تزوج زوجي امراه أخرى باموالي حكايات اسما السيد

أما سلمى… فكانت تحضر، توقع، تراجع، تبكي وحدها، ثم تعود في الصباح بوجه ثابت. حتى جاء اليوم الذي استلمت فيه حكم الطلاق. ورقة واحدة. لكنها شعرت كأنها باب يُفتح بعد سنوات في غرفة بلا هواء. قرأت اسمها. ثم اسمه. ثم عبارة الطلاق للضرر. أغلقت عينيها. لم تكن نهاية الألم. لكنها كانت بداية خروجها منه. بعد شهرين. وقفت سلمى أمام مبنى شركتها. كان هناك لافتة جديدة. ليست باسم جديد. لكن بروح جديدة. ألغت كل امتيازات العائلة.

فصلت الفاسدين. عينت لجنة رقابة مستقلة. وزادت رواتب الموظفين الذين تحملوا ضغط السنوات الماضية. وفي أول اجتماع عام، وقفت أمام الجميع وقالت: ـ الشركة دي اتبنت بالتعب. واللي حصل كان درس قاسي. من النهارده، مفيش حد فوق المساءلة. لا قريب. لا زوج. لا صديق. ولا حتى أنا. صفق الموظفون. لكن سلمى لم تبتسم إلا قليلًا. لأنها كانت تعرف أن التصفيق لا يمحو الخـ,ـيانة. لكنه يثبت أن الحياة لم تتوقف. وفي المساء، جاءها اتصال من رقم تعرفه.

كريم. كان من داخل محبسه الاحتياطي. ترددت قبل الرد. ثم أجابت. قال بصوت هادئ مكسور: ـ مش طالب منك حاجة. صمتت. ـ بس عايز أقولك إنك كنتي أحسن حاجة في حياتي… وأنا كنت أغبى من إني أحافظ عليها. قالت سلمى بعد لحظة: ـ لا يا كريم. أنت ما كنتش غبي. الغباء خطأ. اللي عملته كان اختيار. سكت طويلًا. ثم قال: ـ سامحيني. أغمضت عينيها. ـ يومًا ما يمكن أسامح عشان نفسي. مش عشانك. ثم أغلقت الخط.

ولم تبكِ. في اليوم التالي، ذهبت سلمى إلى الفيلا للمرة الأخيرة. لم تعد ملكها. لكن المالك الجديد سمح لها بأخذ آخر صندوق من أغراضها. دخلت الغرفة التي كانت يومًا غرفة أحلامها. وجدت صندوقًا صغيرًا في الخزانة. به صور قديمة. صورة زفافها. صورة أول عيد زواج. صورة لها وهي تضحك بجانب كريم أمام شجرة الكريسماس. نظرت إلى الصور طويلًا. ثم لم تمزقها. ولم تحــ,,ـــــرقها. وضعتها في الصندوق. وقالت لنفسها: ـ دي كانت نسخة مني. مش عدوة. كانت بتحب بس.

أغلقت الصندوق. وخرجت. وعند البوابة، توقفت لحظة. تذكرت كريم ورنا وهما يحاولان الدخول. تذكرت الحارس. تذكرت سقوط الحقيبة. تذكرت أول ابتسامة بعد الخيـ,ـانة. ثم رفعت رأسها ومشت. بعد ستة أشهر. افتتحت سلمى فرعًا جديدًا للشركة في العاصمة الإدارية. كانت تقف على المسرح أمام عشرات المستثمرين والصحفيين.
امرأة أنيقة. قوية. لكن ليست قاسية. وعندما سألها أحد الصحفيين: ـ ما الدرس الأكبر الذي خرجتِ به من الفترة الماضية؟ ابتسمت. وقالت:

ـ أن الحب لا يعني أن تسلم مفاتيح حياتك لشخص آخر. وأن الطيبة بدون حدود تتحول إلى دعوة مفتوحة للاستغلال. وأن أقوى انتقام أحيانًا ليس أن تدمر من ظلــ,,ـــــمك… بل أن تستعيد نفسك كاملة. صفق الحضور. وفي آخر القاعة، كان والد رنا يقف بهدوء. اقترب بعد انتهاء الافتتاح. قال: ـ رنا ولدت. سلمى سكتت. ـ ولد. ـ ربنا يحفظه. قال الرجل بعينين دامعتين: ـ سمته آدم. ابتسمت سلمى ابتسامة صغيرة. ـ بداية جديدة. هز الرجل رأسه.

ـ هي بتتعالج نفسيًا. وبتشتغل من البيت. بتقول إنها مش عايزة تربي ابنها على الكذب. قالت سلمى: ـ أتمنى تكون صادقة. ـ بتدعيلك. نظرت سلمى بعيدًا. ـ تقولها تدعي لنفسها أكتر. في نفس الليلة، عادت سلمى إلى بيتها الجديد. ليس فندقًا. ولا فيلا قديمة. بيت اختارته وحدها. بلا ذكريات موجعة. وضعت مفاتيحها على الطاولة، وفتحت الشرفة. كان الهواء دافئًا. والمدينة مضيئة. رن هاتفها برسالة من شريف: “الحكم في قض*ية الأموال الأسبوع القادم. الموقف قوي جدًا.”

ابتسمت بهدوء. ثم أغلقت الهاتف. لم تعد حياتها معلقة بحكم. ولا برجل. ولا بعائلة. كانت قد ربحت شيئًا أكبر من المال. ربحت نفسها. وقفت أمام المرآة. نظرت إلى وجهها. لم يكن وجه امرأة لم تُكسر. بل وجه امرأة كُسرت… ثم أعادت بناء نفسها بيديها. همست: ـ أنا سلمى فؤاد. وهذه المرة… لن أسمح لأحد أن يكتب نهايتي بدلًا مني. ثم أطفأت الضوء. لكن داخلها… كان النور قد بدأ أخيرًا. يتبع الفصل الأخير: بعد عام واحد

مر عام كامل. اثنا عشر شهرًا من الجلسات والمحاكم والأوراق والتقارير والشهادات. عام كامل منذ الليلة التي فتحت فيها سلمى هاتفها ورأت صورة زفاف زوجها على امرأة أخرى. أحيانًا كانت تشعر أن تلك المرأة التي جلست في مكتبها يومها ليست هي. وكأنها حياة أخرى. امرأة أخرى. عمر آخر. في صباح هادئ من شهر أكتوبر، دخلت سلمى إلى قاعة المحكمة للمرة الأخيرة. لم تكن هناك كاميرات كثيرة هذه المرة. الصحفيون ملّوا القصة. الجمهور نسي الفضيحة. والناس انتقلت إلى أخبار جديدة.

وهذه هي طبيعة الدنيا. الأحداث التي تحطم قلبك تصبح بعد أشهر مجرد خبر قديم. لكن بالنسبة لسلمى… كانت هذه الجلسة نهاية فصل كامل من حياتها. جلس شريف بجانبها. وقال بهدوء: ـ جاهزة؟ أومأت. ـ من زمان. بعد دقائق دخل القاضي. ثم بدأ النطق بالأحكام. كريم الشاذلي. حسام الشاذلي. محمود الرفاعي. وعدد من المتورطين. استمعت سلمى دون أن تتحرك. دون أن تبتسم. دون أن تبكي. كانت فقط تسمع. وكأنها تشاهد فيلمًا انتهى بالفعل منذ زمن. وعندما انتهت الجلسة…

نظر إليها شريف. وقال: ـ خلصت. نظرت أمامها. ـ أيوه. ـ أخيرًا. تنهدت ببطء. ـ أخيرًا. خرجت من المحكمة. وكانت السماء صافية. على غير العادة. شعرت فجأة أنها لا تعرف ماذا تفعل. لسنة كاملة كانت تستيقظ كل يوم على معركة. اليوم لا توجد معركة. لا جلسة. لا استدعاء. لا تحقيق. لا أوراق. فقط صمت. وهذا الصمت أخافها أكثر من أي شيء. عادت إلى شركتها. استقبلها الموظفون بالتصفيق. لكنها طلبت منهم العودة إلى أعمالهم. ثم دخلت مكتبها.

وأغلقت الباب. وجلست وحدها. لعدة دقائق. بلا حركة. بلا صوت. ثم فتحت الدرج. وأخرجت صورة قديمة لها مع كريم. كانت آخر صورة بقيت معها. تأملتها طويلًا. في الصورة كانت تضحك. ضحكة حقيقية. لم تكن تعرف وقتها ما ينتظرها. لم تكن تعرف أن الرجل الواقف بجانبها سيكسر قلبها. ولم تكن تعرف أنها ستنجو بعد ذلك. ابتسمت بحزن. ثم مزقت الصورة بهدوء. لأول مرة. ولم تشعر بأي ألم. بعد أسبوعين… وصلتها رسالة إلكترونية غريبة. من مؤسسة خيرية كبيرة.

كانوا يريدون مقابلتها. ظنت في البداية أنها دعوة روتينية. لكن عندما قرأت التفاصيل… فوجئت. المؤسسة كانت تختار شخصية نسائية ناجحة كل عام لقيادة مشروع لدعم النساء اللواتي تعرضن للخيـ,ـانة المالية والعنف الاقتصادي. قالت السكرتيرة: ـ هتوافقي؟ ظلت صامتة للحظة. ثم قالت: ـ طبعًا. وخلال الشهور التالية… بدأ شيء جديد يدخل حياتها. شيء لم تتوقعه. النساء. قصص النساء. كانت تسمع يوميًا عشرات الحكايات. زوج استولى على ميراث زوجته. أب منع ابنته من حقها. أخ سـ,ـرق أرض أخته.

رجل سجل ممتلكات زوجته باسمه. أرامل فقدن كل شيء. ومطلقات خرجن بلا بيت. وفي كل مرة كانت تسمع قصة… كانت ترى نسخة قديمة من نفسها. ولهذا بدأت تساعد. ليس لأنها تريد الانتقام. بل لأنها تتمنى لو كان هناك أحد ساعدها يوم سقطت. أما نادية الشاذلي… فلم تعد المرأة نفسها. اختفت تقريبًا من حياة الناس. باعت شقتها الكبيرة.

انت في الصفحة 5 من 6 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2