اتجمدت مكانها. ولأول مرة… ما عرفتش ترد. في الليل. كانت قاعدة في البلكونة الصغيرة بتاعة الجناح. والجو هادي. والنجوم مالية السما. وفجأة خرج عمران. وكان معاه بطانية. حطها على كتفها. ـ البرد هيزيد. ابتسمت. ـ شكراً. قعد جنبها. وفضلوا ساكتين. لكن الصمت المرة دي ما كانش محرج. كان مريح. دافي. وكأن وجود كل واحد فيهم جنب التاني كفاية. وبعد دقائق قالت داليدا بهدوء:
عمران؟ ـ نعم؟ ـ لو رجع الزمن بيك… كنت هتتجوزني برضه؟ ابتسم.
من غير تفكير. ـ ألف مرة. نزلت عيونها بخجل. أما هو فابتسم وهو شايف ارتباكها. لكن اللي ما كانش يعرفه… إن داليدا لأول مرة بدأت تتمنى تكمل عمرها كله معاه. مش لأنها زوجته. ولا لأنها مدينة له. لكن لأنها بقت تحبه فعلًا. حب كبير. وكل يوم بيكبر أكتر. وفي نفس الوقت… في الدوار. كانت صفية قاعدة لوحدها. وبين إيديها صورة قديمة جدًا. صورة لعمران وهو طفل. وبجانبها رسالة قديمة كانت مخبياها سنين. رسالة لو ظهرت…
ممكن تغير حاجات كتير في حياة ابنها. وتكشف سرًا من الماضي عمره ما عرفه. لكنها كانت لسه مترددة… هل تدفــ,,ـــــن السر للأبد؟ ولا تقوله الحقيقة؟ يتبع الفصل الرابع عشر: السر القديم رجعوا من السفر بعد يومين. لكن داليدا رجعت شخص تاني. كانت طول الطريق مبتسمة. كل شوية تفتكر موقف من الرحلة وتضحك. وعمران كان سايق العربية ومبسوط لمجرد إنه شايفها سعيدة. ولأول مرة من سنين… حس إن البيت بقى بيت فعلًا. مش مجرد مكان بينام فيه.
لما وصلوا الدوار. اتفاجأوا إن الجو متوتر. الخدم بيتكلموا بصوت واطي. والكل باين عليه القلق. أول ما دخل عمران سأل: ـ في إيه؟ واحد من الرجالة رد بسرعة: ـ الحاجة صفية تعبانة. عمران اتجه لأوضة أمه فورًا. وداليدا مشيت وراه. دخلوا. ولقوا صفية على السر,,ـــــير. وشكلها مرهق جدًا. أول ما شافت عمران دموعها نزلت. وده لوحده كان غريب. لأن صفية عمرها ما كانت بتبين ضعفها. قرب منها عمران. ـ مالك يا أمي؟ مسكت إيده. وبصت له نظرة غريبة.
كأنها شايلة حمل سنين. وقالت: ـ محتاجة أكلمك. لوحدنا. داليدا خرجت. وقفلت الباب وراها. لكن قلبها انقبــ,,ـــــض. لأنها أول مرة تشوف صفية بالشكل ده. جوه الأوضة. فضلت صفية ساكتة دقيقة كاملة. وبعدين فتحت درج الكومودينو. وأخرجت ظرف قديم. أصفر من الزمن. ومدتّه لعمران. ـ افتحه. استغرب. لكن فتحه. ومع أول سطر قراه… وشه اتغير. تمامًا. بعد نص ساعة خرج من الأوضة. وشه شاحب. وعينه سرحانة. كأنه سمع حاجة هزت الدنيا تحت رجليه. داليدا قامت فورًا.
ـ عمران؟ بصلها. لكن ما ردش. ـ مالك؟ سكت. ثم قال: ـ عايز أبقى لوحدي شوية. ومشي. لأول مرة. من يوم ما عرفته. يمشي ويسيبها كده. من غير ما يطمنها. من غير ما يشرح. من غير حتى ما يبصلها كويس. وقتها بس… داليدا خافت. بجد. عدى يوم كامل. وعمران متغير. بياكل قليل. بيتكلم قليل. وسرحان طول الوقت. وفي اليوم التاني. داليدا ما استحملتش. دخلت عليه المكتب. وقفلت الباب. ـ إحنا هنتكلم. رفع رأسه ببطء. ـ دلوقتي؟
ـ أيوه دلوقتي. سكت. فكملت: ـ أنت زعلان من إيه؟ ـ مفيش. ـ لا فيه. ـ يا داليدا… ـ لا. لأول مرة كانت عنيدة بالشكل ده. ـ أنا مراتك. ومن حقي أعرف. الجملة دي هزته. لأنه فعلًا بقى متعود يحكي لها كل حاجة. لكن دي بالذات… صعبة. قوي. تنهد طويلًا. ثم قال: ـ أمي خبت عليا حاجة طول عمري. داليدا سكتت. ـ إيه؟ ـ الحقيقة الكاملة عن أبويا. اتوترت. لأن عمران كان دايمًا حساس ناحية الموضوع ده.
من وهو صغير. وهو فاكر إن أبوه مات وهو طفل. لكن الرسالة كانت بتقول حاجة تانية. حاجة قلبت حياته كلها. قال بصوت متعب: ـ أبويا ما ماتش وقتها. داليدا اتجمدت. ـ إيه؟ ـ عاش سنين. وسابنا. الصمت نزل بينهم. ثواني طويلة. ثم همست: ـ يعني إيه؟ ضحك ضحكة موجوعة.
يعني الراجل اللي قضيت عمري كله فاكره بطل… اختار يمشي. ويسيبني. ويسيب أمي. ويسيب البيت كله. كانت أول مرة تشوف وجع عمران الحقيقي. الوجع اللي عمره ما وريه لحد.
وفجأة. ومن غير تفكير. قامت من مكانها. ومشت ناحيته. وحطت إيديها على كتفه. ـ بصلي. رفع عينه. فقالت بهدوء: ـ أنا ماليش دعوة هو عمل إيه. ولا اختار إيه. ولا كان يستاهل يبقى أب ولا لا. لكن في حاجة واحدة أعرفها. ـ إيه؟ ـ إنه خسر. سكت. فكملت: ـ خسر إنه يشوف الراجل اللي بقيت عليه. وخسر إنه يعرفك. وخسر إنه يبقى جزء من حياتك. أما أنت… فأنت كسبت ناس بتحبك بجد. عين عمران لمعت لأول مرة.
ثم قالت وهي تبتسم: ـ وأنا أولهم. الصمت نزل. لكن المرة دي كان مختلف. دافي. مليان مشاعر. وعمران فضل باصص لها. كأنه بيشوفها لأول مرة. ثم مد إيده. ومسك إيدها بين إيديه. وقال بصوت منخفض: ـ تعرفي؟ ـ إيه؟ ـ كل مرة أقول إني بحبك… أكتشف إني كنت أقلل من الحقيقة. احمر وشها فورًا. لكن قلبها كان بيطير. ومن يومها. بقت أقرب إنسانة ليه. بقت أول شخص يحكيله. وأول شخص يدور عليه لما يفرح. وأول شخص يحتاجه لما يتوجع.
لكن الأيام الجاية كانت مخبية لهم مفاجأة أكبر. مفاجأة هتخلي الدوار كله يفرح. وتخلي عمران يعيش أسعد أيام عمره. لأن داليدا كانت على وشك تكتشف خبر هيغير حياتهم للأبد… ❤️ الفصل الخامس عشر: الخبر اللي غير كل حاجة مر أسبوعين بعد موضوع الرسالة. وعمران بدأ يرجع لطبيعته. أو بالأصح… رجع أسرع بسبب داليدا. لأنها ما سابتوش لحظة. كل ما تلاقيه سرحان تجره للكلام. كل ما تشوف الحزن في عينه تفتعل أي حجة علشان تضحكه. وفي يوم بالليل كان قاعد في المكتب.
يدور على ملف. وفجأة لقاها داخلة. شايلة صينية شاي. ـ اتفضل يا دكتور. رفع رأسه وابتسم. ـ شكراً يا ست الدكتورة. ضحكت. لكن فجأة. وشها اتغير. وحطت الصينية بسرعة. وجريت ناحية الحمام. عمران اتخض. وقام وراها فورًا. ـ داليدا! لكنها قفلت الباب. وبعد دقائق خرجت. وشها شاحب. ـ مالك؟ ـ مفيش. ـ مفيش إزاي؟ ـ يمكن تعبت شوية. لكن عمران ما اقتنعش. أبدًا. تاني يوم. صحيت متأخرة. وده لوحده كان غريب. وبعدين رفضت الفطار. والغدا.
ولما شمت ريحة القهوة اللي بيعشــ,,ـــــقها عمران… حست بدوخة. فهمت. أو بدأت تشك. لكنها ما قالتش حاجة. بعد يومين. راحت تكشف في عيادة بعيدة مع دكتورة تعرفها. وقلبها كان بيدق طول الطريق. لحد ما خرجت الدكتورة بابتسامة. وقالت: ـ مبروك يا مدام داليدا. كانت كلمة واحدة. لكنها خلت الدنيا كلها تسكت حواليها. ـ يعني…؟ ضحكت الدكتورة. ـ حامل.
رجعت البيت. وهي مش حاسة برجليها.