أول مرة وطلقتك منه، كان محمود هيفضل يطاردك ويطاردنا، ومكنش هيسيبك في حالك، وكان ممكن يئذيكي أو يئذي عيالك في لحظة طيش وكيف.”
سكت شوية وكمل ودموعه لمعت في عينه: “أنا لما عرفت من أهل الحتة إن الشقة داخلة مزاد ورهن لتاجر، عرفت إن محمود خلاص نهايته قربت وضاع. لو كنت سبت الشقة، كان غريب هياخدها ويطردك وتضيعي بجد. أنا اشتريت الشقة في المزاد باسمي عشان أحميها من تاجر المخدــ,,ـــــرات ومن أخو محمود، وعشان أضمن إن مفيش مخلوق يقدر يحط إيده عليها.. ومكنتش أقدر أقولك عشان محمود ميعرفش ويجي يبتزني أو يسرق عقودها الجديدة عشان يبيعها تاني للكيف بتاعه.”
أبويا طلع من جيبه مفتاح الشقة القديم، ومعاه عقد بيع وشراء جديد خالص، وحطه في إيدي وقال: “الشقة دي من النهاردة مكتوبة باسمك وباسم عيالك الثلاثة بيع وشراء نهائي، ومحدش ليه لقمة فيها. ردي لبيتك يا بنتي معززة مكرمة، وأنا سندك وضهرك من هنا ورايح.. ومتقلقيش، أنا نزلت النيابة الصبح، وجبتلك ماكينة الخياطة بتاعتك بعد ما فحصوها وفكو الحرز عنها.. الماكينة تحت في مدخل البيت مستنياكي.”
وقعت على الأرض من كتر البُكا، بس المرة دي كانت دموع شكر وفرحة.. ربنا من فوق سبع سموات جبر بخاطري، ورجعلي حقي، وطلع أبويا مش ظالم، ده كان بيحميني بطريقته وبحكمته السن اللي مكنتش فاهماها. ### الحكمة من القصة القصة دي مش مجرد وجع وفرحة بعد تشتت، دي فيها دروس وحكم عتيقة لكل إنسان بيمر بضيق: * **الفرج بيولد من رحم الكرب:** لما تقفلت كل البيبان في وش سهام؛ باب الزوج، وباب الأهل في الأول، وباب القانون لما طردوها، ربنا فتحلها باب أوسع ورجعلها حقها كامل ومحصن.
* **حكمة الأباء قد تخفيها القسوة:** أحياناً الأهل بياخدوا مواقف بنشوفها قاسية أو تخلّي، بس بيبقى وراها نظرة أبعد لحمايتنا من شرور أكبر مش بنبقى شايفينها في وقتها. * **الكسب الحلال طوق نجاة:** ماكينة الخياطة اللي جت بعرق الجبين وبخاتم حلال، كانت هي اللحن اللي سمر البيت ومنع انهياره، وفي النهاية رجعت لصاحبتها لأن “الطيب لا يضيع عند الله”. * **نهاية الظلــ,,ـــــم والشر حتمية:** محمود اللي باع بيته وعياله عشان السموم، انتهى بيه الحال في السجــ,,ـــــن وخسر كل شيء، بينما زوجته الصابرة رفعت راس عيالها وبقت صاحبة ملك وأمان.