ـ دخليه. دخل الرجل. لكن هذه المرة لم يكن وحده. كان معه شاب طويل. في أوائل الثلاثينات. بملامح متعبة. بمجرد أن رأته سلمى عرفته. ماجد. جلس الثلاثة. ساد صمت طويل. ثم قال ماجد: ـ أنا جاي أقول الحقيقة كاملة. قالت سلمى: ـ اسمع. تنهد. ـ رنا كانت مخطوبتي. ـ أعرف. ـ انفصلنا قبل جوازها من كريم بشهر تقريبًا. ـ وبعدين؟ خفض رأسه. ـ كانت حامل. لم يظهر أي انفعال على وجه سلمى. لكن يدها انقبــ,,ـــــضت تحت الطاولة.
قال: ـ ولما عرفت خافت. ـ من إيه؟ ـ من الفضيحة. ـ طبيعي. ـ وقتها ظهر كريم. صمت للحظة. ثم أكمل: ـ هو كان عارف إنها حامل. ارتفع حاجبا سلمى. ـ متأكد؟ ـ متأكد. ـ إزاي؟ ـ لأن أمه هي اللي قالتله. ساد صمت ثقيل. ثم أخرج ماجد هاتفه. وفتح تسجيلًا صوتيًا. وانطلق صوت نادية بوضوح. “الحمل ده نعمة من ربنا… كريم محتاج الطفل ده أكتر منك.” شحب وجه سلمى. أما ماجد فأكمل تشغيل التسجيل.
“هنتصرف في موضوع النسب بعدين… المهم دلوقتي يتجوزوا.” انتهى التسجيل. وبقي الصمت. ثقيلاً. مرعبًا. كافيًا لتحطيم أي دفاع. في الجهة الأخرى من المدينة. كان كريم يسمع التسجيل نفسه. لكن من هاتف رنا. وكانت الصدمة تلتهمه قطعة قطعة. قال بصوت مبحوح: ـ أمي قالت كده؟ ـ أيوه. ـ يعني كانت عارفة؟ ـ من الأول. جلس على الأريكة كأنه فقد القدرة على الوقوف. كل شيء بدأ ينهار. حتى الأكاذيب التي كان يتشبث بها. حتى فكرة أنه كان المسيطر.
اتضح أنه مجرد أداة. مثل الجميع. في مساء ذلك اليوم. استدعت النيابة نادية رسميًا. دخلت غرفة التحقيق وهي تحاول الاحتفاظ بكبريائها المعتاد. لكن عندما وُضعت التسجيلات أمامها… اختفى الكبرياء. قال المحقق: ـ الصوت صوتك؟ لم تجب. أعاد السؤال.
ـ الصوت صوتك؟ همست: ـ أيوه. ـ كنتِ تعلمين أن الحمل سابق للزواج؟ أغمضت عينيها. ولم ترد. لكن الصمت كان إجابة. في الخارج. وصل الخبر إلى كريم خلال دقائق. جلس داخل سيارته. ثم انفجر بالبكاء. بكاء حقيقي.
ليس خوفًا فقط. بل لأن كل شيء صدقه عن نفسه تحطم. لم يكن الزوج المنتصر. ولا الرجل الذي استعاد رجولته. ولا الأب المنتظر. كان مجرد رجل خسر زوجته. وخسر سمعته. وخسر أمواله. وخسر حتى الحقيقة التي بنى عليها خـ,ـيانته. أما سلمى… فكانت تقف وحدها في شرفة مكتبها. تنظر إلى أضواء القاهرة. والهواء الليلي يمر على وجهها. رن هاتفها. رقم غير محفوظ. ردت. جاءها صوت المحامي شريف. ـ عندي خبر مهم. ـ خير؟ ـ النيابة قررت التحفظ على بعض الحسابات الجديدة.
ـ حسابات مين؟ ـ كريم. سكتت. ثم قال: ـ وفي حاجة أهم. ـ إيه؟ ـ فيه شاهد جديد ظهر. تجمدت. ـ شاهد على إيه؟ ـ على اختلاس أكبر من اللي إحنا عارفينه. شعرت سلمى بأن قلبها تسارع. قال شريف: ـ واضح إن اللي اكتشفناه لحد دلوقتي مجرد أول طبقة. ـ يعني؟ ـ يعني يا سلمى… فيه ملايين تانية مختفية. سادت لحظة صمت. ثم قال بهدوء: ـ وأعتقد إن اللي سـ,ـرقها مش كريم لوحده. أغلقت سلمى عينيها ببطء.
لأنها أدركت أن الكابوس لم ينتهِ بعد. بل بدأ يكشف وجهًا أكثر ظلامًا. وجهًا قد يورط أشخاصًا لم تتوقعهم أبدًا. يتبع… الفصل الرابع: المال الذي خرج من الظل في اليوم التالي، لم تدخل سلمى الشركة من الباب الرئيسي. دخلت من الجراج الداخلي، واصطحبها شريف مباشرة إلى غرفة الأرشيف المالي في الدور السادس. كانت الغرفة باردة، مليئة بخزائن رمادية طويلة، وأجهزة كمبيوتر قديمة، وصناديق ملفات تحمل تواريخ متراكمة من سنوات. قال شريف وهو يغلق الباب: ـ الشاهد الجديد اسمه وليد منصور.
رفعت سلمى عينها. ـ وليد؟ مدير الحسابات القديم؟ ـ أيوه. ـ ده مش سافر الكويت من سنة؟ ـ ما سافرش. اختفى. سلمى شعرت بقبــ,,ـــــضة في صدـ,,ـــرها. ـ اختفى ليه؟ ـ لأنه اكتشف تحويلات كبيرة جدًا، ولما حاول يبلغك، كريم هدده. وقفت سلمى صامتة. تذكرت وليد. رجل هادئ، دقيق، لا يتدخل في شيء. كان قدّم استقالته فجأة، يومها قال كريم: “ده موظف ضعيف ومش قد مسؤولية شركة كبيرة.” وهي صدقته. أو بالأصح، أرادت أن تصدقه. قالت سلمى:
ـ وليد فين دلوقتي؟ ـ في مكان آمن. وهيقابلنا النهارده. في مكان آخر، كان كريم يجلس أمام أمه في بيتها. لم يعد يصرخ. لم يعد يهدد. كان ينظر إليها كأنه يراها لأول مرة. قال بصوت منخفض: ـ ليه؟ نادية لم ترفع عينيها. ـ كنت بحميك. ضحك ضحكة قصيرة ميتة. ـ بتحميني؟ جبتِ واحدة حامل من غيري وخلتيني أتجوزها عشان تحميني؟ قالت فجأة: ـ عشان كنت عايزاك تبقى أب! ضــ,,ـــــرب بيده على الطاولة. ـ بالكذب؟ ـ الناس ما بترحمش.
ـ وسلمى؟ رفعت نادية وجهها بقسوة. ـ سلمى كانت ست بفلوس، لكن من غير عيل. كانت هتفضل مسيطرة عليك طول العمر. نظر إليها بذهول. ـ هي اللي كانت شايلاني. ـ وكانت مذلاك. قال ببطء: ـ لا يا أمي. إنتِ اللي كنتِ مذلاني. سكتت. كأن الكلمة صفعتها. أكمل: ـ إنتِ خليتيني أكره مراتي عشان عيب فيا. خليتيني أصدق إن كرامتي مش هترجع غير لما أوجعها. خليتيني أخسر كل حاجة. قالت ببرود: ـ إنت اللي سـ,ـرقت. صمت كريم.
هذه المرة لم يجد دفاعًا. عند الظهيرة، قابلت سلمى وليد منصور. كان أنحف مما تذكر. وجهه مرهق، وعيناه متوترتان. جلس أمامها ووضع حقيبة صغيرة على الطاولة. قال: ـ آسف إني اختفيت. قالت سلمى بهدوء: ـ كان لازم تيجي لي. ـ حاولت. ـ إمتى؟ ـ قبل استقالتي بأسبوع. طلبت أقابلك، كريم منعني. قال إنك مسافرة، مع إنك كنتِ في المكتب. تذكرت سلمى ذلك الأسبوع. كان كريم يصر دائمًا أن يتولى هو مراجعة الحسابات، ويقول لها: “ركزي في الصفقات الكبيرة، التفاصيل الصغيرة عليا.”
التفاصيل الصغيرة كانت ملايين. فتح وليد الحقيبة. أخرج هارد ديسك وملفًا أحمر. ـ دي نسخ من التحويلات. شركات وهمية. عقود صيانة غير موجودة. فواتير تدريب وهمية. وشراء أجهزة لم تدخل الشركة أصلًا.
سأل شريف: ـ المبلغ؟ ابتلع وليد ريقه. ـ تقريبًا خمسة وثلاثين مليون جنيه على ثلاث سنوات. شعرت سلمى بأن الأرض مالت تحتها. خمسة وثلاثون مليونًا. ليس مبلغًا مسروقًا فقط. بل سنوات من تعبها. سهرها. صحتها. عمرها. قالت بصوت بالكاد خرج: ـ مين كان معاه؟
نظر وليد إليها بحذر. ـ كريم… وحسام أخوه… وشخص من داخل الإدارة القانونية. رفعت سلمى رأسها بسرعة. ـ مين؟ صمت وليد. ثم قال: ـ أستاذ محمود الرفاعي. اتسعت عيناها. محمود. المستشار القانوني القديم. الرجل الذي كان يحضر اجتماعات العائلة. الرجل الذي كان يقول لها دائمًا: “كريم راجل يعتمد عليه.” الآن فهمت لماذا كانت كل الأوراق تبدو سليمة. لأن من كان يحميها قانونيًا كان جزءًا من الفساد. في المساء، وصل الخبر إلى حسام. كان يجلس في سيارته أمام النادي عندما تلقى مكالمة من رقم مجهول.
ـ حسام الشاذلي؟ ـ أيوه. ـ معاك وليد منصور. تجمد. ـ عايز إيه؟ ـ قول لأخوك إن الملفات وصلت لسلمى. لم يرد حسام. أغلق الخط فورًا. بعد دقيقة واحدة، كان يتصل بكريم. ـ إحنا اتكشفنا. قال كريم بقلق: ـ إيه؟ ـ وليد رجع. ساد صمت. ثم قال كريم: ـ مستحيل. ـ ومعاه الملفات. ـ أنت متأكد؟ ـ اتصل بيا بنفسه. سمع حسام أنفاس كريم الثقيلة. ثم قال: ـ محمود الرفاعي لازم يتحرك. ـ محمود اختفى من الصبح.
ازدادت نبضات حسام. ـ يعني إيه اختفى؟ ـ تليفونه مقفول. ومكتبه فاضي. هنا فهم الاثنان أن الدائرة تضيق. وأن كل واحد سيحاول النجاة بنفسه. بعد يومين، بدأت الاستدعاءات تتوالى. حسام. محمود الرفاعي. مورّدون. موظفون سابقون. رنا. ماجد. نادية. وكريم. الأسماء التي كانت تجلس يومًا حول موائد فاخرة وتضحك على سلمى، أصبحت الآن تُنادى في ممرات التحقيق. وكانت سلمى كلما سمعت اسمًا جديدًا لا تشعر بالفرح. كانت تشعر بثقل. كأن حياتها كانت مبنية على قبو مظلــ,,ـــــم، وكلما فُتح باب ظهر خلفه باب أسوأ.
في إحدى الليالي، وقفت رنا أمام باب شقة سلمى الجديدة. لم تكن تعرف كيف حصلت على العنوان. لكنها جاءت. شعرها غير مرتب. وجهها خالٍ من المكياج. وعيناها غارقتان في الندم والخوف. فتحت سلمى الباب بنفسها. لم تقل شيئًا. قالت رنا بصوت مكسور: ـ ممكن خمس دقايق؟ نظرت سلمى إليها. كان بداخلها غضب يكفي لحــ,,ـــــرق المدينة. لكنها فتحت الباب. دخلت رنا وجلست على حافة المقعد كأنها لا تستحق الجلوس. قالت: ـ أنا مش جاية أطلب سماح.
قالت سلمى: ـ كويس. عشان مش هديه. انخفض رأس رنا. ـ أنا جاية أقولك إن كريم هيحاول يهرب. تجمدت سلمى. ـ يهرب فين؟ ـ تركيا. حسام دبر له جواز سفر تاني باسم مختلف عن طريق واحد يعرفوه.
اتسعت عينا سلمى. ـ عندك دليل؟ أخرجت رنا هاتفها. ـ تسجيل مكالمة بينهم. أخذته سلمى بحذر. سمعت صوت كريم بوضوح: “قبل ما التحقيق يربطني، لازم أطلع. سلمى لو قفلتها عليا مش هعرف أتنفس.” وصوت حسام: “التذكرة جاهزة. بس لازم تاخد الكاش من محمود الأول.”
أغلقت سلمى التسجيل. رفعت عينيها إلى رنا. ـ ليه بتساعديني؟ وضعت رنا يدها على بطنها. ـ عشان ابني مالوش ذنب يتولد وأمه هاربة وأبوه مزور. قالت سلمى ببرود: ـ ابنك مش ابن كريم. بكت رنا. ـ عارفة. ساد الصمت. ثم قالت: ـ وده جزء من العقاب. إني عرفت الحقيقة بعد ما خسرت كل حاجة. سلمى لم تجب. أرسلت التسجيل فورًا إلى شريف. ثم قالت لرنا: ـ امشي. وقفت رنا. ـ أنا آسفة. ردت سلمى بعد لحظة:
ـ آسفة لا تصلح البيوت التي تهدمتموها. خرجت رنا. وبقيت سلمى واقفة في منتصف الصالة، تسمع صوت الباب يغلق. لم تشعر بالانتصار. لكنها شعرت أنها أصبحت أقرب للنهاية. في الفجر، تم ضبط كريم قبل سفره. كان في طريقه إلى المطار، يحمل حقيبة صغيرة، ووجهه شاحب، وجواز سفر مزورًا داخل بطانة الجاكيت. عندما رأى رجال الأمن، لم يقاوم. فقط أغلق عينيه. وكأن جزءًا منه كان ينتظر هذه اللحظة. سأله أحدهم: ـ كريم الشاذلي؟ فتح عينيه وقال ببطء:
ـ أيوه. في تلك اللحظة، انتهى آخر فصل من وهمه. لم يعد صاحب الفيلا. لم يعد المدير. لم يعد العريس المنتصر. كان رجلًا حاول الهروب من نتيجة أفعاله. وفشل. وصل الخبر إلى سلمى في السابعة صباحًا. كانت جالسة وحدها تشرب قهوتها. قال شريف عبر الهاتف: ـ اتقبــ,,ـــــض عليه. لم تتكلم. ـ سلمى؟ قالت بهدوء: ـ تمام. ـ كنت فاكر هتفرحي. نظرت إلى فنجان القهوة. ـ أنا تعبت من الفرح بسقوط الناس. ـ ده حقك. ـ عارفة. بس كان نفسي حقي ييجي من غير ما حياتي كلها تتكسر الأول.
صمت شريف. ثم قال: ـ النهارده عندك جلسة مهمة. لازم تكوني قوية. ابتسمت بمرارة. ـ أنا بقيت قوية من كتر ما اتكسرت. في الجلسة التالية، دخل كريم مكبلًا بإجراءات قانونية تحفظية، لا بقيود ظاهرة، لكن بوجه رجل فقد العالم. نظر إلى سلمى. كانت جالسة مستقيمة. هادئة. بعيدة. كأن بينهما حياة كاملة ومــ,,ـــــوت كامل. قال بصوت خافت عندما مر بجانبها: ـ سلمى. لم تلتفت. قال: ـ أنا آسف. هذه المرة سمعتها. لكنها لم ترد. لأن الاعتذار الذي يأتي بعد انكشاف الجـ,ـريمة ليس ندمًا دائمًا.
أحيانًا يكون خوفًا فقط. استمرت التحقيقات أسابيع. كل يوم تظهر ورقة جديدة. كل يوم ينكشف اسم جديد. نادية اعترفت جزئيًا. حسام حاول إنكار كل شيء، ثم انهار عندما واجهته التحويلات.
محمود الرفاعي سلّم نفسه بعد اختفائه، وادعى أن كريم أجبره. رنا قدمت شهادتها مقابل حماية قانونية محدودة. ماجد اعترف بدوره في الفواتير. ووليد أصبح الشاهد الأقوى.