كانت فرحانة. ومتوترة. وخايفة. وسعيدة. كل المشاعر مرة واحدة. أما المشكلة… فكانت في عمران. إزاي تقوله؟ في المساء رجع من الشغل. ولقاها قاعدة هادية بشكل غريب. ـ خير؟ ـ خير. ـ متأكدة؟ ـ أيوه. ـ يبقى أكيد في مصيبة. ضــ,,ـــــربته بالمخدة. فضحك. وقعد جنبها. ـ قولي. ـ لا. ـ ليه؟ ـ مفاجأة. ـ أنا بكره المفاجآت. ـ استحمل. بعد العشا. دخل أوضتهم. ولقى علبة صغيرة على السر,,ـــــير. استغرب. فتحها. وسكت. تمامًا. جوه العلبة كان فيه حذاء طفل صغير جدًا.
أبيض. وصغير لدرجة إنه يستخبى في كف إيده. فضل باصص له ثواني. مش مستوعب. ثم رفع عينه ببطء. ولقى داليدا واقفة. وعينيها مليانة دموع وفرحة. همست: ـ مبروك يا بابا. في اللحظة دي… وقف الزمن. عمران ما اتحركش. ولا اتكلم. ولا حتى رمش. ثم فجأة… ضحك. وبعدين دمعت عينه. ولأول مرة في حياته. بكى من الفرح. داليدا نفسها اتفاجأت. لأن عمران عمرها ما شافته بيعيط. أبدًا. لكنه قرب منها. ومسك وشها بين إيديه. وقال بصوت مخنوق:
ـ بجد؟ هزت رأسها. ـ بجد. ـ حامل؟ ضحكت وسط دموعها. ـ أيوه. ـ يعني هيبقى عندنا طفل؟ ـ أيوه. في اللحظة دي شالها من الأرض. ولف بيها. وهو بيضحك كأنه طفل صغير. ـ عمران نزلني! ـ مستحيل! ـ هتقعني! ـ أخليكي تقعّي وإنتي شايلة ابني؟ ثم توقف فجأة. ـ أو بنتي. ـ أو بنتك. ـ أو الاتنين. ضحكت. وهو فضل يبصلها كأنه مش مصدق. ومن اليوم ده… اتحول عمران لشخص تاني تمامًا. بقى يسألها كل خمس دقايق:
ـ أكلتي؟ ـ ارتحتي؟ ـ شربتي مية؟ ـ نمتي كويس؟ لدرجة إنها بدأت تشتكي. ـ عمران أنا حامل مش مريضة. ـ الاتنين عندي واحد. ـ لا مش واحد. ـ عندي واحد. حتى صفية نفسها بدأت تلاحظ التغيير. وفي يوم دخلت عليهم. ولقت عمران بيمنع داليدا تشيل صينية صغيرة. شهقت. ـ يا نهار أبيض. عمران بص لها. ـ نعم؟ ـ دي صينية فاضية. ـ برضه تقيلة. داليدا انفجرت ضحك. أما صفية فهزت رأسها. وقالت: ـ ابني ضاع.
لكن رغم كل الفرح… كان في شيء جديد بيحصل. شيء بدأ يكبر جوه صفية نفسها. لأنها لأول مرة بدأت تشوف داليدا بعين مختلفة. وبدأت تعترف بينها وبين نفسها… إن البنت دي فعلًا بتحب ابنها. أكتر من أي حد تاني. وإن وجودها خلا عمران أسعد راجل في الدنيا. لكن لسه الطريق طويل. ولسه الحمل في أوله. ولسه عمران هيكتشف إن غيرته وخوفه على داليدا هيزيدوا أضعاف. خصوصًا بعد الدــ,,ـــــادثة اللي هتحصل في الشهر الرابع… واللي هتخليه يعيش أسوأ ساعات عمره.
الفصل الأخير: بعد سنوات من الحب مرت شهور الحمل ببطء على عمران. أما على داليدا…
فمرت وسط حب واهتمام كانت أحيانًا تضحك بسببه. لأن عمران تحول حرفيًا إلى حارس شخصي. لو عطست مرة يسألها عشر مرات. ولو اتأخرت دقيقة عن الرد عليه يقلب الدنيا. ولو مشت بسرعة خطوتين يطلب منها تهدى. وكانت كل ما تضحك عليه يقول بجدية: ـ أنا دكتور. فترد: ـ وأكتر راجل مبالغ في الدنيا. وفي الشهر الرابع حصلت الأزمة اللي خوفت الجميع.
داليدا تعبت فجأة. واضطروا يروحوا المستشفى. وساعات طويلة مرت على عمران وكأنها سنين. ولأول مرة أهل الدوار شافوا خوفه الحقيقي. كان ماشي في الممر ذهابًا وإيابًا. وشاحب الوجه. ولا قادر يقعد. ولا قادر يتكلم. ولما خرج الدكتور أخيرًا وقال: ـ الحمد لله… هي والبيبي بخير. جلس عمران على أول كرسي قابله. وكأن حمل جبل كامل انزاح من فوق صدـ,,ـــره. ومن يومها زاد تعلقه بها أكثر. وأقسم ألا يجعلها تحمل همًا واحدًا ما دام حيًا. وجاء يوم الولادة.
الدوار كله كان مستيقظًا. صفية تدعو. الحاج منصور يسبح. والكل ينتظر. أما عمران… فكان أسوأهم حالًا. حتى إن أحد أعمامه قال مازحًا: ـ اللي جوه بيولد مين بالضبط؟ داليدا ولا عمران؟ فضحك الجميع. إلا عمران. كان قلقًا بالفعل.