وتركت النادي. وتوقفت الزيارات. وتبخر الأصدقاء الذين كانوا يلتفون حولها. ذات يوم… وصل إلى سلمى خبر أنها دخلت المستشفى. أزمة قلبية. لم تشعر بالشماتة. فقط شعرت بالتعب. تعب السنوات كلها. وقالت لنفسها: “الكره بيأكل صاحبه في الآخر.” أما رنا… فكانت تعيش حياة مختلفة تمامًا. تربي طفلها. وتعمل عن بعد. وتحاول أن تبدأ من جديد. لم تصبح صديقة لسلمى. ولن تصبح. لكن بينهما حدث شيء غريب. نوع من السلام البعيد. سلام لا يقوم على المحبة.
بل على انتهاء الحرب. وفي أحد الأيام… كانت سلمى خارجة من مؤتمر اقتصادي كبير. وحولها الصحفيون. وفجأة سمعت صوتًا مألوفًا. صوتًا لم تسمعه منذ أكثر من عام. التفتت. كان كريم. أنحف بكثير. أكثر هدوءًا. وأكبر سنًا مما كان. مرت لحظة طويلة. لم يتحرك فيها أي منهما. ثم اقترب ببطء. وقال: ـ إزيك يا سلمى؟ نظرت إليه. وللمرة الأولى منذ سنوات… لم تشعر بغضب. ولا حب. ولا كراهية. لا شيء. مجرد شخص تعرفه.
قالت: ـ الحمد لله. هز رأسه. ـ شكلك كويس. ـ وأنت كمان. ابتسم ابتسامة صغيرة. ـ لا… أنا مش كويس. صمتت. ثم قال: ـ بس بحاول. ظلا واقفين للحظة. ثم قال: ـ كنت عايز أقولك حاجة من زمان. ـ اتفضل. أخذ نفسًا عميقًا. ـ شكرًا. رفعت حاجبها. ـ شكرًا؟ ـ أيوه. ـ على إيه؟ نظر إلى الأرض. ثم قال: ـ لأنك وقفتي قدامي. استغربت. فأكمل: ـ لو كنتي سبتيني أكمل بنفس الطريقة… كنت هضيع أكتر.
ساد الصمت. ثم قال: ـ خسرت كل حاجة عشان أفهم حاجات كان لازم أفهمها من سنين. نظرت إليه طويلًا. ثم قالت: ـ أتمنى تكون اتعلمت. أومأ. ـ اتعلمت. ثم ابتسم بحزن. ـ متأخر… بس اتعلمت. غادر كريم. ومشت سلمى في الاتجاه الآخر. لم تنظر خلفها. ولم ينظر هو أيضًا. بعض القصص لا تنتهي بعودة الأحبة. ولا باعتذار يعيد الزمن. ولا بدموع. بعض القصص تنتهي عندما يتوقف الجـ,ـرح عن التحكم في حياتك.
وهذا ما حدث. في مساء ذلك اليوم… عادت سلمى إلى منزلها. كان البيت هادئًا. دافئًا. مليئًا بالنور. وضعت حقيبتها. ثم خرجت إلى الشرفة. وأمامها امتدت أضواء القاهرة. تمامًا كما كانت تمتد قبل عام. لكنها هي لم تعد كما كانت. لم تعد المرأة التي تخاف الوحدة. ولا المرأة التي تشتري الحب بالأعذار. ولا المرأة التي تسمح لأحد أن يحدد قيمتها. أصبحت تعرف نفسها. وتحترم نفسها. وهذا كان أعظم انتصار. رن هاتفها.
رسالة من شريف. “مبروك يا سلمى. النهارده بالضبط مر عام على بداية القضية.” ابتسمت. ثم كتبت: “لا… النهارده مر عام على بداية حياتي الجديدة.” أرسلت الرسالة. ورفعت رأسها نحو السماء. وأغمضت عينيها. للحظة فقط. لحظة هادئة. خالصة. بلا خوف. بلا خـ,ـيانة. بلا دموع. ثم فتحت عينيها من جديد. ودخلت إلى بيتها. وأغلقت الباب خلفها. ليس هربًا من الماضي. بل لأن المستقبل كان ينتظرها في الداخل. تمت النهاية.