وفي يوم، حصلت حاجة غريبة. كنت في المطبخ، وسمعت زياد بيتكلم مع أختي في الصالة. قال لها: — إنتي ليه كنتي مش عايزاني؟ سكتت طويلًا. وبعدين قالت: — كنت خايفة. — من إيه؟ — من كلام الناس. قال لها: — والناس أهم مني؟ أختي بدأت تعيط. — لأ. — أمال ليه؟ قالت وهي بتنهار: — كنت غبية. سكت زياد شوية. وبعدين قال: — أنا سامحتك. سمعت صوت بكائها أعلى. — بس مش عايزك تعملي حاجة تاني.
— إيه؟ — لو في يوم جالك طفل محتاجك… ما تسيبيهوش. أختي شهقت. — أوعدك. قال: — خلاص. وبعدين قام. دخل المطبخ عندي وكأنه ما حصلش حاجة. بصلي وقال: — ماما، أنا جعان. ضحكت وأنا بمسح دموعي. — حاضر يا قلب ماما. لكن أختي خرجت من البيت يومها وهي شايلة وجع عمرها كله. وبعد كام يوم، جالنا خبر إن حماتها القديمة، الست اللي كانت سبب كبير في قرارها، تعبت جدًا. راحت لها أختي. وقبل ما الست تموت، قالت لها بصوت ضعيف:
— زياد عامل إيه؟ أختي سكتت. قالت لها: — لسه عند أختك؟ هزت راسها. — أيوه. ابتسمت ابتسامة ضعيفة وقالت: — يبقى ربنا عوّضه عني وعنكي. أختي بصت لها بوجع. — إنتي السبب. قالت: — عارفة. وبعد لحظات، قالت: — بس أنا كنت غلطانة… الطفل اللي الناس قالت إنه هيكسر مستقبلك، هو الوحيد اللي كان ممكن يبني قلبك. وماتت بعدها بأيام. أختي رجعت لنا وهي منهارة. دخلت البيت، ووقفت قدام زياد. كان قاعد بيذاكر. بص لها وقال:
— مالك؟ قعدت جنبه. — أنا فقدت جدتك. قال: — ربنا يرحمها. وبعدين سكت لحظة وقال: — كانت بتحبني؟ أختي ما عرفت ترد. دموعها نزلت. — في الآخر… آه. زياد ابتسم. — خلاص. قالت باستغراب: — خلاص إيه؟ — يبقى نسامحها. بصت له وهي مش مصدقة. — إنت بتسامح كل الناس كده؟ ضحك وقال: — عشان ماما قالتلي إن القلب لو فضل شايل زعل… بيتعب. أختي بصتلي. وفهمت إن كل كلمة علّمتها لزياد، رجعت يومًا عليها.
وفي نفس الأسبوع، كان عند زياد بطولة سباحة. النادي كله كان مليان ناس. وزياد وقف على منصة التتويج، والميدالية حوالين رقبته. المدرب قال قدام الجميع: — زياد مش بس بطل في السباحة… ده بطل في الحياة. الناس صقفت. وأنا كنت واقفة أبكي. أختي كانت واقفة بعيد. زياد نزل من على المنصة وجري ناحيتي. حضنني وقال: — ماما، شوفتي؟ قلت له: — شفتك يا بطل. وفجأة، أختي قربت. زياد بص لها. فضلت واقفة قدامه، ومش قادرة تتكلم.
وبعدين قالت: — مبروك يا ابني. زياد ابتسم. ومد إيده لها. — شكرًا. أختي مسكت إيده. وفضلت تبكي. وبعدين قالت: — أنا مش هطلب منك تناديني ماما تاني. زياد بص لها باستغراب. — ليه؟ قالت: — لأن اللقب ده أنا خسرت حقي فيه من زمان. سكت زياد. فكرت إنها هتمشي. لكن زياد شد إيدها. وقال: — استني. بصت له. — إيه؟ قال: — تعالي معانا. — فين؟ ابتسم: — البيت. أختي انهارت في العياط. لأنها لأول مرة فهمت إن زياد ما كانش بيعاقبها…
هو كان بيديها فرصة. مش عشان ينسي اللي حصل. لكن عشان قلبه كان أرحم من جرحه. رجعنا البيت سوا. دخل زياد وهو ماسك إيدي من ناحية، وإيد أمه من الناحية التانية. وقف في نص الصالة. وبص لماما وبابا. وقال: — أنا النهارده جبتلكم أمي. ماما بصت لأختي، وقامت حضنتها. أختي فضلت تعيط في حضنها زي الطفلة. وبعدها بصتلي. — أنا عمري ما هقدر أرد لك اللي عملتيه. ابتسمت وقلت: — أنا ما عملتش حاجة. — ربيتي ابني.
بصيت لزياد. — هو اللي رباني. أختي قربت منه، وحضنته. المرة دي… زياد ما رجعش لورا. فضل في حضنها ثواني. وبعدين خرج بهدوء، وراح وقف جنبي. أختي مسحت دموعها. وقالت: — ينفع أقولك حاجة؟ زياد ضحك: — قولي. قالت: — أنا كنت فاكرة زمان إن وجودك هيقلل من قيمة عيلتنا. سكتت وهي بتبص له. — طلعت إنت أكتر حاجة رفعت راسنا. زياد ابتسم. وببراءته قال: — يعني أنا بقيت كويس؟ أخته قربت منه وهي بتبكي:
— إنت كنت كويس من أول يوم يا ابني… إحنا اللي ما كناش كويسين كفاية نشوفك. وفي اللحظة دي، زياد بصلي وقال: — ماما؟ قلت: — نعم؟ — أنا عندي مامتين دلوقتي؟ بصيت لأختي. هي كانت بتبكي وبتضحك في نفس الوقت. قلت له: — أيوه يا حبيبي. ضحك وقال: — طب أنا كده أغنى واحد في الدنيا. وضمّني أنا وأمه مع بعض. وساعتها أدركنا كلنا إن الطفل اللي اتساب يومًا باعتباره عبئًا… كان هو أكتر إنسان علّمنا معنى النعمة.
وإن بعض الأمهات ما بتعرفش قيمة أولادها وهي في حضنهم… بتعرفها يوم تشوفهم في حضن غيرها.مرت السنين، وزياد فضل زي ما هو… قلبه أبيض، ووشه بشوش، وكل ما يكبر كان حب الناس ليه بيكبر أكتر. أما أمه، ففضل جواها وجع عمر كامل. ما بقتش تحاول تاخد مكاني، ولا تطلب من زياد ينسى اللي حصل. كانت بس تحمد ربنا إنه اداها فرصة تشوف ابنها وتكون جزء من حياته، حتى لو متأخرة. وفي يوم، كنا قاعدين كلنا سوا، وزياد دخل علينا وهو شايل كوبايات العصير.
حط واحدة قدام أمه، وواحدة قدامي. بص لي وقال: — ماما… اتفضلي. وبعدين بص لأمه وقال: — وإنتي كمان يا ماما. أخته حطت إيدها على قلبها، ودموعها نزلت. المرة دي كانت أول مرة يسمعها الكلمة اللي استنتها سنين. ما صرختش من الفرحة، وما حاولتش تضمه بعنف. بس قالت له وهي بتعيط: — أخيرًا سمعتها منك. زياد ابتسم: — عشان إنتي استنيتي. سألته: — وأنا؟ ضحك وحضني: — إنتي ماما الأولى. ضحكنا كلنا، لكن أختي كانت بتعيط.
مش من الغيرة… من الندم. لأنها فهمت إن ربنا لما أعطاها طفلًا مختلفًا، ما كانش بيعاقبها. كان بيديها فرصة تتعلم معنى الرحمة. لكنها هي اللي خافت من كلام الناس، فخسرت أجمل سنوات عمر ابنها. وأنا، عمري ما ندمت إني فتحـت له قلبي وبيتي. لأن يوم ما أمه قالت: “خديه”… أنا ما كنتش عارفة إني هاخد طفل. أنا كنت باخد نعمة. نعمة ربنا حطها في حضني، وعوضني بيها عن كل وجع عشته. وزياد عمره ما كان ناقصًا…
الناقص كان في عيون اللي ما عرفوش يشوفوا قيمته. وفي آخر يوم من الحكاية، زياد وقف بيني وبين أمه، مسك إيد كل واحدة فينا وقال: — أنا مش مهم مين ولدني… المهم مين حبني. وقتها أمه بصتلي، وحطت إيدها على إيدي وقالت: — ربنا يجازيكي عن ابني كل خير. ابتسمت وقلت لها: — هو مش ابني لوحدي… ده ابننا إحنا الاتنين. ومن يومها، ما بقاش في بيتنا طفل اسمه “زياد اللي اتساب”. بقى عندنا زياد…
الابن اللي اتساب يومًا، فاختار هو بنفسه إنه يسامح. والأجمل… إنه ما ردش القسوة بقسوة. ردها بحب. لأن أحيانًا… الطفل اللي الناس بتعتبره اختبارًا صعبًا، بيكون هو نفسه أجمل هدية في حياة كل اللي حواليه.