وبعد ساعات طويلة… خرجت الممرضة مبتسمة. وقالت: ـ مبروك. رزقكم الله بولد جميل. لم يشعر عمران بنفسه. دخل الغرفة فورًا. ولما رأى داليدا تحمل طفلهما… توقف. كان المشهد أجمل من كل أحلامه. اقترب ببطء. وجلس بجوارها. ثم نظر للطفل. وقال بصوت مرتجف: ـ ده ابني؟ ضحكت داليدا. ـ لا… ابن الجيران. نظر لها ثم ضحك. ولأول مرة حمل طفله بين يديه. وكانت عيناه تلمعان بالسعادة. بعد عامين… رزقهم الله بطفلة جميلة. وبعدها بسنوات قليلة… امتلأ البيت بالأطفال والضحكات.
الولد يركض خلف أخته. والصغيرة تتعلق برقبة أبيها. والدوار الذي كان يومًا مليئًا بالمشاكل… أصبح مليئًا بالحياة. أما صفية… فتغيرت هي الأخرى. ببطء. لكن بصدق. وفي يوم من الأيام كانت داليدا تساعدها في المطبخ. فقالت صفية فجأة: ـ داليدا. التفتت إليها. ـ نعم يا خالتي؟ سكتت صفية قليلًا. ثم قالت: ـ سامحيني. اتسعت عينا داليدا. لأنها لم تتوقع أن تسمع هذه الكلمة أبدًا. أكملت صفية بصوت منخفض: ـ ظلــ,,ـــــمتك. وخسرت سنين بسبب عنادي. لكن ربنا شاهد إني دلوقتي بحبك زي بنتي.
ولأول مرة… احتضنتها داليدا. وبكتا معًا. وانتهت سنوات الجفاء في لحظة واحدة. أما الحاج منصور… فكان يجلس كل مساء يشاهد أحفاده وأحفاد أحفاده يملأون الساحة. ويقول مبتسمًا: ـ الحمد لله. اختياري الوحيد الصح في آخر عمري. وكان يقصد زواج عمران من داليدا.
وفي إحدى الليالي… بعد مرور سنوات طويلة. كان الأطفال نائمين. والبيت هادئًا. وداليدا تقف في الشرفة. تنظر إلى السماء. فشعرت بذراعين تلتفان حولها من الخلف. ابتسمت دون أن تلتفت. ـ لسه بتغير يا عمران؟
ضحك. ـ وهبطل ليه؟ ـ بعد العمر ده كله؟ ـ بعد العمر ده كله أكتر. لفت نحوه. وكان الشيب قد بدأ يظهر في شعره. لكن عينيه كانتا كما هما. نفس النظرة. نفس الحب. نفس الحنان. فقالت بهدوء: ـ تعرف؟ ـ إيه؟ ـ أنا لحد النهارده بشكر ربنا على ليلة هروبي. ضحك. ـ وأنا كمان. ـ ليه؟ ـ لأنك لو ما هربتيش… مكنتش هعرف قد إيه أنا مستعد أعمل أي حاجة علشانك. امتلأت عيناها بالدموع. لكنها كانت دموع سعادة.
سعادة امرأة بدأت قصتها بالخوف. وانتهت بحب عمر كامل. حب وجدته في الرجل الوحيد الذي ظنت يومًا أنه عدوها… فاكتشفت أنه كان وطنها وأمانها وسندها. وعاش عمران وداليدا وسط أولادهما وأحفادهما سنوات طويلة مليئة بالمحبة والدفء والطمأنينة… وكلما سألهم أحد عن سر سعادتهم… كان عمران يبتسم ويقول: ـ السر كله… إني كسبت داليدا. فتضحك هي وترد: ـ لا يا دكتور… إحنا الاتنين اللي كسبنا بعض. تمت بحمد الله ❤️ بقلم اسما السيد