بعد ٥ سنين غربة

كل حاجة كانت معاه.
حسيت إني كنت عايشة خمس سنين وأنا مسلمة حياتي كلها في إيده.
سمعت صوت هدى من ورايا
إنتِ لسه صاحيه؟
قفلت الموبايل.
أيوه.
قعدت جنبي.
بصت لوشي وقالت
بتفكري في إيه؟
ناولتها الموبايل.
بصي.
فضلت تقلب في الصور.
دي تحويلات فلوسك؟
أيوه.
وإنتِ كنتي بتبعتيها كلها لعادل؟
هزيت راسي.
هدى سكتت شوية.
وبعدين قالت
طيب الفلوس دي كانت بتروح فين؟
بصيتلها.
مش عارفة.
سكتنا.

وفجأة هدى قالت
سعاد… إنتِ عمرك ما فكرتي تراجعي حسابك بنفسك؟
ضحكت بسخرية.
كنت بثق فيه.
والثقة مش معناها إنك ما تعرفيش فلوسك راحت فين.
الجملة دي خلتني أسكت.
قمت من مكاني وفتحت شنطتي القديمة.
فضلت أدور بين الهدوم.
لقيت ظرف صغير كنت حاطاه من أيام السفر.
فتحته.
جواه ورقة مطوية.
طلعتها.
كانت نسخة قديمة من كشف حساب.
بصيت فيه.
ولقيت تحويل خارج من حسابي.
لكن الاسم اللي قدامه ماكانش اسم عادل.
كان اسم شركة.
قلبي بدأ يدق.
قربت الورقة من عيني.

هدى…
في إيه؟
مديت لها الورقة.
هو عادل عنده شركة؟
هدى بصت للاسم.
مش عارفة.
فضلنا ساكتين.
لكن حاجة واحدة كانت واضحة قدامي.
أنا لأول مرة لقيت دليل إن الفلوس اللي كنت بحوشها ممكن تكون راحت لمكان غير اللي عادل كان بيقوله.
والسؤال اللي بدأ يكبر جوايا ماكانش بس
فلوسي راحت فين؟
السؤال الحقيقي كان
مين كان بياخدها؟
وفي اللحظة دي، تليفوني رن.
رقم غريب.
بصيت للشاشة.
ماعرفتش الرقم.
هدى قالت
ردي.
ترددت.
وبعدين ضغطت على زر الإجابة.
ألو؟

جالي صوت راجل هادي.
مدام سعاد؟
اتجمدت.
أيوه، مين؟
قال
أنا المحامي شريف.
سكت لحظة.
محامي مين؟
رد بهدوء
محامي كان بيتابع حسابات التحويلات الخاصة بيكي من بره.
قلبي وقع.
إنت عرفت رقمي منين؟
قال
من أوراق قديمة.
وبعدين سكت ثانية قبل ما يقول
ولازم أقابلك ضروري… لأن في حاجة اكتشفتها تخص فلوسك.
سألته وأنا بحبس أنفاسي
حاجة إيه؟
قال
الفلوس اللي إنتِ فاكرة إن عادل أخدها كلها…
سكت.
جزء كبير منها أصلًا مش موجود في حساباته.
فضلت ساكتة.

حسيت إن الدنيا حواليا اختفت.
وبعدين قال
وفي اسم تاني ظهر في التحويلات.
بلعت ريقي.
اسم مين؟
قال
ده اللي لازم أشرحهولك لما نتقابل.
وقبل ما يقفل، قال جملة خلت إيدي تتجمد على التليفون
والأغرب من كده… إن التنازل اللي عادل خلاكي تمضيه مش بالبساطة اللي هو فاكرها.
قفلت المكالمة.
هدى بصتلي.
في إيه؟
بصيت لها.
ولأول مرة من ساعة ما خرجت من بيت عادل، حسيت إن اللي حصل يمكن ماكانش النهاية.
يمكن…
كان أول خيط في الحقيقة.
تاني يوم الصبح، صحيت قبل البنات.

طول الليل وأنا مش عارفة أنام.
كلمة المحامي شريف كانت بتلف في دماغي
اسم تاني ظهر في التحويلات.
مين؟
وليه؟
وليه قال إن التنازل اللي مضيت عليه مش بالبساطة اللي عادل فاكرها؟
كنت خاېفة أفرح.
يمكن أكون متعلقة بأي أمل وخلاص.
يمكن الراجل يكون غلط.
لكن في نفس الوقت، لأول مرة من يوم ما خرجت من بيت عادل، حسيت إن في حاجة ممكن أتمسك بيها.
هدى كانت قاعدة في المطبخ بتحضر الشاي، أول ما دخلت بصتلي.
نمتِ؟
هزيت راسي.
شوية.
حطت الكوباية قدامي.
هتروحي للمحامي؟

أيوه.
سكتت، وبعدين قالت
بس المرة دي ما تروحيش لوحدك.
بصيتلها.
هتيجي معايا؟
ابتسمت.
طبعًا.
بعد ما البنات صحوا وأكلوا، لبستهم، وسيبتهم عند واحدة جارتنا كانت هدى بتثق فيها، وروحت أنا وهي لمكتب المحامي.
المكتب كان في شارع هادي، والدور التالت في عمارة قديمة.
أول ما دخلنا، استقبلنا شاب صغير وقال
مدام سعاد؟
هزيت راسي.
الأستاذ شريف مستنيكي.
دخلنا.
كان راجل في أواخر الخمسينات، هادي جدًا، قدامه ملف كبير.
أول ما شافني، وقف.
بص لوشي.

وبعدين قال
أنا آسف إن أول مقابلة بينا جاية في الظروف دي.
قعدت قدامه.
ماكانش عندي صبر للمقدمات.
قلت
عايزة أعرف فلوسي راحت فين.
فتح الملف.
ده اللي خلاني أتصل بيكي.
طلع مجموعة أوراق.
إنتِ خلال الخمس سنين اللي فاتوا، كنتي بتحولي فلوس من حسابك في الخارج لحساب داخل مصر، صح؟
أيوه.
والحساب ده كان باسمك؟
أيوه.
وعادل كان عنده صلاحية يتابع الحساب؟
سكت.
كان عنده توكيل.
رفع عينه.
توكيل عام؟
مش فاكرة.
هز راسه.
الموضوع مهم جدًا.
قلب ورقة.

التوكيل اللي معاه كان بيسمح له يتصرف في بعض الأمور المالية، لكن مش بالشكل اللي هو استخدمه.
قلبي دق.
يعني؟
قال
في تحويلات خرجت من الحساب من غير ما يكون فيها موافقة مباشرة منك.
كام؟
ذكر رقمًا.
حسيت إني مش قادرة أستوعبه.
ده جزء كبير من فلوسي.
أيوه.
راح فين؟
سكت لحظة.
وبعدين حط ورقة قدامي.
هنا.
بصيت للاسم.
مش اسم عادل.
كان اسم شركة.
نفس اسم الشركة اللي شفتها في كشف الحساب القديم.
رفعت عيني بسرعة.
دي شركة مين؟

قال
مسجلة باسم شخص قريب جدًا من عادل.
سألته
أخوه؟
هز راسه.
بالضبط.
حسيت إن نفسي اتسحب.
يعني عادل كان بيحول فلوسي لأخوه؟
قال
ده اللي ظاهر في المستندات الأولية.
مديت إيدي للورقة.
كنت ببص للأرقام، وكل رقم كان بيحكي عن شهر من غربتي.
شهر كنت فيه بصحى قبل الشمس.
شهر كنت بشتغل فيه ساعات إضافية.
شهر كنت بحرم نفسي من حاجات عشان أوفر جنيه زيادة.
كل ده كان بيتحول لحساب أخو عادل.
قلت بصوت مكسور
وطقم الدهب؟
شريف بصلي.

طقم الدهب اللي لبسته عروسة أخوه.
قال
لو عندك فاتورة الشراء، هنقدر نثبت مصدره.
فتحت شنطتي بسرعة.
كنت فاكرة إن الفاتورة ضاعت.
فضلت أدور بين الورق.
وفجأة لقيتها.
ورقة صغيرة مطوية.
طلعتها.
دي.
شريف أخدها.
بص للفواتير، وبعدين بصلي.
الطقم متسجل باسمك.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
مش عشان الدهب.
لكن عشان لأول مرة حد يقول لي إن الحاجة اللي اتاخدت مني كانت فعلًا بتاعتي.
قلت
أنا مضيت على التنازل.
قال
عارف.
يعني خلاص؟
هز راسه.
مش بالضرورة.

سكت لحظة.
بس لازم أعرف حاجة.
بصيتله.
إيه؟
قال
التنازل اتكتب فين؟
قلت
في البيت.
وكان مين موجود؟
افتكرت.
هدى قربت مني.
بدأت أفتكر تفاصيل اللحظة.
عادل كان واقف.
وأخوه كان موجود.
وأمه كانت قاعدة.
وكان فيه شخص تاني.
شخص كنت فاكرة وجوده وقتها عادي.
لكن دلوقتي…
بدأت صورته ترجع في دماغي.
راجل غريب كان واقف جنب عادل، وما اتكلمش طول الوقت.
قلت
كان فيه راجل تاني.
شريف قرب الكرسي.
مين؟
هزيت راسي.
مش عارفة.

وبعدين فجأة افتكرت.
كان ماسك ملف في إيده.
وعلى الملف كان مكتوب اسم شركة أخو عادل.
ساعتها بصيت لشريف وقلت
أنا فاكرة اسمه.
مين؟
قلت الاسم.
وشريف اتغيرت ملامحه.
إنتِ متأكدة؟
هزيت راسي.
أيوه.
سكت شوية، وبعدين قفل الملف.
وقال
يبقى الموضوع أكبر من مجرد فلوس اتسحبت من حسابك.
بصيتله.
أكبر إزاي؟
رد بهدوء
لأن الشخص ده ظهر اسمه في معاملات تانية مرتبطة بعادل وأخوه.
وقتها حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
أنا كنت فاكرة إن جوزي سـ,ـرق فلوسي.

لكن الظاهر…
إن اللي حصل كان متخطط له من سنين.
شريف سحب ورقة تانية من الملف وحطها قدامي.
بصي هنا.
قربت منها.
كان فيها تواريخ ومبالغ وأسماء حسابات.
التحويلات دي كلها حصلت في فترات متقاربة.
بصيت للتواريخ.
واحد منها كان في نفس الأسبوع اللي اشتريت فيه طقم الدهب.
قلت
يعني الطقم اتجاب بفلوسي؟
غالبًا.
وليه أخوه هو اللي أخده؟
شريف ما ردش بسرعة.
فضل يقلب في الأوراق، وبعدين قال
لأن أخوه كان محتاج سيولة في الفترة دي.
بصيتله باستغراب.
سيولة ليه؟

قال
عشان كان داخل في مشروع.
سكت لحظة.
لكن المشروع اتسجل باسم شركة مختلفة.
حسيت إني تايهة.
أنا مش فاهمة.
شريف شبك إيده قدامه.
سعاد، عادل ماكانش بيحوش فلوسك بس.
بصيتله.
كان بيستخدم جزء منها في معاملات تخص أخوه.
هدى ضړبت كف بكف.
يعني الراجل ده كان بيشتغل بفلوس أختي؟
شريف هز راسه.
ده اللي المستندات بتشير له.
أنا فضلت ساكتة.
كل مرة كنت أسأل عادل
فلوسنا وصلت لكام؟
كان يرد
متقلقيش.
وأنا كنت بتعب أكتر.
كنت بشتغل عشان أوفر.

وهو كان بيقرر الفلوس دي تروح لمين.
لكن فجأة افتكرت حاجة.
الأستاذ شريف.
نعم؟
إنت قلت إن في جزء كبير من الفلوس مش موجود في حساباته.
أيوه.
يعني فين؟
فتح ورقة أخيرة.
في حسابات مرتبطة بأخوه، وفي أصل عقاري.
اتجمدت.
عقار؟
أيوه.
باسم مين؟
سكت.
وبعدين قال
هنا المفاجأة.
قلب الورقة ناحيتي.
بصيت للاسم.
مافهمتش في الأول.
رجعت بصيت تاني.
الاسم كان اسمي.
ده… اسمي.
أيوه.
حسيت إن قلبي وقف.
أنا عندي عقار؟

قال
المستندات بتقول إن في عقار اتشرى بأموال خارجة من حسابك، واتسجل باسمك.
بصيت له.
طيب هو فين؟
ذكر اسم المنطقة.
عرفتها فورًا.
كانت المنطقة اللي عادل كان بيقول عنها إنها غالية ومفيش داعي نحط فلوسنا فيها.
المكان اللي كنت مرة قلتله نفسي نشتري فيه شقة للبنات.
وقتها ضحك وقال
إنتِ بتحلمي كتير.
رجعت أبص للورقة.
بس أنا ما اشتريتش حاجة.
إنتِ ما اشتريتيش.
أمال مين؟
قال
ده اللي هنحاول نثبته.
هدى قربت مني.
يعني ممكن يكون عادل اشترى العقار باسمها؟

شريف قال
ممكن.
سألته
طيب العقار لسه باسمي؟
سكت.
قلبي بدأ يدق.
الأستاذ شريف؟
رفع عينه.
كان باسمك.
كان؟
اتعمل تصرف فيه من فترة.
اتجمدت.
اتصرف فيه إزاي؟
حط قدامي مستند تاني.
اتنقل لاسم شخص تاني.
بصيت للورقة.
وبعدين همست
مين؟
شريف قال الاسم.
حسيت ببرودة في جسمي.
أخوه.
هدى شهقت.
أما أنا، ففضلت ساكتة.
كل حاجة بدأت تركب.
الفلوس.
الدهب.
الشركة.
العقار.
والراجل اللي كان واقف جنب عادل وقت توقيع التنازل.

سألت
والتنازل اللي مضيته؟
شريف قال
ده أهم جزء.
بصيتله.
إيه؟
لو ثبت إن عادل استخدم الټهـ,ـديد والعـ,ـڼف واحتجاز أوراقك عشان يجبرك تمضي، الورقة دي مش بالضرورة تكون نهاية حقوقك.
لأول مرة من وقت ما خرجت من البيت، حسيت إن نفسي رجع.
لكن شريف كمل
بس محتاجين دليل.
فكرت.
وبعدين فجأة افتكرت مريم.
يوم الواقعة، كانت ماسكة موبايلها.
قالتلي إنها صورت جزء من اللي حصل.
وقتها كنت فاكرة إن الفيديو ضاع.
طلعت موبايلي بسرعة واتصلت بيها.
مريم، إنتِ لسه معاكي الفيديو اللي صورتيه يومها؟

سكتت ثواني.
وبعدين قالت
أيوه يا ماما.
قفلت عيني.
ماتمسحيهوش.
قالت
ليه؟
بصيت لهدى.
وبعدين قلت
عشان يمكن يكون هو الحاجة الوحيدة اللي تقدر ترجع لنا حقنا.
لكن وأنا بقفل المكالمة، تليفوني رن مرة تانية.
رقم غريب.
بصيت للشاشة.
وردّيت.
جالي صوت عادل.
سعاد… إنتِ بدأتي تدوري ورايا؟
ماعرفتش أرد عليه في الأول.
فضلت ساكتة، وهو كرر كلامه
سمعاني؟
بصيت لهدى، ولقيتها بتشاورلي إني أحط المكالمة على السماعة.
عملت كده.
قلت بهدوء
إنت عايز إيه يا عادل؟

ضحك ضحكة قصيرة.
أنا اللي عايز؟ ده أنا المفروض أسألك إنتِ عايزة إيه.
أنا مش عايزة منك حاجة.
أمال بتروحي للمحامين ليه؟
اتجمدت.
هدى بصتلي، وحركت شـ,ـفايفها من غير صوت
سجلي.
فتحت التسجيل بسرعة.
قلت
دي فلوسي.
صوته اتغير.
فلوسك إيه؟
الفلوس اللي كنت بحوشها خمس سنين.
سكت ثواني.
وبعدين قال
إنتِ مضيتي على تنازل.
مضيت وأنا مھددة.
إنتِ كنتِ موافقة.
ضحكت بسخرية.
وأنا كنت موافقة على الضړب كمان؟
سكت.

قلت
كنت بتضـ,ـربني وتهـ,ـددني ببناتي، ومانعتني من جوازاتي وأوراق سفري.
رد بعصبية
إنتِ اللي اخترتي تعملي مشكلة يوم الفرح.
أنا عملت مشكلة عشان لقيت دهبي مع عروسة أخوك.
سكت.
سكت بشكل غريب.
حسيت إن سكوتُه أهم من أي رد.

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
6